مقدمة المؤلف

صفحة 19

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله المتفرد بكبريائه وعظمته، المتوحد بتعاليه وصمديّته، الذي قص أجنحة العقول دون حمى عزّته، ولم يجعل السبيل إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته، وقصّر ألسنة الفصحاء عن الثناء على جمال حضرته، إلا بما أثنى به على نفسه وأحصى من اسمه وصفته. والصلاة على محمد خير خليقته، وعلى آله وأصحابه وعترته.

أما بعد؛

فقد سألني أخ في الله عز وجل يتعيّن في الدين إجابته شَرْحَ معاني أسماء الله الحسنى. وتواردت علي أسئلته تترى، فلم أزل أُقدّم فيه رِجْلاً وأوخّر أخرى، تردّداً بين الانقياد لاقتضائه، قضاء لحق إخائه، وبين الاستعفاء عن التماسه، أخذاً بسبيل الحذر، وعدولاً عن ركوب متن الخطر، واستقصاراً لقوة البشر، عن درك هذا الوطر.

وكيف لا! وللبصير عن خوض مثل هذه الغمرة صارفان:

أحدهما: أن هذا الأمر في نفسه عزيز المرام، صعب المنال، غمض المدرك؛ فإنه في العلو في الذروة العليا والمقصد الأقصى، الذي تتحيّر الألباب فيه، وتنخفض أبصار العقول دون مباديه فضلاً عن أقاصيه. ومن أين للقوى البشرية أن تسلك في صفات الربوبية سبيل البحث والفحص والتفتيش! وأنى تُطيق نورَ الشمس أبصارُ الخفافيش!

صفحة 20

والثاني: أن الإفصاح عن كُنْهِ الحق فيه يكاد يخالف ما سبق إليه الجماهير، وفطام الخلق عن العادات ومألوفات المذاهب عسير، وجناب الحق يجلّ عن أن يكون مَشْرَعاً لكل وارد، أو يتطلّع إليه إلا واحد بعد واحد. ومهما عظم المطلوب قلّ المساعد. ومن خالط الخلق جدير بأن يتحامى، لكن من أبصر الحق عسير عليه أن يتعامى. ومن لم يعرف الله عز وجل فالسكوت عليه حتم، ومن عرف الله تعالى فالصمت له حَزْمٌ، ولذلك قيل: من عرف الله تعالى كَلَّ لسانُه.

لكن غَبَّرَ في وجه هذه الأعذار صدقُ الاقتضاء مع شدة الإصرار. فأسأل الله، عز وجل، أن يسهّل الصواب، ويجزل الثواب، بمنّه ولطفه وسعة جوده، إنه الكريم الجواد، الرؤوف بالعباد.

مقدمة المؤلف
 
Top