الفن الأول: في السوابق والمقدمات

صفحة 23

الفن الأول

في السّوابق والمقدّمات

وفيه فصول أربعة

 

صفحة 24

الفصل الأول

في بيان معنى الاسم والمسمى والتسمية

قد كثر الخائضون فِي الاسْم والمسمى وتشعّبت بهم الطّرقُ، وزاغ عَن الْحق أَكثرُ الْفرق، فَمِنْ قَائِلٍ إِنَّ الاسْمَ هُوَ الْمُسَمّى وَلكنه غير التَّسْمِيَة، وَمن قَائِل إِن الِاسْم غير الْمُسَمّى وَلكنه هُوَ التَّسْمِيَة، وَمن ثَالِث مَعْرُوف بالحذق فِي صناعَة الجدل وَالْكَلَام، يزْعم أَن الِاسْم قد يكون هُوَ الْمُسَمّى، كَقَوْلِنَا لله تَعَالَى: إِنَّه ذَات وموجود، وَقد يكون غير الْمُسَمّى، كَقَوْلِنَا: إِنَّه خَالق ورازق، فَإِنَّهُمَا يدلان على الْخلق والرزق، وهما غَيره، وَقد يكون بِحَيْثُ لَا يُقَال: إِنَّه الْمُسَمّى وَلَا هُوَ غَيره، كَقَوْلِنَا: إِنَّه عَالم وقادر، فَإِنَّهُمَا يدلان على الْعلم وَالْقُدْرَةِ، وصفات الله لَا يُقَالُ إِنَّهَا هِيَ الله تَعَالَى وَلَا إِنَّهَا غَيره.

وَالْخلاف يرجع إِلَى أَمريْن:

أَحدهمَا: أَن الِاسْم هَل هُوَ التَّسْمِيَة أم لَا؟

وَالثَّانِي: أَن الِاسْم هَل هُوَ الْمُسَمّى أم لَا؟

وَالْحق أَن الِاسْم غير التَّسْمِيَة وَغير الْمُسَمّى، وَأَن هَذِه ثَلَاثَةُ أَسمَاء متباينة غير مترادفة. وَلَا سَبِيل إِلَى كشف الْحق فِيهِ إِلَّا بِبَيَان معنى كل وَاحِد من هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة مُفرداً، ثمَّ بَيَان معنى قَوْلنَا: هُوَ هُوَ، وَمعنى قَوْلنَا: هُوَ غَيره. فَهَذَا منهاج الْكَشْف للحقائق، وَمن عدل عَن هَذَا الْمنْهَج لم ينجح أصلاً.

صفحة 25

فَإِنَّ كل علم تصديقي، أَعنِي علمَ مَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ التَّصْدِيقُ أَو التَّكْذِيب، فَإِنَّهُ لَا محَالة لَفظه قَضِيَّة تشْتَمل على مَوْصُوف وَصفَة، وَنسبَة لتِلْك الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف. فَلَا بُد أَن تتقدم عَلَيْهِ الْمعرفَة بالموصوف وَحَدِّهِ على سَبِيل التَّصَوُّرِ لحده وَحَقِيقَته، ثمَّ الْمعرفَة بِالصّفةِ وَحدِّهَا على سَبِيل التَّصَوُّر لحدِّها وحقيقتها، ثمَّ النّظر فِي نِسْبَة تِلْكَ الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف، أَنَّهَا مَوْجُودَة لَهُ أَو منفية عَنْهُ. فَمن أَرَادَ مثلاً أَن يعلم أَن الْملك قديمٌ أَو حَادِثٌ، فَلَا بُد أَن يعرف أَولاً معنى لفظ الْملك، ثمَّ معنى الْقَدِيم والحادث، ثمَّ ينظر فِي إِثْبَاتِ أحد الوصفين للْملك أَو نَفْيه عَنهُ. فَلذَلِك لَا بُد من معرفَة معنى الِاسْم وَمعنى الْمُسَمّى وَمعنى التَّسْمِيَة، وَمَعْرِفَة معنى الهوية والغيرية حَتَّى يتَصَوَّر أَن يعرف بعد ذَلِك أَنه هُوَ أَو غَيره.

