حقيقة النبوة واضطرار كافة الخلق إليها

صفحة 72

حقيقة النبوة واضطرار كافة الخلق إليها

اعلم: أن جوهر الإنسان في أصل الفطرة، خلق خالياً ساذجاً لا خبر معه من عوالم الله تعالى، والعوالم كثيرة لا يحصيها إلا الله تعالى، كما قال: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ}،[1] وإنما خبره من العوالم بواسطة الإدراك، وكل إدراك من الإدراكات خلق ليطلع الإنسان به على عالم من الموجودات، ونعني بالعوالم أجناس الموجودات.

فأول ما يخلق في الإنسان حاسة اللمس، فيدرك بـها أجناساً من الموجودات: كالحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، واللين، والخشونة، وغيرها. واللمس قاصر عن الألوان والأصوات قطعاً، بل هي كالمعدوم في حق اللمس.

ثم تخلق له حاسة البصر، فيدرك بـها الألوان والأشكال، وهو أوسع عالم المحسوسات. ثم ينفتح له السمع، فيسمع الأصوات والنغمات. ثم يخلق له الذوق. وكذلك إلى أن يجاوز عالم المحسوسات، فيخلق فيه التمييز، وهو قريب من سبع سنين، وهو طور آخر من أطوار وجوده، فيدرك فيه أموراً زائدة على عالم المحسوسات، لا يوجد منها شيء في عالم الحس.

ثم يترقى إلى طور آخر، فيخلق له العقل، فيدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات، وأموراً لا توجد في الأطوار التي قبله. ووراء العقل طور آخر تفتح فيه عين أخرى يبصر بـها الغيب وما سيكون في المستقبل، وأموراً أُخر،

صفحة 73

العقل معزول عنها كعزل قوة التمييز من إدراك المعقولات، وكعزل قوة الحس عن مدركات التمييز، وكما أن المميز لو عرضت عليه مدركات العقل لأباها واستبعدها، فكذلك بعض العقلاء أبوا مدركات النبوة واستبعدوها، وذلك عين الجهل: إذ لا مستند لهم إلا أنه طورٌ لم يبلغه ولم يوجد في حقه، فيظن أنه غير موجود في نفسه. والأكمه لو لم يعلم بالتواتر والتسامع الألوانَ والأشكالَ، وحكي له ذلك ابتداءً، لم يفهمها ولم يقرّ بـها. وقد قرَّب الله تعالى على خلقه بأن أعطاهم نموذجاً من خاصية النبوة، وهو النوم؛ إذ النائم يدرك ما سيكون من الغيب، إما صريحاً وإما في كسوة مثال يكشف عنـه التعبير. وهذا لو لم يجربه الإنسان من نفسه – وقيل له: ((إن من الناس من يسقط مغشياً عليه كالميت، ويزول عنه إحساسه وسمعه وبصره فيدرك الغيب)) – لأنكره، وأقام البرهان على استحالته وقال: ((القوى الحساسة أسباب الإدراك، فمن لا يدرك الأشياء مع وجودها وحضورها، فبأن لا يدرك مع ركودها أولى وأحق))، وهذا نوع قياس يكذِّبه الوجودُ والمشاهدةُ، فكما أن العقل طور من أطوار الآدمي، يحصل فيه عين يبصر بـها أنواعاً من المعقولات، والحواس معزولة عنها، فالنبوة أيضاً عبارة عن طور يحصل فيه عين لها نور يظهر في نورها الغيب، وأمور لا يدركها العقل.

والشك في النبوة، إما أن يقع في إمكانـها، أو في وجودها ووقوعها، أو في حصولها لشخص معين.

ودليل إمكانـها وجودها. ودليل وجودها وجود معارف في العالم لا يتصور أن تنال بالعقل، كعلم الطب والنجوم؛ فإن من بحث عنها علم بالضرورة أنها لا تدرك إلا بإلهام إلهي، وتوفيق من جهة الله تعالى، ولا سبيل إليها بالتجربة، فمن الأحكام النجومية ما لا يقع إلا في كل ألف سنة مرة، فكيف ينال ذلك بالتجربة؟ وكذلك خواص الأدوية. فتبيَّن بـهذا البرهان أن في الإمكان وجود طريق لإدراك هذه الأمور التي لا يدركها العقل، وهو المراد بالنبوة، لا أن النبوة

صفحة 74

عبارة عنها فقط، بل إدراك هذا الجنس الخارج عن مدركات العقل إحدى خواص النبوة، ولها خواص كثيرة سواها، وما ذكرنا فقطرة من بحرها، إنما ذكرناها لأن معك نموذجاً منها، وهو مدركاتك في النوم، ومعك علوم من جنسها في الطب والنجوم، وهي معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا سبيل إليها للعقلاء ببضاعة العقل أصلاً.

