المناظرة – المكتبة الإسلامية الحديثة

المناظرة

صفحة 22

المناظرة

وجَّه عضدُ الدولة إلى ملك الروم القاضي أبا بكرٍ الباقلاني، وخصَّه بذلك لِيُظهرَ رفعةَ الإسلام، وقوةَ مَحَجَّةِ هذا الدين، وسطوعَ حُجَّتِهِ، وليبينَ الخَلَلَ في دين النصارى، وليظهرَ التناقضَ في عقيدتهم، مع ما أسلفناه من القيام بإجراء المعاهدة معهم. فلما تهيّأ القاضي للخروج، قال له وزير عضد الدولة أبو القاسم المُطَهِّر ابن عبد الله:[1] قد أخذتُ الطالعَ لخروجك، أي سألتُ المنجِّمين عن رحلتك هذه، أهي ميمونة أم مشؤومة؟

فَبَيَّنَ له القاضي – رحمه الله – فسادَ هذا الأمر، وأن الإسلام براءٌ من التنجيم وأهلِه، وأن الخيرَ والشرَّ بتقدير الله، لا تَعَلُّقَ لها بالنجوم، وأن عِلْمَ ما في الغيب خاص

صفحة 23

بالله، لا يطلع عليه إلا من أذن الله له بالاطلاع عليه {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا . إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: 26-27] وإنما وُضعت كتب النجوم ليتعيش بها الجاهلون بين العامة.

فقال الوزير: أحضروا لي ابن الصوفي،[2] وكان يُقَدّم في هذا الباب، فلما حضر دعاه الوزير إلى مناظرة القاضي؛ لتصحيح ما أبطله من علمه.

فقال ابن الصوفي: ليست المناظرة وشأني، ولا أنا قائم بها، وإنما أحفظ من علم النجوم، وأقول: إذا كان من النجوم كذا كان كذا، وأما تعليله فهو من علم أهل المنطق وأهل الكلام، والذي يتولى المناظرة على ذلك: أبو سليمان المنطقي.

صفحة 24

فأُحضر أبو سليمان[3] وأُمر بمكالمة الباقلاني، فقال له أبو سليمان: هذا القاضي يقول إن البارئ – سبحانه – قادر على أنه إذا ركب عشرة أنفسٍ في ذلك المركب الذي في دجلة، فإذا وصلوا إلى الجانب الآخر يكون الله زاد فيهم آخر، فيكونون أحد عشر، ويكون الحادي عشر قد خَلَقَهُ الله في ذلك الوقت، ولو قلت أنا: إنه لا يقدر على ذلك، وهذا محالٌ، قطعوا لساني وقتلوني، وإن أحسنوا إليَّ كتفوني ورموني في الدجلة، وإذا كان الأمر كما ذكرت لم يكن لمناظرتي معه معنى، فالتفت الوزيرُ إلى القاضي وقال: ما تقول أيها القاضي؟

فقلت: ليس كلامنا في قدرة الباري – تعالى – فإنه قادر على كل شيء – وإن جَحَدَهُ هذا الجاحد – وإنما كلامنا في

صفحة 25

تأثيرات هذه الكواكب، فانتقل إلى ما ذكره لعجزه وَقِلَّةِ معرفته، وإلا فأي تعلق للكلام في قدرة الباري – تعالى – في مسألتنا؟ وأنا إن قلت: إنه تعالى قادر على ذلك، ما أقول: إنه تعالى يَخْرِقُ العادة، ويفعل هذا الآن. فإذا كان كذلك فقد علم الوزير أن هذا فرار من الزحف.

فقال الوزير: هو كما ذكرت.

فقال المنطقي: المناظرة دُرْبَةٌ وتَجْربة، وأنا لا أعرف مناظرات هؤلاء القوم، وهم لا يعرفون مواضَعاتِنا وعباراتنا، ولا تُحْتَمَلُ المناظرة بين قوم هذا حالهم.