فَنَقُول فِي بَيَانِ حدّ الاسْمِ وَحَقِيقَته: إِن للأشياء وجوداً فِي الْأَعْيَان ووجوداً فِي الأذهان ووجوداً فِي اللِّسَانِ.

أما الْوُجُود فِي الْأَعْيَان، فَهُوَ الْوُجُود الْأَصْلِيّ الْحَقِيقِيّ، والوجود فِي الأذهان هُوَ الْوُجُود العلمي الصُّورِي، والوجود فِي اللِّسَان هُوَ الْوُجُود اللَّفْظِيّ الدليلي، فَإِن السَّمَاء مثلاً لَهَا وجود فِي عينهَا ونفسها، ثمَّ لَهَا وجود فِي أذهاننا ونفوسنا، لِأَنَّ صُورَة السَّمَاء تنطبع فِي أبصارنا ثمَّ فِي خيالنا، حَتَّى لَو عدمت السَّمَاء مثلاً وَبَقينَا، لَكَانَتْ صُوْرَةُ السَّمَاءِ حَاضِرَةً فِي خيالنا. وَهَذِهِ الصُّورَة هِيَ الَّتِي يعبر عَنْهَا بِالْعلمِ، وَهُوَ مِثَالُ الْمَعْلُوم، فَإِنَّهُ مُحَاكٍ للمعلوم وموازٍ لَهُ، وَهِيَ كالصورة المنطبعة فِي الْمرْآة، فَإِنَّهَا محاكية للصورة الْخَارِجَةِ الْمُقَابِلَةِ لَهَا.

وَأما الْوُجُود فِي اللِّسَانِ، فَهُوَ اللَّفْظ الْمركب من أصوات قُطِّعَتْ أَربع تقطيعات، يُعبَّر عَن الْقطعَة الأولى بِالسِّين، وَعَن الثَّانِيَة بِالْمِيم، وَعَن الثَّالِثَة بِالْألف، وَعَن الرَّابِعَة بِالْهَمْزَةِ، وَهُوَ قَوْلنَا: سَمَاء. فَالْقَوْل دَلِيل على مَا هُوَ فِي الذِّهْنِ، وَمَا فِي الذِّهْن صُوْرَةٌ لما فِي الْوُجُود مُطَابقَة لَهُ، وَلَو لم يكن وجودٌ في

صفحة 26

الْأَعْيَانِ لم ينطبع صُورَة فِي الأذهان، وَلَو لم ينطبع فِي صُورَة الأذهان لم يشْعر بهَا إِنْسَان، وَلَو لم يشْعر بهَا الْإِنْسَان لم يعبّر عَنْهَا بِاللِّسَانِ. فَإِذاً، اللَّفْظ وَالْعلم والمعلوم ثَلَاثَة أُمُور متباينة، لَكِنَّهَا مُتَطَابِقَةٌ متوازية، وَرُبَّمَا تَلْتَبِس على البليد، فَلَا يُمَيِّزُ الْبَعْضَ مِنْهَا عَنِ الْبَعْضِ.

وَكَيف لَا تكون هَذِه الوجوداتُ متمايزةً، وَيلْحق كل وَاحِد مِنْهَا خَواصٌّ لَا يلْحق الْأُخْرَى، فَإِنَّ الإنسانَ مثلاً من حَيْثُ أَنه مَوْجُود فِي الْأَعْيَانِ، يلْحقهُ أَنه نَائِم ويقظان، وَحي وميت، وقائم وماش وقاعد، وَغير ذَلِكَ. وَمن حَيْثُ أَنه مَوْجُود فِي الأذهان، يلْحقهُ أَنه مُبْتَدأ وَخبر، وعام وخاص، وجزئي وكلي وَقَضِيَّة، وَغير ذَلِك. وَمن حَيْثُ أَنه مَوْجُود فِي اللِّسَان، يلْحقهُ أَنه عَرَبِيّ وعجمي وتركي وزنجي، وَكثير الْحُرُوف وقليلها، وَأَنه اسْم وَفعل وحرف، وَغير ذَلِك. وَهَذَا الْوُجُود يجوز أَن يخْتَلف بالأعصار ويتفاوت فِي عَادَة أهل الْأَمْصَار. فَأَما الْوُجُود الَّذِي فِي الْأَعْيَان والأذهان فَلَا يخْتَلف بالأعصار والأمم الْبَتَّةَ.

