أقسام علومهم الرياضية

صفحة 46

أقسام علومهم

اعلم: أن علومهم – بالنسبة إلى الغرض الذي نطلبه – ستة أقسام: رياضية، ومنطقية، وطبيعية، وإلهية، وسياسية، وخلقية.

أما الرياضية: فتتعلق بعلم الحساب والهندسة وعلم هيئة العالَم، وليس يتعلق منه شيء بالأمور الدينية نفياً وإثباتاً، بل هي أمور برهانية لا سبيل إلى مجاحدتها بعد فهمها ومعرفتها. وقد تولدت منها آفتان: الأولى: من ينظر فيها يتعجب من دقائقها ومن ظهور براهينها، فيحسن بسبب ذلك اعتقاده في الفلاسفة، فيحسب أن جميع علومهم في الوضوح وفي وثاقة البرهان كهذا العلم. ثم يكون قد سمع من كفرهم وتعطيلهم وتـهاونـهم بالشرع ما تناولته الألسنة فيكفر بالتقليد المحض ويقول: لو كان الدين حقاً لما اختفى على هؤلاء مع تدقيقهم في هذا العلم! فإذا عرف بالتسامع كفرهم وجورهم استدل على أن الحق هو الجحد والإنكار للدين، وكم رأيت ممن يضل عن الحق بـهذا العذر ولا مستند له سواه![1]

وإذا قيل له: الحاذق في صناعة واحدة ليس يلزم أن يكون حاذقاً في كل صناعة، فلا يلزم أن يكون الحاذق في الفقه والكلام حاذقاً في الطب، ولا أن يكون الجاهل بالعقليات جاهلاً بالنحو، بل لكل صناعة أهل بلغوا فيها رتبة

صفحة 47

البراعة والسبق، وإن كان الحمق والجهل يلزمهم في غيرها. فكلام الأوائل في الرياضيات برهاني، وفي الإلهيات تخميني؛ لا يَعرف ذلك إلا من جرّبه وخاض فيه. فهذا إذا قرر على هذا الذي ألحَدَ بالتقليد، ولم يقع منه موقع القبول، بل تحمله غلبة الهوى، والشهوة الباطلة، وحب التكايس على أن يصر على تحسين الظن بـهم في العلوم كلها. فهذه آفة عظيمة لأجلها يجب زجر كل من يخوض في تلك العلوم، فإنها وإن لم تتعلق بأمر الدين، ولكن لما كانت من مبادئ علومهم، سرى إليه شرُّهم وشؤمهم، فقل من يخوض فيها إلا وينخلع من الدين وينحل عن رأسه لجام التقوى.

الآفة الثانية: نشأت من صديق للإسلام جاهل، ظن أن الدين ينبغي أن يُنْصَرَ بإنكار كل علم منسوب إليهم، فأنكر جميع علومهم وادعى جهلهم فيها، حتى أنكر قولهم في الكسوف والخسوف، وزعم أن ما قالوه على خلاف الشرع، فلما قرع ذلك سمعَ من عرف ذلك بالبرهان القاطع، لم يشك في برهانه، ولكن اعتقد أن الإسلام مبني على الجهل وإنكار البرهان القاطع، فازداد للفلسفة حُبّاً وللإسلام بغضاً، ولقد عظم على الدين جناية من ظن أن الإسلام يُنصرُ بإنكار هذه العلوم، وليس في الشرع تعرض لهذه العلوم بالنفي والإثبات، ولا في هذه العلوم تعرض للأمور الدينية. وقوله صلى الله عليه وسلّم:

((إِنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ الله تعالى لا ينخسفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله تعالى وإلى الصلاة)).[2]

وليس في هذا ما يوجب إنكار علم الحساب المعرف بمسير الشمس والقمر واجتماعهما أو مقابلتهما على وجه مخصوص. أما قوله عليه السلام:

صفحة 48

((لكنَّ الله إذا تجلى لشيء خضع لهُ))[3] فليس توجد هذه الزيادة في الصحيح أصلاً. فهذا حكم الرياضيات وآفتها.

 

  1. [1] كأنه يصور – وهو يذكر تأثير العلوم الرياضية وَرَدَّ فعلها في كثير من ضعاف العقول والمتكايسين في عصره – عقلية النشئ الجديد، وكثير من المتعلمين في القرن العشرين، الذين خضعوا لبراعة الأوروبيين في العلوم الطبيعية والاختراعات، ورأوا ما هم عليه من إلحاد وزندقة وتفسخ خلقي، فظنوا أنه الطريق الأقوم، وقلدوهم فيه تقليد القرود.
  2. [2] رواه البخاري رقم (1009) في الكسوف، ورقم (3031) في بدء الخلق. ومسلم رقم (901)/ 3 من حديث عائشة رضي الله عنها.
  3. [3] هو جزء من حديث طويل، رواه النسائي (3/ 141) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه وهو حديث مضطرب الإسناد والمتن، وانظر ما قاله العلماء في هذا الجزء (النسائي) (3/ 141-144).
أقسام علومهم الرياضية
 
Top