مدخل السفسطة وجحد العلوم

صفحة 33

مدخل السَفْسَطَةِ وَجَحْدِ العُلوم

ثم فتشت عن علومي، فوجدت نفسي عاطلاً من علم موصوف بـهذه الصفة، إلا في الحسيات،[1] والضروريات.[2]

فقلت: الآن بعد حصول اليأس لا مطمع في اقتباس المشكلات إلا من الجليَّات[3] وهي الحسيات والضروريات، فلا بد من إحكامها[4] أولاً لأتيقن أن ثقتي بالمحسوسات، وأماني من الغلط في الضروريات من جنس أماني الذي كان من قَبْلُ في التقليدات، ومن جنس أمان أكثر الخلق في النظريات، أم هو أمان محققٌ لا غدر فيه ولا غائلة له.

فأقبلت بجد بليغ، أتأمل المحسوسات والضروريات، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها؟ فانتهى بي طول التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضاً، وأخذ يتسع هذا الشك فيها وتقول: من أين الثقة بالحواس؟ وأقواها حاسة البصر؟ وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفاً غير متحرك، وتحكم بنفي الحركة، ثم بالتجربة والمشاهدة – بعد ساعة – تعرف أنه متحرك، وأنه لم يتحرك دفعة واحدة بغتة، بل بالتدريج ذرة ذرة، حتى لم يكن له حالة وقوف. وتنظر إلى الكوكب فتراه صغيراً في مقدار دينار، ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار. هذا وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس بأحكامه، ويكذِّبـه حاكم العقل ويخوِّنـه تكذيباً

صفحة 34

لا سبيل إلى مدافعته.[5] فقلت: قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضاً، فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي هي من الأوليات، كقولنا: العشرة أكثر من الثلاثة، والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد، والشيء الواحد لا يكون قديماً، موجوداً معدوماً، واجباً محالاً.

فقالت الحواس: بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات، وقد كنت واثقاً بي، فجاء حاكم العقل فكذَّبني، ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي، فلعل وراء إدراك العقل حاكماً آخر، إذا تجلَّى كذَّب العقل في حكمه، كما تجلى حاكم العقل فكذَّب الحس في حكمه، وعدم تجلي ذلك الإدراك لا يدل على استحالته!!

فتوقفت النفس في جواب ذلك قليلاً وأيدت إشكالها بالمنام، وقالت: أما تراك تعتقد في النوم أموراً، وتتخيل أحوالاً، وتعتقد لها ثباتاً واستقراراً، ولا تشك في تلك الحالة فيها، ثم تستيقظ فتعلم: أنه لم يكن لجميع متخيلاتك ومعتقداتك أصل وطائل. فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك بحس أو عقل هو حق بالإضافة إلى حالتك التي أنت فيها، لكن يمكن أن تطرأ عليك

صفحة 35

حالة تكون نسبتها إلى يقظتك، كنسبة يقظتك إلى منامك، وتكون يقظتك نوماً بالإضافة إليها! فإذا وردت تلك الحالة، تيقنت أن جميع ما توهمت بعقلك خيالات لا حاصل لها.[6]

ولعل تلك الحالة، ما تدَّعيه الصوفية أنـها حالتهم؛ إذ يزعمون أنـهم يشاهدون في أحوالهم التي لهم إذا غاصوا في أنفسهم، وغابوا عن حواسهم أحوالاً لا توافق هذه المعقولات، ولعل تلك الحالة هي الموت، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: ((الناسُ نيامٌ فإذا ماتوا انتبـهوا)).[7] فلعل الحياة الدنيا نوم بالإضافة إلى الآخرة، فإذا مات ظهرت له الأشياء على خلاف ما يشاهده الآن، ويقال له عند ذلك:

{فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}.[8]

صفحة 36

فلما خطر لي هذه الخواطر وانقدحت في النفس، حاولت لذلك علاجاً فلم يتيسر، إذ لم يكن دفعه إلا بالدليل، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم الأولية.[9] فإذا لم تكن مسلَّمة لم يمكن تركيب الدليل. فأعضل الداء، ودام قريباً من شهرين، أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال. حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقاً بـها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة.

ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن (الشرح) ومعناه في قوله تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ}[10] قال: ((هو نورٌ يقذفه الله تعالى في القلب)).

فقيل: (وما علامته؟)

قال: ((التجافي عن دار الغُرُوْرِ، والإنابة إلى دارِ الخُلُود)).[11]

وهو الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه:

((إن الله تعالى خلق الخلقَ في ظُلْمَةٍ، ثم رَشَّ عليهمْ من نُوْرِهِ))[12] فمن

صفحة 37

ذلك النور ينبغي أن يطلب الكشف، وذلك النور ينبجس من الجود الإلهي في بعض الأحايين، ويجب الترصد له كما قال صلى الله عليه وسلّم:

((إن لربكم في أيامِ دهركم نفحاتٌ، ألا فتعرَّضُوا لها))[13] والمقصود من هذه الحكايات أن يعمل كمال الجد في الطلب، حتى ينتهي إلى طلب ما لا يطلب. فإن الأوليات ليست مطلوبة، فإنـها حاضرة، والحاضر إذا طلب نفر واختفى، ومن طلب ما لا يطلب فلا يتهم بالتقصير في طلب ما يطلب.