فَإِذا عرفت هَذَا، فدع عَنْك الْآن الْوُجُود الَّذِي فِي الْأَعْيَان والأذهان، وَانْظُر فِي الْوُجُود اللَّفْظِيّ، فَإِن غرضنا يتَعَلَّق بِهِ. فَنَقُول:

الْأَلْفَاظ عبارَة عَن الْحُرُوف الْمُقطعَة الْمَوْضُوعَة بِالِاخْتِيَارِ الإنساني للدلالة على أَعْيَان الْأَشْيَاء، وَهِي منقسمة إِلَى مَا هُوَ مَوْضُوع أَولاً، وَإِلَى مَا هُوَ مَوْضُوع ثَانِياً.

أما الْمَوْضُوع أَولاً فكقولك: سَمَاء وَشَجر وإنسان وَغير ذَلِك.

وَأما الْمَوْضُوع ثَانِيًا فكقولك: اسْم وَفعل وحرف وَأمر وَنهي ومضارع. وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه مَوْضُوعٌ وضعاً ثَانِياً لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمَوْضُوْعَةَ للدلالة على الْأَشْيَاءِ منقسمةٌ إِلَى مَا يدل على معنى فِي غَيره فيسمى حرفاً، وَإِلَى مَا يدل على معنى فِي نَفسه. وَمَا يدل على معنى فِي نَفسه يَنْقَسِم إِلَى مَا يدل على زمَان وجود ذَلِكَ

صفحة 27

الْمَعْنى، وَيُسمى فعلاً، كَقَوْلِكَ: ضرب يضْرب، وَإِلَى مَا لَا يدل على الزَّمَانِ، وَيُسمى اسْماً، كَقَوْلِك: سَمَاء وَأَرْض.

فأولاً وضعت الْأَلْفَاظ دلالات على الْأَعْيَانِ، ثمَّ بعد ذَلِكَ وُضع الِاسْمُ وَالْفِعْلُ والحرفُ دلالات على أَقسَام الْأَلْفَاظ، لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ بعد وَضعهَا أَيْضاً صَارَتْ موجودات فِي الْأَعْيَانِ وارتسمت صورها فِي الأذهان، فاستحقت أَيْضاً أَن يُدل عَلَيْهَا بحركات اللِّسَانِ.

وَيتَصَوَّر الْأَلْفَاظ أَن تكون مَوْضُوعَة وضعاً ثَالِثاً ورابعاً، حَتَّى إِذا قُسم الِاسْمُ إِلَى أَقسَام، وَعرف كل قسم باسم، كَانَ ذَلِك الِاسْمُ فِي الدرجَة الثَّالِثَة، كَمَا يُقَال، مثلاً: الِاسْم يَنْقَسِم إِلَى نكرَة وَإِلَى معرفَة، وَغير ذَلِك. وَالْغَرَض من هَذَا كُله أَن تعرف أَن الِاسْمَ يرجع إِلَى لفظ مَوْضُوع وضعاً ثَانِياً.

فَإِذا قيل لنا: مَا حد الِاسْمِ؟

قُلْنَا: إِنَّه اللَّفْظ الْمَوْضُوع للدلالة، وَرُبمَا نضيف إِلَى ذَلِك مَا يميزه عَن الْحَرْف وَالْفِعْلِ.

وَلَيْسَ تَحْرِير الْحَد من غرضنا الْآن، إِنَّمَا الْغَرَضُ أَن المُرَاد بِالِاسْمِ الْمَعْنى الَّذِي هُوَ فِي الرُّتْبَة الثَّالِثَةِ، وَهُوَ الَّذِي فِي اللِّسَانِ دون الَّذِي فِي الْأَعْيَان والأذهان.