وأما ما عدا هذا من خواص النبوة، فإنما يدرك بالذوق من سلوك طريق التصوف؛ لأن هذا إنما فهمته بأنموذج رزقته وهو النوم، ولولاه لما صدقت به، فإن كان للنبي خاصة ليس لك منها أنموذج، ولا تفهمها أصلاً، فكيف تصدق بـها؟ وإنما التصديق بعد الفهم، وذلك الأنموذج تحصل في أوائل طريق التصوف، فيحصل به نوع من الذوق بالقدر الحاصل ونوع من التصديق بما لم يحصل بالقياس إليه، فهذه الخاصية الواحدة تكفيك للإيمان بأصل النبوة.

فإن وقع لك الشك في شخص معين أنه نبي أم لا، فلا يحصل اليقين إلا بمعرفة أحواله، إما بالمشاهدة، أو بالتواتر والتسامع، فإنك إذا عرفت الطب والفقه، يمكنك أن تعرف الفقهاء والأطباء بمشاهدة أحوالهم، وسماع أقوالهم، وإن لم تشاهدهم، ولا تعجز أيضاً عن معرفة كون الشافعي رحمه الله فقيهاً، وكون جالينوس طبيباً، معرفة بالحقيقة لا بالتقليد عن الغير، بل بأن تتعلم شيئاً من الفقه والطب وتطالع كتبهما وتصانيفهما، فيحصل لك علم ضروري بحالهما. فكذلك إذا فهمت معنى النبوة فأكثرت النظر في القرآن والأخبار، يصل لك العلم الضروري بكونه صلى الله عليه وسلم على أعلى درجات النبوة، وأعضد ذلك بتجربة ما قاله في العبادات وتأثيرها في تصفية القلوب، وكيف صدق صلى الله عليه وسلم في قوله:

((مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)).[2] وكيف صدق في قوله:

صفحة 75

((من أعانَ ظالماً سلَّطهُ اللهُ عليهِ)).[3] وكيف صدق في قوله:

((من أصبحَ وَهُمُوْمُهُ هَمٌّ واحدٌ كفاه الله تعالى هُمُوْمَ الدنيا والآخرةِ)).[4]

فإذا جربت ذلك في ألف وألفين وآلاف، حصل لك علم ضروري ولا تتمارى فيه. فمن هذا الطريق اطلب اليقين بالنبوة، لا من قلب العصا ثعباناً وشق القمر، فإن ذلك إذا نظرت إليه وحده، ولم تنضم إليه القرائن الكثيرة الخارجة عن الحصر، ربما ظننت أنه سحر وتخييل، وأنه من الله تعالى إضلال فإنه {يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ}.[5]

وترد عليك أسئلة المعجزات، فإذا كان مستند إيمانك إلى كلام منظوم في وجه دلالة المعجزة، فينجزم إيمانك بكلام مرتب في وجه الإشكالات والشبهة عليها، فليكن مثل هذه الخوارق إحدى الدلائل والقرائن في جملة نظرك، حتى يحصل لك علم ضروري لا يمكنك ذكر مستنده على التعيين، كالذي يخبره جماعة بخبر متواتر لا يمكنه أن يذكر أن اليقين مستفاد من قول واحد معين، بل من حيث لا يدري ولا يخرج من جملة ذلك ولا بتعيين الآحاد. فهذا هو الإيمان القوي العلمي.

وأما الذوق فهو كالمشاهدة والأخذ باليد، ولا يوجد إلا في طريق الصوفية. فهذا القدر من حقيقة النبوة كافٍ في الغرض الذي أقصده الآن، وسأذكر وجه الحاجة إليه.

 

  1. [1] المدثر الآية [31].
  2. [2] قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث (الإحياء): أخرجه أبو نعيم في (الحلية) وضعَّفه. انظر (الإحياء) (1/ 71).
  3. [3] رواه ابن عساكر عن ابن مسعود. انظر كنز العمال.
  4. [4] رواه ابن ماجه رقم (257 و4106) وروايته: (من جعل الهموم هماً واحداً، هم آخرته (هم المعاد) كفاه الله هم دنياه. ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا، لم يبالِ الله في أي أوديتها هلك). وقال في (الزوائد): إسناده ضعيف فيه نهشل بن سعيد، قيل: إنه يروي المناكير، وقيل: بل الموضوعات.
  5. [5] فاطر الآية [8].
حقيقة النبوة واضطرار كافة الخلق إليها
 
Top