طرق الصوفية

صفحة 64

طُرُقُ الصوفية

ثم إني لما فرغت من هذه العلوم، أقبلت بـهمتي على طريق الصوفية،[1] وعلمت أن طريقتهم إنما تتم بعلم وعمل؛ وكان حاصل علومهم قطع عقبات النفس، والتنـزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بـها إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى وتحليته بذكر الله.

وكان العلم أيسر عليّ من العمل، فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل: ((قوت القلوب)) لأبي طالب المكي[2] رحمه الله، وكتب ((الحارث المحاسبي))،[3] والمتفرقات المأثورة عن ((الجنيد))[4] و((الشبلي))[5]

صفحة 65

و((أبي يزيد البسطامي)) قدس الله أرواحهم، وغيرهم من المشايخ، حتى اطلعت على كنه مقاصدهم العلمية، وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعلم والسماع، فظهر لي أن أخص خواصهم، ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدل الصفات. وكم من الفرق بين أن تعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابـهما وشروطهما، وبين أن تكون صحيحاً وشبعان؟ وبين أن تعرف حد السكر، وأنه عبارة عن حالة تحصل من استيلاء أبخرة تتصاعد من المعدة على معادن الفكر، وبين أن تكون سكران! بل السكران لا يعرف حدّ السكر، وعِلمه وهو سكران وما معه من علمه شيء! والطبيب في حالة المرض يعرف حدّ الصحة وأسبابـها وأدويتها، وهو فاقد الصحة. فكذلك فرقٌ بين أن تعرف حقيقة الزهد وشروطه وأسبابه، وبين أن تكون حالك الزهد وعزوف النفس عن الدنيا!

فعلمت يقيناً أنـهم أرباب الأحوال، لا أصحاب الأقوال. وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم فقد حصلته، ولم يبقَ إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعلم، بل بالذوق والسلوك. وكان قد حصل معي – من العلوم التي مارستها

صفحة 66

والمسالك التي سلكتها في التفتيش عن صنفي العلوم الشرعية والعقلية – إيمانٌ يقينيٌ بالله تعالى، وبالنبُوّة وباليوم الآخر.

فهذه الأصول الثلاثة من الإيمان كانت قد رسخت في نفسي، لا بدليل معين مجرد، بل بأسبابٍ وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلُها. وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع لي في سعادة الآخرة إلا بالتقوى، وكف النفس عن الهوى، وأن رأس ذلك كله، قطعُ علاقة القلب عن الدنيا بالتجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإقبال بكُنه الهمة على الله تعالى. وأن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال، والهرب من الشواغل والعلائق. ثم لاحظت أحوالي، فإذا أنا منغمس في العلائق، وقد أحدقت بي من الجوانب، ولاحظت أعمالي – وأحسنها التدريس والتعليم – فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة.

ثم تفكرت في نيتي في التدريس، فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أني على شفا جُرُفٍ هَارٍ، وأني قد أشفيت على النار إن لم أشتغل بتلافي الأحوال. فلم أزل أتفكر فيه مدة، وأنا بعدُ على مقام الاختيار، أصمم العزم على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يوماً، وأحل العزم يوماً، وأقدم فيه رجلاً وأؤخر عنه أخرى. لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة، إلا ويحمل عليها جند الشهوة حملة فيفترها عشية، فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل! الرحيل! فلم يبق من العمر إلا قليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل! فإن

صفحة 67

لم تستعدَّ الآن للآخرة فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع؟ فعند ذلك تنبعث الداعية، وينجزم العزم على الهرب والفرار!

ثم يعود الشيطان ويقول: ((هذه حال عارضة، إياك أن تطاوعها، فإنـها سريعة الزوال، فإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض، والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص، والأمر المسلم الصافي عن منازعة الخصوم، ربما التفتت إليه نفسك، ولا يتيسر لك المعاودة)).

فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا، ودواعي الآخرة، قريباً من ستة أشهر أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربع مائة، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار، إذ أقفل الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوماً واحداً تطييباً لقلوب المختلفة إلي، فكان لا ينطلق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة، حتى أورثتْ هذه العقلة في اللسان حزناً في القلب، بطلت معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب، فكان لا ينساغ لي ثريد، ولا تنهضم لي لقمة، وتعدى إلى ضعف القوى، حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج وقالوا: ((هذا أمر نـزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج، إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم)). ثم لما أحسست بعجزي، وسقط بالكلية اختياري، التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي {يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ}، وسهَّل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأهل والولد والأصحاب، وأظهرت عزم الخروج إلى مكة وأنا أدبّر في نفسي سفر الشام حذراً أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على عزمي على المقام في الشام؛ فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد على عزم أن لا أعاودها أبداً. واستهدفت لأئمة أهل العراق كافة، إذ لم يكن فيهم من يجوِّز أن يكون للإعراض عما كنت فيه سبب دينيّ، إذ ظنوا أن ذلك هو المنصب الأعلى في الدين، وكان ذلك مبلغهم من العلم. ثم ارتبك الناس في الاستنباطات، وظن مَنْ بَعُدَ عن العراق، أن ذلك كان لاستشعار من

صفحة 68

جهة الولاة، وأما من قرب من الولاة كان يشاهد إلحاحَهم في التعلق بي والانكباب عليَّ، وإعراضي عنهم، وعن الالتفات إلى قولهم، فيقولون: ((هذا أمر سماوي، وليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام وزمرة أهل العلم)). ففارقت بغداد، وفرقت ما كان معي من المال، ولم أدخر إلا قدر الكفاف، وقوت الأطفال، ترخصاً بأن مال العراق مرصد للمصالح، لكونه وقفاً على المسلمين. فلم أر في العالَم مالاً يأخذه العالِم لعياله أصلح منه. ثم دخلت الشام، وأقمت به قريباً من سنتين لا شغل لي إلا العزلة والخلوة، والرياضة والمجاهدة، اشتغالاً بتزكية النفس، وتـهذيب الأخلاق، وتصفية القلب لذكر الله تعالى، كما كنت حصَّلته من كتب الصوفية. فكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق، أصعد منارة المسجد طول النهار، وأغلق بابـها على نفسي. ثم رحلت منها إلى بيت المقدس، أدخل كل يوم الصخرة، وأغلق بابـها على نفسي. ثم تحركتْ فِيَّ داعية فريضة الحج، والاستمداد من بركات مكة والمدينة، وزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات الله وسلامه عليه؛ فسرت إلى الحجاز. ثم جذبتني الهمم، ودعوات الأطفال إلى الوطن، فعاودته بعد أن كنتُ أبعد الخلق عن الرجوع إليه. فآثرت العزلة به أيضاً حرصاً على الخلوة، وتصفية القلب للذكر.

وكانت حوادث الزمان، ومهمات العيال، وضرورات المعيشة، تغير فِيَّ وجهَ المراد، وتشوش صفوة الخلوة، وكان لا يصفو لي الحال إلا في أوقات متفرقة، لكني مع ذلك لا أقطع طمعي منها، فتدفعني عنها العوائق، وأعود إليها.

ودمت على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمورٌ لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره ليُنتفع به: إني علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم

صفحة 69

أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جُمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلاً. فإن جميع حركاتـهم وسكناتـهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به.

وبالجملة، فماذا يقول القائلون في طريقة، طهارتـها – وهي أول شروطها – تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة، استغراق القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء[6] بالكلية في الله؟!

وهذا آخرها بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الاختيار والكسب من أوائلها. وهي على التحقيق أول الطريقة، وما قبل ذلك كالدهليز للسالك إليه. ومن أول الطريقة تبتدئ المكاشفات والمشاهدات،[7] حتى أنـهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون أصواتاً ويقتبسون منهم فوائد. ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال، إلى درجات يضيق عنها النطق، فلا يحاول معبِّر أن يعبِّر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه.

صفحة 70

وعلى الجملة، ينتهي الأمر إلى قرب يكاد يُتخيل منه طائفة الحلول،[8] وطائفة الاتحاد،[9] وطائفة الوصول،[10] وكل ذلك خطأ. وقد بينا وجه الخطأ فيه في كتاب ((المقصد الأسنى))، بل الذي لابسته تلك الحالة لا ينبغي أن يزيد على أن يقول:

صفحة 71

وكان ما كان مما لستُ أذكره … فَظُنَّ خيراً ولا تسأل عن الخبرِ[11]

وبالجملة، فمن لم يُرزق منه شيئاً بالذوق، فليس يدرك من حقيقة النبوة إلا الاسم، وكرامات الأولياء هي على التحقيق بدايات الأنبياء، وكان ذلك أول حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين أقبل إلى جبل ((حراء))، حيث كان يخلو فيه بربه ويتعبد، حتى قالت العرب: ((إن محمداً عشق ربه)).