فَإِذا عرفتَ أَنَّ الِاسْمَ إِنَّمَا يُعْنَى بِهِ اللَّفْظ الْمَوْضُوع للدلالة، فَاعْلَم أَن كل مَوْضُوع للدلالة فَلهُ وَاضع وَوضع وموضوع لَهُ. يُقَال للموضوع لَهُ: مُسَمَّى، وَهُوَ الْمَدْلُول عَلَيْهِ من حَيْثُ أَنه يدل عَلَيْهِ. وَيُقَال للواضع: المسمِّي، وَيُقَال للوضع التَّسْمِيَة. يُقَالُ: سَمَّى فُلَانٌ وَلَدَهُ إِذا وضع لفظاً يدل عَلَيْهِ، ويُسمى وَضعه تَسْمِيَة. وَقد يُطلق لفظ التَّسْمِيَةِ على ذكر الِاسْمِ الْمَوْضُوع، كَالَّذي يُنَادي شخصاً وَيَقُول: يَا زيد، فَيُقَالُ: سَمَّاهُ. فَإِن قَالَ: يَا أَبَا بكر، يُقَال: كنّاه. وَكَانَ

صفحة 28

لفظُ التَّسْمِيَة مُشْتَرَكاً بَين وضع الِاسْم وَبَين ذكر الِاسْم، وَإِن كَانَ الْأَشْبَه أَنه أَحَق بِالْوَضْعِ مِنْهُ بِالذكر.

وَيجْرِي الِاسْم وَالتَّسْمِيَة والمسمى مجْرى الْحَرَكَةِ والتحريك والمحرِّك والمحرَّك، وَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أسام متباينة تدل على معَان مُخْتَلفَة. فالحركة تدل على النقلَة من مَكَان إِلَى مَكَان، والتحريك يدل على إِيجَاد هَذِه الْحَرَكَة، والمحرك يدل على فَاعل الْحَرَكَة، والمحرك يدل على الشَّيْءِ الَّذِي فِيهِ الْحَرَكَةُ مَعَ كَونه صادراً من فَاعل، لَا كالمتحرك، الَّذِي لَا يدل إِلَّا على الْمحل الَّذِي فِيهِ الْحَرَكَة وَلَا يدل على الْفَاعِلِ.

فَإِذا ظهر الْآن مفهومات هَذِه الْأَلْفَاظ، فَلْيُنْظر هَل يجوز أَن يُقَال فِيهَا: إِن بَعْضهَا هُوَ الْبَعْض، أَو يُقَال: إِنَّه غَيره؟

وَلَا يُفهم هَذَا إِلَّا بِمَعْرِفَةِ معنى الغيرية والهوية.

وَقَوْلُنَا: هُوَ هُوَ، يُطلق على ثَلَاثَة أوجه:

الْوَجْه الأول يضاهي قَول الْقَائِلِ: الْخمر هِيَ الْعُقَارُ، وَاللَّيْث هُوَ الْأسد، وَهَذَا يجْرِي فِي كل شَيْء هُوَ وَاحِد فِي نَفسه وَله اسمان مُتَرَادِفَانِ لَا يخْتَلف مفهومهما الْبَتَّةَ، وَلَا يتَفَاوَتُ بِزِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَان، وَإِنَّمَا تخْتَلف حروفهما فَقَط. وأمثال هَذِه الْأَسْمَاء تسمى مترادفة.