 

  1. [1] الحسيات: ما تدركه الحواس (المحسوسات).
  2. [2] الضروريات: البدهيات والمسلَّمات.
  3. [3] الجليات: الواضحات.
  4. [4] إحكامها: إتقانها.
  5. [5] إن ما قد ظنه الغزالي خطأ وقعت فيه حاسة البصر ثم صححه حاكم العقل، إنما هو خطأ في الاستدلال العقلي لا في الإدراك الحسي، وذلك أن نفي الحركة عن الظل إنما كان الخطأ هو من هذا الاستدلال، لأن الذي نبهني للخطأ بعد ذلك هو لقطة حسية أخرى جاءتني عن طريق المشاهدة – والمشاهدة إدراك بحاسة البصر – بعد ساعة كما يقول الإمام الغزالي. وقد قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا . ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} الفرقان [45-46] وانظر تفسير الآية.

    وكذلك رؤية الكوكب صغيراً في مقدار دينار فالخطأ هنا أن أستدل مما أراه نتيجة لألتزم بالضرورة عنه، بل الواجب المنهجي هو أن أقول: إن حجم الكوكب في رؤيتي هو كحجم الدينار، أما ماذا يكون حجمه في الحقيقة فطريق العلم به طريق آخر. بعد أن أحسب بعد الكوكب عني، ومعرفة كل الأمور المتعلقة بالموضوع. وقد بيَّن ذلك الإمام الغزالي بقوله: (ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار).

  6. [6] لقد شك الإمام الغزالي في جميع المعلومات التي سبق له أن حصَّلها عن طريق الحواس أو عن طريق العقل، ثم بدأ بأوليات يقينية تستمد يقينها من إدراكه المباشر، وهذه (الأوليات) هي حقائق واضحة بذاتها يستحيل أن نكون موضع شك لأن نفيها إنما يأتي إثباتاً لها فإذن ليس من ثبوتها بد. إن هذا الطريق الذي سلكه الإمام الغزالي ثم رسمه لنا إنه طريق الشك المنهجي الذي سلكه من بعده (ديكارت) الفيلسوف الفرنسي المشهور.

    وقد أثبت مؤخراً المؤرخ التونسي الأستاذ (عثمان الكعاك) في ملتقى الفكر الإسلامي في الجزائر عام 1976 أنه قد عثر على ترجمة لاتينية من القرن الرابع عشر لكتاب (المنقذ من الضلال) للغزالي في مكتبة ديكارت بدار الكتب الوطنية الفرنسية في باريس، وأنه استحضر بالفعل صورة من هذه الترجمة، ووجد أن ديكارت قد كتب بخط يده تعليقاً على الأجزاء الخاصة بالشك يقول فيه (يضاف هذا إلى مناهجنا) راجع ص333 من المجلد الأول من (محاضرات ومناقشات في الملتقى العاشر للفكر الإسلامي) عنابة الجزائر 1396هـ – 1976م.

  7. [7] حديث لا أصل له، وقد أورده الغزالي في (الإحياء) (4/ 23) وقال الحافظ العراقي: لم أجده مرفوعاً وإنما يعزى إلى علي بن أبي طالب. وقال العجلوني في (كشف الخفاء) (2/ 414) هو من قول علي رضي الله عنه، لكن عزاه الشعراني في (الطبقات) لسهل التسترني.
  8. [8] سورة (ق) الآية [22].
  9. [9] العلوم الأولية: الحقائق الواضحة بذاتها غير المحتاجة إلى برهان لبيان صدقها.
  10. [10] الأنعام الآية [125].
  11. [11] ذكر الحديث ابن كثير في (تفسيره) (2/ 174) من رواية عبد الرزاق وابن جرير الطبري وابن أبي حاتم، عن أبي جعفر المدائني الهاشمي مرسلاً، وأبو جعفر الهاشمي المدائني واسمه عبد الله بن مسور بن عون بن جعفر بن أبي طالب ليس بثقة، وذكره ابن كثير أيضاً من رواية ابن أبي حاتم، من حديث عبد الله بن مسعود منقطعاً ومتصلاً مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: فهذه طرق للحديث مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضاً والله أعلم، وانظر (الدر المنثور) (3/ 44 و45).
  12. [12] رواه أحمد في مسنده (2/ 176 و197) والترمذي رقم (2644) في الإيمان باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، وابن حيان (1812). موارد الظمآن، والحاكم في مستدركه (1/ 30) وصححه ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وقال الترمذي: هذا حديث حسن. ولفظه (إن الله خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل).
  13. [13] ذكر هذا الحديث الحافظ الهيثمي في (مجمع الزوائد) (10/ 231) من رواية الطبراني في الأوسط والكبير، عن محمد بن مسلمة رضي الله عنه وقال في آخره: وفيه من لم أعرفهم، ومن عرفتهم وثقوا، وذكره أيضاً في (المجمع) (10/ 231) من رواية الطبراني عن أنس رضي الله عنه، وفي إسناده ضعف أيضاً، ولكنه حسن بهذا الشاهد.

    وورد حديث آخر بسند حسن (افعلوا الخير دهركم وتعرضوا لنفحات رحمة الله فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده وسلوا الله أن يستر عوراتكم وأن يؤمن روعاتكم).

مدخل السفسطة وجحد العلوم
 
Top