فقال الوزير: قبلنا اعتذارك، والحق أبلج، ثم التفتَ الوزيرُ إلى الباقلاني، وقال له: سِرْ في رعاية الله.[4]

قال القاضي: فخرجت. فدخلنا بلاد الروم حتى وصلنا إلى ملك الرومِ بالقسطنطينية، وأُخبر الملك بقدومنا، فأرسل إلينا مَنْ يلقانا، وقال: لا تدخلوا على الملك بعمائمكم حتى تَنْزِعوها إلا أن تكون منادلَ

صفحة 26

لِطاف، وحتى تَنزِعوا أخفافَكم.

قال القاضي: فقلت: لا أفعل، ولا أدخل إلا على ما أنا عليه من الزِّيِّ واللباس، فإن رضيتم، وإلا فخذوا الكتب تقرؤونها، وترسلون بجوابها، وأعود بها.

فأُخبر بذلك الملك، فقال: أريد معرفة سبب هذا، ووجه امتناعه مما مضى عليه رَسْمِي مع الرسل.

فأجاب القاضي عن هذا، فقال: أنا رجلٌ من علماء المسلمين، ما تحبونه منا ذُلٌّ وصَغَارٌ، والله تعالى قد رفعنا بالإسلام، وأعزنا بنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وأيضاً، فإنّ من شأنِ الملوك إذا بعثوا رسُلَهم إلى ملك آخر أن يرفعوا أقدارهم، ولا يقصدوا إذلالهم، لا سيما إذا كان الرسول من أهل العلم، ووضعُ قدرِه انهدامُ جاهه عند الله وعند المسلمين، وإن فعلت ما يقولون عَيَّرني المسلمون، وطعنوا في ديني، وسقطتُ من أعينهم، فإن أراد مني الدخول دخلت كما أدخل على الخليفة، وإن كره فليقرأ كتابنا وَيَرُدَّ الجواب، ويردنا إلى

صفحة 27

صاحبنا، ولا حاجة لنا في اللقاء.

فأُخبر الملكُ بجوابه، فقال: دعوه يدخل ومن معه كما يشتهون، وعرف الملكُ منزلةَ هذا الرسول، وما أوتيه من سعة العلم، وقوة الشكيمة،[5] وحضور البديهة، وأنه مُقَدَّمٌ في المسلمين، ذو شأن عظيم بينهم.[6]

وعلم الملكُ أن القاضي لا يسجد له، كما جرى رسم الرعية أن تُقَبِّلَ الأرض بين يدي ملوكها، فاحتال لكي يوقعَ القاضي في شيء من ذلك، فوضع سريره وراء باب لطيف، لا يمكن أن يدخل معه أحد إلا راكعاً، حتى يدخلَ القاضي عليه على تلك الحال، فيكون عوضاً عن سجوده وتقبيله الأرض بين يديه.

صفحة 28

فما جلس الملكُ على سريره، أمر بإدخال القاضي من ذلك الباب، فلما رآه القاضي تَفَكَّرَ، وعلم أن في الأمر حيلة، فأدار ظهره، وحَنى رأسه راكعاً، ودخل من الباب يمشي إلى خلفه، مستقبلاً الملك بدبره حتى صار بين يديه، ثم رفع رأسه، ونصب ظهره، ثم أدارَ وجهه إلى الملك حينئذٍ، فعجب الملك من فطنته، ووقعت له في قلبه هيبةٌ عظيمة.[7]

قال القاضي: فدخلت عليه بنفيس ثيابي، وعمامتي وَطَيْلَساني،[8] فلما وقع بصره عليّ أدناني، ورفعني فوق الكل، وابتدأني بشأن كِسْوتي.

صفحة 29

فقلت: بهذا الزي ندخل على ملكنا الأعظم جل جلاله، وندخل على سلطاننا الأكرم الذي أمرنا الله ورسوله بطاعته، فما ينكرون علي هذا، وأنا رجل من علماء المسلمين، فإن دخلت عليك بغير هيئتي، ورجعت إلى حُكْمِكَ – أهنتُ العلمَ ونفسي، وذهب من المسلمين جاهي.

فقال الملك لترجمانه: قل له: قد قبلنا عذرك، ورفعت منزلتك، وليس محلُّك عندنا مثلَ مَحَلِّ سائرِ الرسل، وإنما محلك عندنا محلُّ الأبرار والأخيار.[9]

قال القاضي: وأديت الرسالة، فقرأ الكتاب، وكان فيه: (وإني قد بعثت إليك لسانَ أهلِّ المِلَّةِ، تعظيماً لك وتكرمة).