الْوَجْه الثَّانِي يضاهي قَول الْقَائِلِ: الصارم هُوَ السَّيْفُ، والمهند هُوَ السَّيْفُ، وَهَذَا يُفَارق الأول. فَإِن هَذِه الْأَسَامِيَ مُخْتَلفَةُ المفهومات وَلَيْسَتْ مترادفةً، لِأَنَّ الصارم يدل على السَّيْفِ من حَيْثُ هُوَ قَاطع، والمهند يدل على السَّيْفِ من حَيْثُ نسبته إِلَى الْهِنْدِ. وَالسيف يدل دلَالَةً مُطلقَةً من غير إِشَارَةٍ إِلَى غير ذَلِكَ. وَإِنَّمَا المترادفةُ هِيَ الَّتِي تخْتَلف حروفها فَقَط وَلَا تَتَفَاوَتُ بِزِيَادَة وَلَا نُقْصَان، فَلْنُسَمِّ هَذَا الْجِنْس متداخلاً، إِذْ السَّيْفُ دَاخِلٌ فِي مَفْهُوم الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَةِ وَإِن كَانَ بَعْضُهَا يُشِيْرُ مَعَهُ إِلَى زِيَادَةٍ.

صفحة 29

الْوَجْه الثَّالِث، أَن يَقُول الْقَائِل: الثَّلج أَبيض بَارِدٌ. فالأبيض والبارد وَاحِد، والأبيض هُوَ الْبَارِدُ، فَهَذَا أبعد الْوُجُوه، وَيرجع ذَلِك إِلَى وحدة الْمَوْضُوع الْمَوْصُوْفِ بالوصفين، مَعْنَاهُ أَن عيناً وَاحِدَةً مَوْصُوْفَةٌ بالبياض والبرودة.

وعَلى الْجُمْلَةِ، فقولنا: هُوَ هُوَ، يدل على كَثْرَةٍ لَهَا وحدة من وَجه، فَإِنَّهُ إِذا لم يكن وحدة لم يُمكن أَن يُقَالَ: هُوَ هُوَ وَاحِد، وَمَا لم يكن كَثْرَة لم يكن هُوَ هُوَ، فَإِنَّهُ إِشَارَة إِلَى شَيْئَيْنِ.

فلنرجع إِلَى غرضنا، فَنَقُول: مَنْ ظَنَّ أَن الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى، على قِيَاس الْأَسْمَاء المترادفة، كَمَا يُقَال: الْخمر هِيَ الْعقار، فقد أَخطَأ جداً، لِأَن مَفْهُوم الْمُسَمّى غير مَفْهُوم الِاسْم، إِذْ بَيَّنَّا أَن الِاسْم لفظ دَال والمسمى مَدْلُول، وَقد يكون غير لفظ، وَلِأَن الِاسْم عَرَبِيّ وعجمي وتركي، أَي مَوْضُوع الْعَرَب والعجم وَالتّرْك، والمسمى قد لَا يكون كَذَلِك، وَالِاسْم إِذا سُئِلَ عَنهُ قيل: مَا هُوَ؟ والمسمى إِذا سُئِلَ عَنهُ رُبمَا قيل: من هُوَ؟ كَمَا إِذا حضر شخص فَيُقَال: مَا اسْمه؟ فَيُقَال: زيد، وَإِذا سُئِلَ عَنهُ قيل: من هُوَ؟ وَإِذا سمي التركي الْجَمِيل باسم الهنود، قيل: اسْم قَبِيح ومسمى حسن، وَإِذا سمي باسم كثير الْحُرُوف ثقيل المخارج قيل: اسْم ثقيل ومسمى خَفِيف. وَالِاسْم قد يكون مَجَازاً، والمسمى لَا يكون مَجَازاً. وَالِاسْم قد يُبدل على سَبِيل التفاؤل، والمسمى لَا يتبدل. وَهَذَا كُله يعرِّفك أَن الاسْمَ غيرُ الْمُسَمّى، وَلَو تَأَمَّلْتَ وجدت فروقاً كَثِيرَة غير ذَلِك، وَلَكِنَّ الْبَصِير يَكْفِيهِ الْيَسِير، والبليد لَا يزِيدهُ التكثير إِلَّا تحيُّراً.

