الخلقية

صفحة 51

6- وأما الخلقية: فجميع كلامهم فيها يرجع إلى حصر صفات النفس وأخلاقها، وذكر أجناسها وأنواعها وكيفية معالجتها ومجاهدتها، وإنما أخذوها من كلام الصوفية، وهم المتألهون المواظبون على ذكر الله تعالى، وعلى مخالفة الهوى وسلوك الطريق إلى الله تعالى بالإعراض عن ملاذِّ الدنيا. وقد انكشف لهم في مجاهدتهم من أخلاق الناس وعيوبـها، وآفات أعمالها ما صرَّحوا بـها، فأخذها الفلاسفة ومزجوها بكلامهم توسلاً بالتجمل بـها إلى ترويج باطلهم. ولقد كان في عصرهم بل في كل عصر جماعةٌ من المتأهلين، لا يُخلي الله سبحانه العالم عنهم، فأنـهم أوتاد الأرض، ببركاتـهم تنـزل الرحمة على أهل الأرض كما ورد في الخبر حيث قال صلى الله عليه وسلّم: ((بـهم تُمطَرون، وبـهم تُرزَقون))[1] ومنـهم كان أصحاب الكهف وكانوا في سالف الأزمنة، على ما نطق بـه القرآن، فتولَّد من مزجهم كلامَ النبوة وكلامَ الصوفية بكتبهم آفتان:

آفة في حق القابل وآفة في حق الراد.

1- أما الآفة التي في حق الراد فعظيمة: إذ ظنت طائفة من الضعفاء

صفحة 52

أن ذلك الكلام إذا كان مُدَوَّناً في كتبهم، وممزوجاً بباطلهم، ينبغي أن يُهجر ولا يُذكر بل يُنكر على كل من يذكره، إذ لم يسمعوه أولاً إلا منهم، فسبق إلى عقولهم الضعيفة أنه باطل، لأن قائله مُبطل؛ كالذي يسمع من النصراني قوله: ((لا إله إلا الله، عيسى رسول الله)) فينكره ويقول: ((هذا كلام النصارى))، ولا يتوقف ريثما يتأمل أن النصراني كافر باعتبار هذا القول، أو باعتبار إنكاره نبوة محمد عليه الصلاة والسلام. فإن لم يكن كافراً إلا باعتبار إنكاره، ينبغي أن يخالف في غير ما هو به كافر مما هو حق في نفسه، وإن كان أيضاً حقاً عنده. وهذه عادة ضعفاء العقول، يعرفون الحق بالرجال، لا الرجال بالحق. والعاقل يقتدي بقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حيث قال: ((لا تعرف الحق بالرجال بل اعرف الحق تعرف أهله))، والعارف العاقل يعرف الحق، ثم ينظر في نفس القول: فإن كان حقاً قَبِلَهُ سواءً كان قائله مبطلاً أو محقاً؛ بل ربما يحرص على انتزاع الحق من تضاعيف كلام أهل الضلال، عالماً بأن معدن الذهب الرغام.[2] ولا بأس على الصراف إن أدخل يده في كيس القلاب،[3] وانتزع الإبريز الخالص من الزيف والبهرج، مهما كان واثقاً ببصيرته، ويُمنع من ساحل البحر الأخرقُ، دون السباح الحاذق، ويُصد عن مس الحية الصبيُّ دون المعزِّم[4] البارع. ولعمري! لَمَّا غلب على أكثر الخلق ظنُّهم بأنفسهم الحذاقة والبراعة وكمال العقل، وتمام الآلة في تمييز الحق عن الباطل، والهدى عن الضلال، وجب حسم الباب

صفحة 53

في زجر الكافة عن مطالعة كتب أهل الضلال ما أمكن، إذ لا يسلمون عن الآفة الثانية التي سنذكرها أصلاً، وإن سلموا عن هذه الآفة التي ذكرناها. ولقد اعترض على بعض الكلمات المبثوثة في تصانيفنا في أسرار علوم الدين طائفةٌ من الذين لم تستحكم في العلوم سرائرهم، ولم تنفتح إلى أقصى غايات المذاهب بصائرهم، وزعمت أن تلك الكلمات من كلام الأوائل، مع أن بعضها من مولَّدات الخواطر، ولا يبعد أن يقع الحافر على الحافر، وبعضها يوجد في الكتب الشرعية، وأكثرها موجود معناه في كتب الصوفية. وَهَبْ أنها لم توجد إلا في كتبهم، فإذا كان ذلك الكلام معقولاً في نفسه، مؤيداً بالبرهان، ولم يكن على مخالفة الكتاب والسنة، فلمَ ينبغي أن يهجر ويترك؟! فلو فتحنا هذا الباب، وتطرقنا إلى أن يهجر كل حق سبق إليه خاطر مبطل، للزمنا أن نـهجر كثيراً من الحق، ولزمنا أن نـهجر جملة آيات من آيات القرآن وأخبار الرسول صلى الله عليه وسلّم وحكايات السلف، وكلمات الحكماء والصوفية، لأن صاحب ((إخوان الصفا))[5] أوردها في كتابـه مستشهداً بـها ومستدرجاً قلوب الحمقى بواسطتها إلى باطله، ويتداعى ذلك إلى أن يستخرج المبطلون الحق من أيدينا بإيداعهم إياه كتبهم. وأقل درجات العالم: أن يتميز عن العامي الغُمر.[6]

