الفلسفة

صفحة 41

الفلسفة

أحاصيلها، ما يذم منها وما لا يذم، وما يكفر فيه قائلة وما لا يكفر، وما يبدَّع فيه وما لا يبدَّع، وبيان ما سرقوه من كلام أهل الحق، وما مزجوه بكلامهم لترويج باطلهم في درج ذلك، وكيفية حصول نفرة النفوس من ذلك الحق، وكيفية استخلاص صراف الحقائق الحق الخالص من الزيف والبهرج من جملة كلامهم.

ثم إني ابتدأت – بعد الفراغ من علم الكلام – بعلم الفلسفة، وعلمت يقيناً: أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم، من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك العلم، ثم يزيد عليه ويجاوز درجته، فيطَّلع على ما لم يطَّلع عليه صاحب العلم من غوره[1] وغائله، وإذ ذاك يمكن أن يكون ما يدَّعيه من فساده حَقّاً. ولم أر أحداً من علماء الإسلام صرف عنايته وهمته إلى ذلك، ولم يكن في كتب المتكلمين من كلامهم – حيث اشتغلوا بالرد عليهم – إلا كلمات معقدة مبددة ظاهرة التناقض والفساد، لا يظن الاغترار بـها بعاقل عامي، فضلاً عمن يدَّعي دقائق العلم، فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه والاطلاع على كنهه رمي في عماية.[2]

فشمرت عن ساق الجد في تحصيل ذلك العلم من الكتب، بمجرد المطالعة من غير استعانة بأستاذ، وأقبلت على ذلك في أوقات فراغي من التصنيف والتدريس في العلوم الشرعية، وأنا ممنو بالتدريس والإفادة لثلاثمائة نفس من

صفحة 42

الطلبة ببغداد. فأطلعني الله سبحانه وتعالى بمجرد المطالعة في هذه الأوقات المختلسة، على منتهى علومهم في أقل من سنتين، ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه قريباً من سنة، أعاوده وأردده وأتفقد غوائله وأغواره، حتى اطَّلعت على ما فيه من خداع وتلبيس، وتحقيق وتخييل، اطلاعاً لم أشك فيه.

فاسمع الآن حكايته، وحكاية حاصل علومهم؛ فإني رأيتهم أصنافاً، ورأيت علومهم أقساماً؛ وهم – على كثرة أصنافهم – يلزمهم وصمة الكفر والإلحاد، وإن كان بين القدماء منهم والأقدمين، وبين الأواخر منهم والأوائل، تفاوتٌ عظيم في البعد عن الحق والقرب منه.

 

  1. [1] غوره: عمقه، قعره.
  2. [2] رمي في عماية: الرمي في ظلمة دون معرفة.
الفلسفة
 
Top