وهذه الحالة يتحققها بالذوق من يسلك سبيلها، فمن لم يرزق الذوق، فيتيقنها بالتجربة والتسامع إن أكثر الصحبة، حتى يفهم ذلك بقرائن الأحوال يقيناً، ومن جالسهم استفاد منهم هذا الإيمان، فهم القوم لا يشقى جليسهم، ومن لم يرزق صحبتهم فليعلم إمكان ذلك يقيناً بشواهد البرهان، على ما ذكرناه في كتاب ((عجائب القلب)) من كتب ((إحياء علوم الدين)). والتحقيق بالبرهان علم، وملابسة عين تلك الحالة ذوق، والقبول من التسامع والتجربة بحسن الظن إيمان.

فهذه ثلاث درجات: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}،[12] ووراء هؤلاء قوم جهال، هم المنكرون لأصل ذلك، المتعجبون من هذا الكلام، يستمعون ويسخرون، ويقولون: العجب! إنـهم كيف يهذون! وفيهم قال الله تعالى:

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}[13] {فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}.[14]

ومما بان لي بالضرورة من ممارسة طريقتهم، ((حقيقة النبوة وخاصيتها))، ولا بد من التنويه على أصلها لشدة مسيس الحاجة إليها.

 

  1. [1] نشأت الطرق الصوفية كمدارس تربوية تهدف إلى تزكية النفس وترقيتها وتصعيدها والارتفاع بها من دنس الأخلاق المذمومة والتخلص من شرك النفس الأمارة بالسوء والوصول إلى النفس الراضية المطمئنة، فيدخلون النور وعند ذلك لا بد للفيوضات أن تنزل عليهم، وتفيض عليهم من أسرار الخلق، فهذه ثمرة من ثمرات التصوف.
  2. [2] أبو طالب المكي: الإمام الزاهد العارف، شيخ الصوفية، أبو طالب محمد بن علي بن عطية الحارثي، المكي المنشأ، العجمي الأصل، كان مجتهداً في العبادة، وقال الخطيب: قال لي أبو طاهر العلاف: وعظ أبو طالب ببغداد، وخلَّط في كلامه وحُفظ عنه أنه قال: ليس على المخلوقين أضر من الخالق، فبدَّعوه وهجروه، توفي في جمادى الآخرة سنة (386هـ).
  3. [3] الحارث المحاسبي: هو أبو عبد الله بن أسد المحاسبي. عديم النظير في زمانه علماً وورعاً ومعاملةً وحالاً، بصري الأصل، مات ببغداد سنة (243هـ) وقد دخل في شيء يسير من الكلام، فنقم عليه الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهما وهجره فاختفى مدة وكان عالماً بالفقه والحديث والأصول وعرف مذاهب النساك.
  4. [4] الجنيد: الجنيد بن محمد بن الجنيد النهاوندي ثم البغدادي القواريري هو شيخ الصوفية، ولد سنة (نيف وعشرين ومئتين) وتفقه على أبي ثور، وسمع من السري السقطي وصحبه، ومن الحسن بن عرفة، وصحب أيضاً الحارث المحاسبي، وأبا حمزة البغدادي وأتقن العلوم، ثم أقبل على شأنه، وتأله وتعبد ونطق بالحكمة، وقال أحمد بن عطاء: كان الجنيد يفتي في حلقة أبي ثور. وروي عنه أنه قال: علمنا مضبوط بالكتاب والسنة، من لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به. توفي سنة (297هـ).
  5. [5] الشبلي: شيخ الطائفة، أبو بكر الشبلي البغدادي. قيل: اسمه دلف بن جحدر وقيل: جعفر بن يونس.
  6. [6] الفناء: هو أن يفنى عن الحظوظ، فلا يكون له في شيء من ذلك حظ، فناء عن الأشياء كلها شغلاً بما فني به، والحق يتولى تصريفه، فيصرفه في وظائفه وموافقاته، فيكون محفوظاً فيما لله عليه، مأخوذاً عما له وعن جميع المخالفات، فلا يكون له إليها سبيل، وهو العصمة، وذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به) الحديث. انظر التعرف لمذهب أهل التصوف ص123.