وَأما الْوَجْه الثَّانِي، وَهُوَ أَن يُقَال: الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى، على معنى أَن الْمُسَمّى مُشْتَقّ من الِاسْم وَيدخل فِيهِ كَمَا يدْخل السَّيْف فِي مَفْهُوم الصارم، فَهَذَا إِن قيل بِهِ فَيلْزم عَلَيْهِ أَن يكون التَّسْمِيَة والمسمي وَالِاسْم والمسمى كُله وَاحِداً، لِأَنَّ الْكُلَّ مُشْتَقٌّ من الاسْمِ وَيدل عَلَيْهِ، وَهَذَا مجازفة فِي الْكَلَام، وَهُوَ كَقَوْل الْقَائِل: الْحَرَكَة والتحريك والمحرِّك والمحرَّك وَاحِدٌ، إِذْ الْكل مُشْتَقّ من الْحَرَكَة، وَهُوَ

صفحة 30

خطأ. فَإِنَّ الْحَرَكَةَ تدل على النقلَة من غير دلَالَة على الْمحل وَالْفَاعِلِ وَالْفِعْلِ، والمحرِّك يدل على فَاعل الْحَرَكَة، والمحرَّك يدل على مَحل الْحَرَكَة مَعَ كَونه مَفْعُولاً، بِخِلَاف المتحرِّك، فَإِنَّهُ يدل على مَحل الْحَرَكَةِ وَلَا يدل على كَونه مَفْعُولاً، والتحريك يدل على فعل الْحَرَكَةِ من غير دلَالَة على الْفَاعِل وَالْمحل، فَهَذِهِ حَقَائِق متباينة وَإِن كَانَت الْحَرَكَةُ غيرَ خَارِجَةٍ عَن جَمِيعهَا.

وَلَكِن للحركة حَقِيقَةٌ فِي نَفسهَا تعقل وَحدهَا، ثمَّ تعقل نسبتها إِلَى فَاعل. وَهَذِه الْإِضَافَة غير الْمُضَاف، إِذْ الْإِضَافَة تعقل بَين شَيْئَيْنِ والمضاف قد يعقل وَحده، وتعقل نسبته إِلَى الْمحل وَهُوَ غير نسبته إِلَى الْفَاعِل، كَيفَ وَنسبَة الْحَرَكَة إِلَى الْمحل واحتياجها إِلَيْهِ ضَرُورِيّ، ونسبتها إِلَى الْفَاعِل نَظَرِي؟ أَعنِي بِهِ الحكم بِوُجُود النسبتين دون التَّصَوُّر، فَكَذَلِك الِاسْم لَهُ دلَالَة، وَله مَدْلُول وَهُوَ الْمُسَمّى، وَوَضعه فعل فَاعل مُخْتَار وَهُوَ التَّسْمِيَة. ثمَّ لَيست هَذِه المداخلة من قبيل دُخُول السَّيْف فِي مَفْهُوم الصارم والمهند؛ لِأَن الصارم سيف بِصفة، وَكَذَا المهند، فالسيف دَاخل فِيهِ، وَلَيْسَ الْمُسَمّى اسْماً بِصفة، وَلَا التَّسْمِيَة اسْماً بِصفة، فَلَا يَصح فِيهِ هَذَا التَّأْوِيل.

وَأما الْوَجْه الثَّالِث الَّذِي يرجع إِلَى اتِّحَاد الْمحل مَعَ تعدد الصّفة، فَهُوَ أَيْضاً مَعَ بُعده غيرُ جَارٍ فِي الِاسْم والمسمى وَلَا فِي الِاسْم وَالتَّسْمِيَة، حَتَّى يُقَالَ: إِن شَيْئاً وَاحِداً مَوْضُوْعٌ لِأَن يُسمى اسْماً وَيُسمى تَسْمِيَةً، كَمَا كَانَ فِي مِثَال الثَّلج، إِذْ هُوَ معنى وَاحِد مَوْصُوف بالبارد والأبيض. وَإِلَّا هُوَ كَقَوْل الْقَائِل: الصّدّيق، رَضِي الله عَنهُ، هُوَ ابْن أبي قُحَافَة، لِأَن تَأْوِيله أَن الشَّخْص الَّذِي وصف بِأَنَّهُ صدّيق هُوَ الَّذِي نُسب بِالْولادَةِ إِلَى أبي قُحَافَة، فَيكون معنى الـ هُوَ هُوَ اتِّحَاد الْمَوْضُوع مَعَ الْقطع بتباين الصفتين، فَإِن مَفْهُوم الصّديق، رَضِي الله عَنهُ، غيرُ مَفْهُوم بنوّة أبي قُحَافَة.