فقال لي: ما معنى هذا الكلام؟

فقلت: إني رجل أتكلم على حدوث العالم، وإثبات مُحْدِثِهِ، وصفاته الواجبة له، والمستحيلة عليه، والجائزة

صفحة 30

في أحكامه، وأتكلَّمُ على الوحدانية، وأردُّ على البَرَاهِمَةِ،[10] وَالمَنَانِيَّةِ،[11] والمجوس، واليهود،

صفحة 31

والنصارى، وَأُبَيِّنُ صِحَّةَ ما أَدَّعيه من ناحية العقل، وما يتعلق به من السمع والتوقيف، وأُبين ذلك كلَّه بالبرهان اللائح، وأردُّ على الاثنتين والسبعين فرقة، وأنصرُ حقي.[12]

قال الملك: أنا أشتهي أن أعرف ذلك وأسمعه كما ذَكَرَهُ عنك.

فقلت: إذا أَذِنَ الملك.

فقال: انزلوا حيث أعددتُ لكم، ويكون بعد هذا الاجتماع.

قال القاضي: فنهضنا إلى موضع أُعِدَّ لنا.

قال ابن كثير: ويقال: إن الملك أحضر بين يديه آلةَ

صفحة 32

الطَّرَبِ المُسَمَّاةَ بالأرْغل[13] ليستفز عقله بها، وهي آلة لا يسمعها أحدٌ قَطُّ إلا طرب شاء أم أبى، فلما سمعها الباقلاني خاف على نفسه أن يظهرَ منه حركةٌ ناقصة بحضرة الملك، فجعل لا يألو[14] جهداً أن جَرَحَ رجله حتى خرج منها الدم الكثير، فاشتغل بالألم عن الطرب، ولم يظهر عليه شيء من النقص والخِفَّةِ، فعجب الملك من ذلك، ثم إنه اكتشف الأمر، فإذا هو قد جرح نفسه بما أشغله عن الطرب، فتحقق الملكُ وُفُوْرَ هِمَّتِهِ، وَعُلُوَّ عَزيمته.[15]

قال القاضي: فلما كان يوم الأحد، بعث الملك في

صفحة 33

طلبي، وقال: من شأن الرسول حضورُ المائدة، فَنُحِبُّ أن تُجيبَ إلى طعامنا، ولا تَنْقُصَ كُلَّ رسومنا.

فقلت لرسوله: أنا من علماء المسلمين، ولستُ كالرسل من سائر الجند وغيرهم، الذين لا يعرفون ما يجب في هذه المواطن عليهم، والملك يعلم أن العلماء لا يُعْذرون أن يَدخلوا في هذه الأشياء وهم يعلمون، وأخشى أن يكون على مائدته لحوم الخنازير، وما حرمه الله ورسوله على المسلمين.

فذهب الترجمان، وعاد إليّ، وقال: يقول لك الملك: ليس على مائدتي ولا في شيء من طعامي شيءٌ تكرهه، وقد استحسنتُ ما أتيتُ به، وما أنت عندنا كسائر الرسل بل أعظم، وما كرهتَ من لحوم الخنازير إنما هو خارج عن حضرتي بيني وبينه حجاب.

قال القاضي: فمضيت على كل حال، وجَلستُ، وَقُدِّمَ الطعام، ومددتُ يدي، وأوهمتُ الأكل، ولم آكل منه شيئاً، على أني لم أَرَ على مائدته ما يُكره.

صفحة 34

فلما فرغ من الطعام بَخَّرَ المجلس، وَعَطَّرَ.[16]

ثم قال: هذا الذي تَدَّعونه في معجزاتِ نبيكم من انشقاق القمر، كيف هو عندكم؟

قلت: هو صحيح عندنا، وانشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأى الناس ذلك،[17] وإنما رآه الحاضرون ومن اتَّفَقَ إليه في تلك الحال.

فقال الملك: وكيف لم يَرَهُ جميعُ الناس؟

قلت: لأن الناسَ لم يكونوا على أُهْبَةٍ ووعدٍ لشقوقِهِ

صفحة 35

وحضوره.