  7. [7] المشاهدة والمكاشفة والبصيرة والمعاينة: أسماء مترادفة على معنى واحد، وإنما تحصل التفرقة في كمال الوضوح لا في أصله، فمنزلة البصيرة من العقل منزلة نور العين من العين، والمعرفة من البصيرة منزلة قرص الشمس لنور العين فتدرك بذلك الجليات والخفيات. وهذا ما حدث لسيدنا حارثة عندما قال: كأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، اتصلت رؤيته بالغيب وارتفع ما بينه وبين الغيب من الحجب.
  8. [8] الحلول: وهو أن يقال: إن الرب حل في العبد أو العبد حل في الرب، تعالى رب الأرباب عن قول الظالمين علواً كبيراً، وهذا لو صح لما أوجب الاتحاد، ولا أن يتصف العبد بصفات الرب فإن صفات الحال لا تصير صفة المحل، بل تبقى صفة الحال كما كان. ووجه الاستحالة فيه أمران: أحدهما: النسبة التي بين الجسم وبين مكانه الذي يكون فيه، وذلك لا يكون إلا بين جسمين، فالبريء عن معنى الجسمية يستحيل في حقه ذلك. والثاني: النسبة التي بين العرض والجوهر، فإن العرض يكون قوامه بالجوهر، فقد يعبر عنه بأنه حال فيه وذلك محال على كل ما قوامه بنفسه فدع عنك ذكر الرب تعالى في هذا العرض فإن كل قوامه بنفسه يستحيل أن يحل فيما قوامه بنفسه إلا بطريق المجاورة الواقعة بين الأجسام، فلا يتصور الحلول بين عبدين فكيف يتصور بين العبد والرب تعالى؟ وهو غلط وقع فيه النصارى حيث رأوا ذلك في ذات عيسى عليه السلام فقالوا: هو الإله.
  9. [9] الاتحاد: وهو أظهر بطلاناً، لأن قول القائل إن العبد صار هو الرب كلام متناقض في نفسه، بل ينبغي أن ينزه الرب سبحانه عن أن يجري اللسان في حقه بأمثال هذه المحاولات كأن نقول: زيد وحده وعمرو وحده ثم قيل: إن زيداً صار عمرواً واتحد به، فلا يخلو عند الاتحاد إما أن يكون كلاهما موجوداً أو كلاهما معدومين أو زيد موجوداً وعمرو معدوماً أو بالعكس. فإن كانا موجودين فلم يصر أحدهما عين الآخر بل عين كل واحد منهما موجود، وإنما الغاية أن يتحد مكانهما وذلك لا يوجب الاتحاد، فإن العلم والإرادة والقدرة قد تجتمع في ذات واحدة ولا يتباين محالها ولا تكون القدرة هي العلم ولا الإرادة ولا يكون قد اتحد البعض بالبعض، وإن كانا معدومين فما اتحدا بل عدما، ولعل الحادث شيء ثالث، وإن كان أحدهما معدوماً والآخر موجوداً فلا اتحاد إذ لا يتحد موجود بمعدوم، فالاتحاد بين الشيئين مطلقاً محال، وهذا جَارٍ في الذوات المتماثلة فضلاً عن المختلفة، فأصل الاتحاد إذاً باطل.

    وهذا غلط وقع في ظن النصارى حين تصوروا اتحاد اللاهوت بالناسوت.

  10. [10] الوصول: هو أن يتكشف له حلية الحق، ويصير مستغرقاً به، فإن نظر إلى معرفته فلا يعرف إلا الله تعالى، وإن نظر إلى همته فلا همة له سواه، فيكون كله مشغولاً بكله مشاهدةً وهمّاً، لا يلتفت في ذلك إلى نفسه ليعجز ظاهره بالعبادة وباطنه بتهذيب الأخلاق، وكل ذلك طهارة وهي البداية، وأما النهاية: أن ينسلخ من نفسه بالكلية ويتجرد له فيكون كأنه هو.

    انظر المقصد الأسنى للإمام الغزالي. ص73 وما بعد.

  11. [11] هذا البيت لابن المعتز، انظر ديوانه 219.
  12. [12] المجادلة الآية [11].
  13. [13] سورة محمد الآية [16].
  14. [14] سورة محمد الآية [23].
طرق الصوفية
 
Top