علم الكلام ومقصوده وحاصله

صفحة 39

علم الكلام – مقصودُه وحاصلُه

ثم إني ابتدأت بعلم الكلام،[1] فحصَّلته وعقلته، وطالعت كتب المحققين منهم، وصنَّفت فيه ما أردتُ أن أصنف، فصادفته علماً وافياً بمقصوده، غير وافٍ بمقصودي؛ وإنما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنة، وحراستها عن تشويش أهل البدعة، فقد ألقى الله تعالى إلى عباده على لسان رسوله عقيدة هي الحق، على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، كما نطق بمعرفته القرآن والأخبار. ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أموراً مخالفة للسنة، فلهجوا بـها وكادوا يشوشون عقيدة الحق على أهلها.

فأنشأ الله تعالى طائفة المتكلمين، وحرَّك دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتب، يكشف عن تلبيسات أهل البدع المحدثة،[2] على خلاف السنة المأثورة؛ فمنه نشأ علم الكلام وأهله، فلقد قام طائفة منهم بما ندبـهم الله تعالى إليه، فأحسنوا الذب[3] عن السنة، والنضال عن العقيدة المتلقاة بالقبول من النبوة، والتغيير في وجه ما أحدث من البدعة، ولكنهم اعتمدوا في ذلك على

صفحة 40

مقدمات تسلموها من خصومهم، واضطرهم إلى تسليمها: إما التقليد، أو إجماع الأمة، أو مجرد القبول من القرآن والأخبار. وكان أكثر خوضهم في استخراج تناقضات الخصوم، ومؤاخذتهم بلوازم مسلَّماتهم، وهذا قليل النفع في حق من لا يسلم سوى الضروريات شيئاً أصلاً، فلم يكن الكلام في حقي كافياً، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافياً.

نعم، لما نشأت صنعة الكلام وكثر الخوض فيه وطالت المدة، تشوَّق المتكلمون إلى محاولة الذبّ عن السنة بالبحث عن حقائق الأمور،[4] وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض[5] وأحكامها. ولكن لما لم يكن ذلك مقصود علمهم، لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى، فلم يحصل منه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات الخلق. ولا أُبْعِدُ أن يكون قد حصل ذلك لغيري، بل لست أشك في حصول ذلك لطائفة، ولكن حصولاً مشوباً بالتقليد في بعض الأمور التي ليست من الأوليات، والغرض الآن: حكاية حالي، لا الإنكار على من استشفى به، فإن أدوية الشفاء تختلف باختلاف الداء؛ وكم من دواء ينتفع به مريض ويستضر بـه آخر.

 

  1. [1] نشأ علم الكلام بتأثير الفلسفة اليونانية التي لم تكن إلا مجموع ظنون وتخمينات لا تقوم على أساس علمي، وكان المعتزلة أسرع الناس افتتاناً بمنطق اليونان وحاولوا إخضاع الدين للمنطق اليوناني فتأولوا القرآن على آرائهم، وكان المسلمون في غنى عن ذلك بما في الكتاب والسنة من علم محكم، وبينة واضحة، وقد استطاع أن يقهرهم ويهزمهم في معترك العلم والعقل رجل منهم عاش معهم أربعين سنة هو الإمام أبو الحسن الأشعري ثم أبو منصور الماتريدي، وقد غيروا اتجاه الطبقة المثقفة، وهؤلاء هم الذين عناهم الإمام الغزالي في بحثه هذا.
  2. [2] أهل البدع المحدثة: يقصد الإمام الغزالي (المعتزلة) وهم أهل البدع المحدثة ومنها دعوة (خلق القرآن)، و(المنزلة بين المنزلتين) فإنهما من محدثات الأمور التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم ومحدثات الأمور) لأنه ابتداع في الدين لم تكن على أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عهد الصحابة رضوان الله عليهم.
  3. [3] الذب: الدفاع.
  4. [4] كالباقلاني والجويني.
  5. [5] الجوهر: في الفلسفة ما قام بنفسه، وَالعَرَضُ: ما يقوم بغيره. ولقد تناول هذا في (تهافت الفلاسفة) فقال: قد يختلفون على لفظ مجرد وطريقة استعماله كاختلافهم على الاسم (جوهر) حين يشيرون به إلى الله، فيقول بعضهم عن (الجوهر) إنه (الموجود لا في الموضوع) أي أنه القائم بنفسه الذي لا يحتاج إلى مقوم يستند إليه، ويرد عليهم آخرون بقولهم: إن الجوهر إنما يتميز في مكانه، فيقول الغزالي: إننا إذا اتفقنا على معنى اللفظ، بأنه هو قيام الموجود بنفسه دون حاجة منه إلى سواه، فماذا يهم إذا أطلقنا على مثل هذا الموجود اسم (جوهر) أم لم نطلقه؟ إنما يكون من قبيل البحث اللغوي الذي لا ضير علينا منه).
علم الكلام ومقصوده وحاصله
 
Top