فقال: وهذا القمرُ بينكم وبينه نِسبةٌ أو قرابة، لأي شَيءٍ لم تعرفه الرومُ وغيرها من سائر الناس؟ وإنما رأيتموه أنتم خاصة، وقد علمتم أنه في السماء غيرُ مختصٍّ بكم؟!

فقلت: فهذه المائدة[18] بينكم وبينها نسبة؟ وأنتم رأيتموها دون اليهود والمجوس والبراهمة وأهلِ الإلحاد، وخاصةً اليونان جيرانكم، فإنهم كلهم منكرون لهذا الشأن، وأنتم رأيتموها دون غيركم!!

فتحيَّر الملك، وقال في كلامه: سبحان الله.

صفحة 36

وأمر بإحضار فلان القسيس[19] ليكلمني، وقال الملك: نحن لا نطيقه، لأن صاحبه قال: ما في مملكتي مثله، ولا للمسلمين في عصره مثله.

قال القاضي: فلم أشعُر إذ جاءوا برجل كالذئب أشقر الشعر مُسْبِله، فقعد، وحكيتُ له المسألة.

فقال: الذي قاله المسلم لازمٌ، هو الحق، لا أعرف جواباً إلا ما ذكره.

قال القاضي: فقلت له: ألستَ تزعم أن الأرضَ كُرويّةٌ؟

قال: نعم.

قلت: أفتنكر أن يُرى في هذا الإقليم ما لا يُرى في إقليم آخر، كالكسوف يُرَى في موضع دون موضع،

صفحة 37

وكواكب السماء تُرى في موضع دون غيره، أم تقول إن الكسوفَ إذا وقع رآه أهلُ الأرضِ كلُّهم.

قال القسيس: بل لا يراه إلا من كان في محاذاته.

قلت: فما أنكرتَ من انشقاق القمر إذا كان في ناحية لا يراه إلا أهلُ تلك الناحية، ومن تأهَّب للنظر له، فأما من أعرض عنه، ومن كان في الأمكنة التي يُرى القمرُ منها، فلا يراه.[20]

فقال: هو كما قلت، ما يدفعك عنه دافع، وإنما الكلام في الرواة الذين نقلوه، فأما الطعن في غير هذا الوجه فليس بصحيح.

فقال الملك: وكيف يُطْعَنُ في النَّقَلة؟

فقال القسيس: شِبْهُ هذا من الآيات إذا صَحَّ وَجَبَ أن

صفحة 38

ينقله الجَمُّ الغفير، حتى يتصل بنا العلمُ به، ولو كان كذلك لوقع عندنا العلمُ الضروري به، فلما لم يقع لنا العلمُ الضروري به، دَلَّ على أن الخبرَ مفتعلٌ باطل.

فالتفت الملكُ، وقال: هاتِ الجوابَ.

قال القاضي: يلزمه في نزول المائدة ما لزمني في انشقاق القمر، ويقال له: لو كان نزول المائدة صحيحاً لوجب أن ينقله العدد الكثير، فلا يبقى يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ ولا ثَنَوي[21] إلا وهو يعلم هذا بالضرورة، ولما لم يعلموا ذلك بالضرورة دل على أن الخبر كَذِبٌ، فَبُهِتَ النصراني والملك ومن ضمَّه المجلس.

صفحة 39

وانفصل المجلس على هذا.[22]

قال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني: ثم سألني الملك في مجلس ثانٍ.

فقال: ما تقولون في المسيح عيسى ابن مريم – عليه السلام؟

قلت: رُوْحُ الله، وكلمته، وعبده، ونبيه، ورسوله، كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون، وتلوت عليه النص {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59].

فقال: يا مسلم، تقولون المسيح عبد؟

فقلت: نعم، كذا نقول، وبه ندين.

قال: ولا تقولون إنه ابن الله.

قلت: معاذ الله {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ…} [المؤمنون: 91] إنكم لتقولون قولاً عظيماً، فإذا جعلتم المسيحَ ابن الله، فمن كان أبوه وأخوه وَجَدُّهُ

صفحة 40

وعمه وخاله؟ وَعَدَدْتُ عليه الأقارب، فتحيَّر!!

