المقدمة

صفحة 5

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يَهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضللْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

فقد كانت سرعةُ البديهة، وحضورُ الجواب، وحِدّةُ الذكاء، وجودةُ الخاطر، من أهم المواصفات التي تميز بها الباقلاني واشتهر، حتى أطبقت كتب الطبقات والتراجم على وصفه بذلك، وذكر ما يدلُّ عليه من المحاورات والمناظرات، والأجوبة والفتاوى والمؤلفات.

وقَمِنٌ بمن كان هذا نعته أن يتبوأ صدارة مجالسِ المناظرات التي تعقدُ بين الفرق، وخصوصاً ما كان يقع

صفحة 6

منها بين الأشاعرة – وهو أحد كبار مُنَظِّري مذهبهم – والمعتزلة، وكانت له الغلبة عليهم في معظم منازلاته.

ولذا اتَّصَلَ بِعَضُدِ الدولة البُوَيْهي خبرُه، فقرّبه، وَسُرَّ به، ولمَّا رأى ما هو عليه رشّحه لأن يكون رسوله إلى ملك الروم في قضية تتصل بالسياسة الخارجية للدولة الإسلامية، تحتاج إلى رجل جامعٍ بين سعة العِلم وحدة الذكاء – سيأتي تفصيل خبرها. وَقَبِلَ الباقلاني التكليفَ، وتوجَّه إلى ملك الروم، وجرت له معهم مناظراتٌ ومُقاوَلات في مجالس عدة، أظهره الله فيها عليهم، وأظهر لهم عَوار ما هم فيه، وتهافُتَه، وفسادَه وتناقُضَه، وأجاب عن شبهاتهم، وكشف تلبيساتِهم، فأبان لهم المحجة، بعد إيضاح الحُجة، وبلغ الأمر بعلمائهم أن خافوا إن بقي بين ظَهرانيهم مدةً ألا يبقى على دين النصرانية أحدٌ لعظيم ما لاقَوه منه وما استقبلهم به.

وسَرى بين الناس خبرُ هذه المناظرة العظيمة، التي

صفحة 7

أظهر الله فيها دينه على الدين كلِّه، وتناقلوا مقاطع من وقائعها، ولكنها فيما أعلم لم تدوَّن كاملة، بل روى بعضُ المترجمين للباقلاني، وقلةٌ من المؤرخين لتلك الحقبة، وبعضُ الكاتبين في المناظرات، رَوَوا أجزاء مفرقةً من أخبار تلك المناظرة، كُلٌّ يذكرها ويُطْريها، ويُدوِّن ما اتصل بعلمه منها.

وكنت أقرأ تلك المقاطع المبعثرة، فَأَعْجَبُ منها، ويسلبني ما أُودع فيها من آيات الذكاء والفِطنة، وتسبيني مواقفُ هذا العالِمِ من مناظريه التي حُلِّيت بالعِزَّة، وَجُلِّيَتْ بالعلم، وزُينت بالحكمة، وأُحكمت بحضور البديهة، فللَّه دَرُّهُ. وعزّ علي بقاؤها حبيسةً مبعثرة، لا علم لكثير من الناس بها، وَتَمَنَّيْتُ أن لو ظَفِرْتُ بها كاملةً غير منقوصة، وبدأت لذلك أبحث عنها في بطون كتب الطبقات والمناظرات فلم أعثر – مع طول البحث – على مَنْ دوَّنها كاملة، وإنما الذي اطلعتُ عليه تلك القِطَع المتناثرة،

صفحة 8

ووجدتُ أحسن الناس استقصاءً لها القاضي عياضاً في كتابه (ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك)، ثم يليه السكوني في (عيون المناظرات) وغيرهما ذكر واقعة أو اثنتين، وقليل منهم من ثلّث، كابن الأثير في (الكامل)، وابن عساكر في (تبيين كذب المفتري)، والخطيب في (تاريخ بغداد)، وابن الجوزي في (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم)، والذهبي في (سير أعلام النبلاء)، وابن كثير في (البداية والنهاية).

فجمعتُ ما ذكره كل منهم، فما رواه اثنان فأكثر أَثْبَتُّ أَتَمَّهُ وأحسنه، وإن كان ثَمَّةَ فرقٌ مهم علقته في الحاشية، وما تفرد به أحدُهم نقلته منه بلا تصرف، فاجتمع لي بذلك شتاتُ ما تفرق، بَيْدَ أنه مشوَّش غير مُرتب، فقمت بترتيب تلك المقاطع متحرياً الدقة والإصابة قدر الطاقة، ثم ذكرتُ في خاتمة كل قطعة منها من رواها، وَعَلَّقْتُ على ما رأيته محتاجاً إلى التعليق، وسميتها (المناظرة العجيبة).

صفحة 9

فانجلى بما تقدَّم ليلُ خبرها، وانبَلج صبحُ أمرها، واتضحت رسومها، وبدت أطلالُها، ورأيتُ أن تُخرَج ليُنتفع بها، وَيُوْقَفَ على أحداثها، سائلاً أخاً اطلع على عيبٍ أو نقص فيها أن يَصِلَني به – وصله الله بمنِّه وكرمه.

واللهَ أسألُ أن يجعله عملاً خالصاً لوجهه الكريم، نافعاً لعباده المؤمنين إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم على عبده ورسوله وآله وصحبه.

محمد بن عبد العزيز الخضيري

ص ب: 398 الرياض 11313

المقدمة
 
Top