الإلهيات

صفحة 49

وأما الإلهيات: ففيها أكثر أغاليطهم، فما قدروا على الوفاء بالبراهين على ما شرطوه في المنطق، ولذلك كثر الاختلاف بينهم فيه. ولقد قرب مذهب أرسطاطاليس فيها من مذاهب الإسلاميين، على ما نقله الفارابي وابن سينا، ولكن مجموع ما غلطوا فيه يرجع إلى عشرين أصلاً، يجب تكفيرهم في ثلاثة منها، وتبديعهم في سبعة عشر. ولإبطال مذهبهم في هذه المسائل العشرين صنفنا كتاب (التهافت). أما المسائل الثلاث فقد خالفوا فيها كافة المسلمين، وذلك في قولهم:

صفحة 50

1- إن الأجساد لا تحشر، وإنما المثاب والمعاقَب هي الأرواح المجردة، والمثوبات والعقوبات روحانية لا جسمانية.[1]

ولقد صدقوا في إثبات الروحانية؛ فأنها كائنةٌ أيضاً، ولكن كذبوا في إنكار الجسمانية، وكفروا بالشريعة فيما نطقوا به.

2- ومن ذلك قولهم: (إن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات)، فهو أيضاً كفر صريح، بل الحق أنه: {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}.[2]

3- ومن ذلك قولهم بقدم العالم وأزليته، ولم يذهب أحد من المسلمين إلى شيء من هذه المسائل. وأما ما وراء ذلك من نفيهم الصفات، وقولهم: إنه عليم بالذات، لا بعلم زائد على الذات وما يجري مجراه، فمذهبهم فيها قريب من مذهب المعتزلة، ولا يجب تكفير المعتزلة بمثل ذلك.[3]

صفحة 51

وقد ذكرنا في كتاب (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة) ما يتبين به فساد رأي من يتسارع إلى التكفير في كل ما يخالف مذهبه.

 

  1. [1] لقد بحث ذلك علماء العقيدة والكلام وأطالوا البحث وقالوا: إن الحشر يكون عن طريق تجميع الذرات من التفرق والشتات، ويدل على هذا المعنى أيضاً قوله جل جلاله: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ . بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} [القيامة: 3-4] ويحشر الإنسان بعد تجميع أجزائه الأصلية التي بها استقبل الحياة، والمثوبات والعقوبات جسمانية لأن الجنة والنار شيئان ماديان وليستا مجرد وهم يطوف بالنفس أو الروح وحدهما. والآيات القرآنية تدل على أن نعيم الجنة حسي مادي يلقاه الجسد والروح معاً وعذاب جهنم حسي مادي أيضاً يلقاه الجسد والروح معاً. انظر كتاب (كبرى اليقينيات الكونية) بحث (يوم القيامة وأحداثه) وتفصيل ذلك للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ص338-363.
  2. [2] سورة سبأ الآية [3].
  3. [3] المعتزلة: فرقة نشأت في العصر العباسي أسسها (واصل بن عطاء)، وسموا بالمعتزلة لأن رئيسهم اعتزل حلقة (الحسن البصري)، وهي فئة افتتنت بمنطق اليونان، وأسرفوا في تمجيد العقل، وحاولوا إخضاع الدين لمنطق اليونان، وتأولوا القرآن على آرائهم فجاءت مباحثهم فجة، والخطأ الكبير الذي وقعوا فيه وبددوا طاقات العلماء هو بحثهم في العقائد بمنهج الفلسفة، لأن منهج الفلسفة مغاير لمنهج العقيدة، لأن طبيعة الفلسفة الإغريقية وثنية فقد نشأت في وسط وثني مشحون بالأساطير، واستمدت جذورها من هذه الوثنية. فأحدثوا في الدين ما ليس منه (كخلق القرآن) و(المنزلة بين المنزلتين) وغيرهما فإنهما من البدع التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم ومحدثات الأمور).
الإلهيات
 
Top