وقال: يا مسلم، العبد يخلق ويحيي ويميتُ ويُبرئ الأكمه[23] والأبرص؟

قلت: لا يقدر على ذلك، وإنما ذلك كله من فعل الله تعالى.

قال: وكيف يكون المسيحُ عبداً لله، وخلقاً من خلقه، وقد أتى بهذه الآيات، وفعل ذلك كلَّه؟

قلت: مَعاذ الله! ما أحيا المسيحُ الموتى، ولا أبرأَ الأكمه والأبرص.

فتحيَّر الملكُ، وَقَلَّ صبرُه.

وقال: يا مسلم، تنكر هذا مع اشتهارِه في الخلق وَأَخْذِ الناسِ له بالقبول؟

قلت: ما قالَ أحدٌ من أهل الفقه والمعرفة أن الأنبياء يفعلون المعجزات من ذاتهم، وإنما هو شيء يفعله الله –

صفحة 41

تعالى – على أيديهم تصديقاً لهم، يجري مَجْرَى الشهادة.

قال الملك: قد حضر عند جماعةٍ من أولاد نبيكم، والمشهورين فيكم، وقالوا: إن ذلك في كتابكم.

قلت: أيها الملك، في كتابنا أن ذلك كله كان بإذن الله تعالى. وتلوت عليه من نصوص القرآن في المسيح:

{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ} [المائدة: 110].

وقوله: {وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ

صفحة 42

فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 49].

وقلت: إنما فعل المسيحُ ذلك كلَّه بإذن الله وحده لا شريك له، لا من ذات المسيح، ولو كان المسيحُ يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص من ذاتِه وَقُوَّتِهِ لجاز أن يقال: إن موسى فلق البحر، وأخرج يده بيضاء من غير سوءٍ من ذاته، وليست معجزاتُ الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – من أفعالهم دونَ إرادة الخالق، فلما لم يَجُزْ هذا لم يَجُزْ أن تُسْنَدَ المعجزات التي ظهرت على يد المسيح إليه.[24]

ثم قال الملك: سائرُ الأنبياء كلهم – من آدم إلى من بعده – كانوا يَتَضَرَّعُوْنَ للمسيح حتى يفعل ما يطلبون.

قلت: أفي لِسَانِ اليهودِ عَظْمٌ لا يقدرون أن يقولوا: إن المسيح كان يتضرَّع إلى موسى، وَكُلُّ صاحب نبي يقول:

صفحة 43

إن المسيح كان يتضرع إلى نبيه، فلا فرق في الموضعين في الدعوى.[25]

ثم سأل أحدُ أساقفتهم[26] القاضي فقال: ما فعلت زوجةُ نبيكم؟ وما كان من أمرها بما رُميت به من الإفك؟

فقال القاضي مجيباً على البديهة: هما امرأتان ذُكرتا بسوء: مريم وعائشة، فبرأهما الله عز وجل، وكانت عائشةُ ذاتَ زوجٍ ولم تأتِ بولد، وأتت مريمُ بولد ولم يكن لها زوج.

يعني: أن عائشة أولى بالبراءة من مريم، وكلاهما بريئةٌ مما قيل فيها، فإن تطرَّق في الذهن الفاسدِ احتمالُ ريبة في هذا، فهو إلى تلك أسرع، وهما – بحمد الله –

صفحة 44

مُنَزَّهَتَانِ مُبَرَّأَتَانِ في السماءِ بوحي الله عز وجل، عليهما السلام.[27]

قال القاضي: ثم تكلَّمنا في مجلس ثالث.

فقلت للملك: لِمَ اتَّحَدَ اللاهوتُ بالناسوتِ؟[28]

قال الملك: أراد أن ينجي الناسَ من الهلاك.

قلت: وهل دَرَى بأنه يُقْتَلُ وَيُصْلَبُ ويُفعل به ذلك؟

فإن قلت: إنه لم يَدْرِ ما أراد اليهودُ به، بَطَلَ أن يكون إلهاً، وإذا بطل أن يكون إلهاً بطل أن يكون ابناً.

وإن قلت: إنه درى، ودخل في هذا الأمر على بصيرة، فليس بحكيم؛ لأن الحكمةَ تمنع من التعرض للبلاء.