فلا يعاف العسل وإن وجده في محجمة الحجَّام، ويتحقق أن المحجمة

صفحة 54

لا تغير ذات العسل، فإن نفرة الطبع عنه مبنيةٌ على جهل عامي منشؤه أن المحجمة إنما صنعت للدم المستقذَر، فيظن أن الدم مستقذر لكونه في المحجمة، ولا يدري أنه مستقذر لصفة في ذاته، فإذا عدمت هذه الصفة في العسل، فكونـه في ظرفه لا يُكسبه تلك الصفة، فلا ينبغي أن يوجب له الاستقذار، وهذا وهم باطل، وهو غالب على أكثر الخلق. فإذا نسبت الكلام وأسندته إلى قائل حسن فيه اعتقادهم، قبلوه وإن كان باطلاً؛ وإن أسندته إلى من ساء فيه اعتقادهم ردوه وإن كان حقاً، فأبداً يعرفون الحق بالرجال ولا يعرفون الرجال بالحق، وهو غاية الضلال! هذه آفة الرد.

2- والآفة الثانية آفة القبول: فإن من نظر في كتبهم ((كإخوان الصفا)) وغيره، فرأى ما مزجوه بكلامهم من الحكم النبوية، والكلمات الصوفية، ربما استحسنها وقبلها، وحسَّن اعتقاده فيها، فيسارع إلى قبول باطلهم الممزوج بـه لحسن ظنه مما رآه واستحسنه، وذلك نوع استدراج إلى الباطل. ولأجل هذه الآفة يجب الزجر عن مطالعة كتبهم لما فيها من الغدر والخطر. وكما يجب صون من لا يحسن السباحة على مزالق الشطوط، يجب صون الخلق عن مطالعة تلك الكتب. وكما يجب صون الصبيان عن مس الحيَّات، يجب صون الأسماع عن مختلط الكلمات،[7] وكما يجب على المعزِّم أن لا يمس الحية بين يدي ولده الطفل، إذا علم أن سيقتدي به ويظن أنه مثله، بل يجب عليه أن يحذّره منه، بأن يحذر هو في نفسه ولا يمسها بين يديه، فكذلك يجب على العالم الراسخ مثله. وكما أن المعزِّم الحاذق إذا أخذ الحية وميَّز بين الترياق والسم، واستخرج منها الترياق وأبطل السم، فليس له أن يشح بالترياق على

صفحة 55

المحتاج إليه. وكذا الصراف الناقد البصير إذا أدخل يده في كيس القَلَّابِ، وأخرج منه الإبريز الخالص، وطرح الزيف والبهرج، فليس له أن يشح بالجيد المرضي على من يحتاج إليه؛ فكذلك العالم. وكما أن المحتاج إلى الترياق، إذا اشمأزت نفسه منه، حيث علم أنه مستخرج من الحية التي هي مركز السم وجب تعريفه، والفقير المضطر إلى المال، إذا نفر عن قبول الذهب المستخرج من كيس القلّاب، وجب تنبيهه على أن نفرته جهل محض، هو سبب حرمانه الفائدة التي هي مطلبه، وتحتم تعريفه أن قرب الجوار بين الزيف والجيِّد لا يجعل الجيد زيفاً، كما لا يجعل الزيف جيداً، فكذلك قرب الجوار بين الحق الباطل، لا يجعل الحق باطلاً، كما لا يجعل الباطل حقاً. فهذا مقدار ما أردنا ذكره من آفة الفلسفة وغائلتها.

  1. [1] أما الأوتاد فلم يصح فيهم شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الأبدال فقد ورد فيهم بعض الأحاديث وفيها أنه بهم يستسقى الغيث، وبهم يمطرون، وبهم يرزقون، وبهم ينصرون، ولكن ليس فيها حديث صحيح، ولكن مجموع هذه الأحاديث يدل على أن للحديث أصلاً، ولذلك يقال: فلان من الأبدال أي كلما مات من هؤلاء أبدل الله مكانه، وانظر (مجمع الزوائد) (10/ 62 و63).
  2. [2] قال المتنبي (ديوانه 4/ 191):

    وما أنا منهمُ بالعيش فيهم … ولكن معدِن الذهب الرغام

    والمعدِن: مكان كل شيء وأصله ومبدؤه، والرغام التراب.

  3. [3] القلاب: هو الذي يقلب الحقائق وهنا مزيف النقود.
  4. [4] المعزِّم: الراقي، عزَّم الراقي: قرأ العزائم
  5. [5] إخوان الصفا: جمعية سرية قامت في العراق في القرن الرابع الهجري وكان أصحابها متأثرين بالأفلاطونية الحديثة، والفيثاغورية الحديثة، وكانوا يريدون أن يضعوا للناس مذهباً جديداً يجمع بين الفلسفة اليونانية وبين العبادات الشرعية الإسلامية، وخرجوا على الناس بخليط فيه حكمة اليونان وتنظيم الأديان وصنفوا في ذلك خمسين رسالة تشمل جميع أجزاء الفلسفة سموها (رسائل إخوان الصفا) وكتموا أسماءهم وَحَشَوْا هذه الرسائل بالكلمات الدينية، والأمثال الشرعية، والحروف المحتملة، والطرق الموهمة؛ ليجعلوها قنطرة إلى الباطنية. انظر (الإمتاع والمؤانسة) لأبي حيان التوحيدي، و(إخوان الصفا) لعمر الدسوقي.
  6. [6] الغمر: الجاهل الذي لم يجرِّب الأمور.
  7. [7] ولذلك غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما رأى في يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه صحيفة من التوراة، وقوله: (… وإنه والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني) (رواه الحافظ أبو يعلى عن حماد عن الشعبي عن جابر).
الخلقية
 
Top