صفحة 45

فَبُهِتَ الملكُ وتحيّر، وكان آخر مجلس معه.[29]

ثم إن الملك وعد القاضي أبا بكر الاجتماع معه في مَحْفَلٍ من محافل النصرانية ليوم سمَّاه، فحضر أبو بكر الباقلاني، وقد احتفل المجلسُ وَبُوْلِغَ في زينته، فأدناه الملكُ وألطفَ سؤاله، وأجلسه على كرسي دون سريره بقليل، والملكُ في أُبَّهَتِهِ[30] وخاصته، عليه التاج والدَّرِّية، ورجالُ مملكته على مراتبهم.

فبينما هم على ذلك إذا جاء البَطْرَكُ[31] – قَيِّمُ ديانتهم – وقد أَوعز إليه الملكُ بالتحفظ من هذا الداهية، وقال له: تحفَّظ منه، وأحضِر ذهنك، فلعلك تتعلق منه بسقطةٍ، أو تعثر منه على زلة تقضي بفضلنا عليه.

فجاء البَطْرك في آخر الناس، حوله أتباعه يَتْلُوْنَ

صفحة 46

الأناجيلَ ويبخرون بعُود رَطْبٍ وميعة مريم، في زِيٍّ حسن، فلما توسط المجلسَ قام الملك ورجاله تعظيماً له، فقضوا حقه، ومسحوا أطرافه، وأجلسه الملك إلى جنبه، وأقبل على القاضي أبي بكر، فقال: يا فقيه، هذا البطرك قَيِّمُ الديانة وولي النحلة.

فسلم القاضي عليه أحفل سلامٍ، وسأله أحفل سؤال، وقال له: كيف الأهل والولد؟

فَعَظُمَ قوله هذا عليه، وعلى جميعهم، وتغيَّروا له، وَصَلَبُوا وجوهَهم، وأنكروا قولَ أبي بكر عليه.

فقال القاضي: وما أنكرتم من كلامي؟!

فقال الملك: إننا نُنَزِّهُ هؤلاء عن الصاحبة والولد.

فقال القاضي: يا هؤلاء، تستعظمون لهذا الإنسان اتخاذَ الصاحبة والولد، وتربؤون به عن ذلك، ولا تستعظمونه لربكم – عز وجهه – فتضيفون ذلك إليه؟! سَوْأَةً لهذا الرأي، ما أبينَ غَلَطَهَ!

فسُقط في أيديهم، وبُهتوا، وانكسروا، ولم يُحِيْرُوا

صفحة 47

جواباً، وتداخلتهم له هيبة عظيمة.[32]

ثم إن الملك قال للبطرك: ما ترى في أمر هذا الشيطان؟

قال البطرك: تقضي حاجته، وتلاطف صاحِبَه، وتبعث بالهدايا إليه، وتُخرج هذا العراقيَّ عن بلدك يومك – إن قَدَرْتَ – وإلا لم آمن الفِتنةَ به على النصرانية.

ففعل الملك ذلك، وأحسن جوابَ عضدِ الدولة وهداياه وعجّل تسريحَ القاضي أبي بكر، وبعث معه عِدَّةً من أسارى المسلمين والمصاحف، ووكل بالقاضي من جنده من يحفَظُه حتى يصلَ إلى مَأْمَنِهِ.[33]

go site تمت بحمد الله تعالى

go to site هذا آخر ما وجد من أخبار هذه المناظرة العجيبة

  1. enter [1] هو: أبو القاسم المطهر بن محمد بن عبد الله، وزر لعضد الدولة، وقاد كثيراً من جيوشه، وله أخبار ذكرها ابن الأثير في ولاية عضد الدولة في المجلد الثامن ص646-647، وقصة موته غريبة ذكرها في ص701.
  2. trading demokonto [2] أبو الحُسين عبد الرحمن بن عمر بن سهل الصوفي الرازي، عالم بالفلك، من أهل الري، اتصل بعضد الدولة فكان منجِّمه، توفي عام (376). الأعلام للزركلي (3/ 319).
  3. go to site [3] محمد بن طاهر بن بهرام السجستاني (380)، عالم بالمنطق، سكن بغداد، وكان عضد الدولة يكرمه ويفخمه، له تصانيف منها: صوان الحكمة، وشرح كتاب أرسطو، ورسالة في مراتب قوى الإنسان، وأخرى في المحرك الأول، وغيرها. الأعلام للزركلي (6/ 171).
  4. http://leitensoftware.de/?rrte=partnervermittlung-julie-gmbh&dc6=94 [4] ترتيب المدارك (7/ 58) وعيون المناظرات ص245.
  5. http://tennisclubpaimpol.fr/bisese/87 [5] الشكيمة: قوة القلب، والانتصارُ من الظلم، والشكيمة: الحديدة المعترضة في فم الفرس من اللجام. وقولهم: شديد أو قوي الشكيمة، أي: أنِف أبيّ.
  6. http://lokoli.com/?rtyt=rencontrer-l%27amour-sur-adopteunmec&969=71 [6] ترتيب المدارك (7/ 60)، وعيون المناظرات ص246.
  7. rencontre filles a alger [7] تاريخ بغداد (5/ 379)، وتبيين كذب المفتري ص218، وترتيب المدارك (7/ 61-62)، وسير أعلام النبلاء (17/ 191)، والبداية والنهاية (11/ 350)، والمنتظم (7/ 265)، والأنساب (2/ 51-52).
  8. Tastylia Tadalafil Oral Strips Online No Prescription [8] الطَّيلسان: ويقال الطالِسان: ضَرْبٌ من الأوشحة، يُلبس على الكتف، أو يحيط بالبدن، خالٍ من التفصيل والخياطة، وهو فارسي معرب، جمعه: طيالس وطيالسة.
  9. here [9] ترتيب المدارك (7/ 61).
  10. http://www.amisdecolette.fr/?friomid=recherche-fille-pour-relation-amoureuse&1db=da [10] البراهمة: طائفة من اليهود، لا يجوزون على الله تعالى بَعْثَ الأنبياء، ويحرمون لحوم الحيوان، وأحدهم برهمي. قال الشهرستاني في الملل (2/ 250): (من الناس من يظن أنهم سُمُّوا براهمة لانتسابهم إلى إبراهيم عليه السلام، وذلك خطأ، فإن هؤلاء هم المخصصون بنفي النبوات أصلاً ورأساً، فكيف يقولون بإبراهيم عليه السلام؟ والقوم الذي اعتقدوا نبوة إبراهيم عليه السلام من أهل الهند فهم الثنوية… وهؤلاء البراهمة إنما انتسبوا إلى رجلٍ منهم يقال له براهم).
  11. [11] المانوية: يقال لهم المنانية، وهم طائفة من الثنوية، قال الشهرستاني في الملل (1/ 44): (أصحاب ماني بن فاتك الحكيم، الذي ظهر في زمان سابو بن أردشير، وقتله بهرام بن هرمز بن سابور، وذلك بعد عيسى ابن مريم عليه السلام، أحدث ديناً بين المجوسية والنصرانية، وكان يقول بنبوة المسيح عليه السلام، ولا يقول بنبوة موسى عليه السلام.

    حكى محمد بن هارون… وكان في الأصل مجوسياً عارفاً بمذاهب القوم: أن الحكيم ماني زعم أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين، أحدهما نور والآخر ظلمة، وأنهما أزليّان لم يزالا، ولن يزالا، وأنكر وجود شيء إلا من أصل قديم… إلخ) ا.هـ. وتبعه خلق عظيم من المجوس، وادّعوا له النبوة.

  12. [12] هذه رواية الإسكافي في عيون المناظرات ص247، وهي أتم مما ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك، ومما جاء في رواية الإسكافي أن الملك قال له: يا مسلم، اقعد عندي وأقاسمك في مملكتي، فقال القاضي: كنت أفعل ذلك، غير أني محجور علي من جهة شرعي.
  13. [13] في المعجم الوسيط ذكرت آلتان:

    إحداهما: الأرْغُن: وهي آلة موسيقية نفخية، بها منافيخ جلدية وأنابيب ومفاتيح لتنغيم الصوت.

    والثانية: الأرْغُول: مزمار ذو قصبتين مُثقَّبتين، إحداهما أطول من الأخرى، وجمعه: أراغيل.

  14. [14] لا يألو: لا يقصِّر.
  15. [15] البداية والنهاية (11/ 350).
  16. [16] ترتيب المدارك (7/ 62-63).
  17. [17] حديث انشقاق القمر: رواه البخاري (فتح 6/ 631) ومسلم (2800، 2881، 2802، 2803) عن ابن مسعود وابن عمر وأنس وابن عباس، قال الحافظ ابن حجر: وقد ورد انشقاق القمر أيضاً من حديث علي وحذيفة وجبير بن مطعم وابن عمر وغيرهم. قال ابن كثير في تفسيره (7/ 446): (ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة… وهذا أمر متفق عليه بين العلماء، أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات). ثم ذكر الروايات عن الصحابة.
  18. [18] المقصود بالمائدة: هي القصة المذكورة في آخر سورة المائدة، حيث طلب الحواريون من عيسى عليه السلام أن يسأل ربه أن ينزلها عليهم، واختُلف في نزولها: فالجمهور على أنها نزلت، واختاره ابن جرير، لأنه تعالى أخبر بنزولها بقوله: {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} ووعد الله حق وصدق. قال ابن كثير (3/ 226): (وهذا القول هو – والله أعلم – الصواب، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم).
  19. [19] القَسُّ: رئيس من رؤساء النصارى في الدين، وهو الآن في مرتبة بين الأسقُف والشَّمَّاس.

    ومراتب رجال الدين عند النصارى على هذا النحو: البابا، ثم البَطْرَك، ثم المطران، ثم الأسقف، ثم القسيس، ثم الشَّمَّاس. وقد ذكر هذا الترتيب ابن كثير في تفسيره (6/ 308 ط الشعب).

  20. [20] في رواية السكوني في عيون المناظرات ص248: (فلما أقر له بهذا، قال له أصحابه: دعوناك لترد عليه، لا لترد علينا وتنصره، فقال لهم: يجب أن ينصر الإنسان الحق) وختم المجلس بهذا، وما ذكرته من التتمة في ترتيب المدارك.
  21. [21] الثنوي: المنسوب إلى مذهب الثنوية، وهو مذهب يقول بإلهين اثنين، إله للخير وإله للشر، ويرمز لهما بالنور والظلام، وهما أزليان قديمان، بخلاف المجوس فإنهم قالوا بحدوث الظلام وذكروا سبب حدوثه. وهم طوائف: فمنهم المانوية أو المنانية، والمزدكية، والدَّيْصانية، والمَرْقَيُونِية، والكَيْنوية، والصِّيامِية، والتناسخية. انظر: الملل للشهرستاني (1/ 224-225).
  22. [22] ترتيب المدارك (7/ 64-65).
  23. [23] الأكمه: الأعمى أو الذي يولد أعمى. يقال: كَمِهَ الرجل: عمي أو صار أعشى. والمرأة كمهاء.
  24. [24] ترتيب المدارك (7/ 65-66).
  25. [25] ترتيب المدارك (7/ 66)، وفي بعض الروايات أنه قال في أول الجواب: (إنه في لسان اليهود عظيم).
  26. [26] الأسقف: لقب ديني لأحبار النصارى، فوق القسيس ودون المطران.
  27. [27] تبيين كذب المفتري ص219، وعيون المناظرات ص249، وسير أعلام النبلاء (17/ 192)، والبداية والنهاية (11/ 350) وهذا لفظه.
  28. [28] الناسوت: الطبيعة البشرية، ويقابله اللاهوت: بمعنى الألوهية. فالنصارى يزعمون كذباً أن المسيح الإله ظهر للناس بصورة بشرية، وقد تمازجت فيه الطبيعتان: الإلهية والبشرية.
  29. [29] ترتيب المدارك (7/ 67).
  30. [30] الأبهة: العظمة.
  31. [31] البطرك: مقدم النصارى، ورئيس رؤساء الأساقفة. وجمعه بطارك، وبطاركة.
  32. [32] تبيين كذب المفتري ص218-219، وترتيب المدارك (7/ 67-68)، وعيون المناظرات ص248، وسير أعلام النبلاء (17/ 191).
  33. [33] ترتيب المدارك (7/ 68).
المناظرة
 
Top