صفحة 31

فالتأويلات الَّتِي تطلق عَلَيْهَا هُوَ هُوَ غير جَارِيَة فِي الِاسْم والمسمى وَفِي الِاسْم وَالتَّسْمِيَة الْبَتَّةَ، لَا حَقِيقَتهَا وَلَا مجازها. والحقيقة من جُمْلَتهَا مَا يرجع إِلَى ترادف الْأَسْمَاء، كَقَوْلِنَا: اللَّيْث هُوَ الْأسد، بِشَرْط أَن لَا يكون فِي اللُّغَة فرق بَين مَفْهُوم اللَّفْظَيْنِ، فَإِن كَانَ بَينهمَا فرق فليُطلب لَهُ مِثَالٌ آخر. وَهَذَا يرجع إِلَى اتِّحَاد الْحَقِيقَة وَكَثْرَة الِاسْم، وَلَا بُد فِي قَوْلنَا: هُوَ هُوَ، من كَثْرَة من وَجه ووحدة من وَجه، وأحق الْوُجُوه أَن تكون الْوحدَة فِي الْمَعْنى وَالْكَثْرَة فِي مُجَرّد اللَّفْظ.

وَهَذَا الْقدر كَافٍ فِي الْكَشْف عَن هَذَا الْخلاف الطَّوِيل الذيل، الْقَلِيل النّيل. فقد ظهر لَك أَن الِاسْم وَالتَّسْمِيَة والمسمى أَلْفَاظٌ متباينة الْمَفْهُوم، مُخْتَلفَة الْمَقْصُود، وَإِنَّمَا يَصح على الْوَاحِد مِنْهَا أَن يُقَالَ: هُوَ غير الثَّانِي، لَا أَنه هُوَ، لِأَن الْغَيْر فِي مُقَابلَة الهُوَ هُوَ.

وَأما الْمَذْهَب الثَّالِث الْمقسِّم للاسم إِلَى مَا هُوَ الْمُسَمّى وَإِلَى مَا هُوَ غَيره وَإِلَى مَا لَا هُوَ هُوَ وَلَا هُوَ غَيره، فأبعد الْمذَاهب عَن السداد وأجمعها لقبُول الِاضْطِرَاب، إِلَّا أَن يؤوّل وَيُقَال: مَا أَرَادَ بِالِاسْمِ الَّذِي قسمه إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام الِاسْمَ نَفسَه، بل أَرَادَ بِهِ مَفْهُوم الِاسْم ومدلوله، وَمَفْهُومُ الِاسْم غيرُ الِاسْمِ، فَإِن مَفْهُوم الِاسْم هُوَ الْمَدْلُول، والمدلول غير الدَّلِيل. وَهَذَا الانقسام الَّذِي ذكره متطرّق إِلَى مَفْهُوم الِاسْم، فَالصَّوَاب أَن يُقَال: مَفْهُوم الِاسْم قد يكون ذَات الْمُسَمّى وَحَقِيقَته وماهيته، وَهِي أَسمَاء الْأَنْوَاع الَّتِي لَيست مُشْتَقَّة، كَقَوْلِك: إِنْسَان وَعلم وَبَيَاض، وَمَا هُوَ مُشْتَقّ، فَلَا يدل على حَقِيقَة الْمُسَمّى، بل يتْرك الْحَقِيقَة مُبْهمَة، وَيدل على صفة لَهُ، كَقَوْلِك: عَالم وَكَاتب.

ثمَّ الْمُشْتَقّ يَنْقَسِم وماهيته، وَهِي أَسمَاء الْأَنْوَاع، إِلَى مَا لَيست مُشْتَقَّة كَقَوْلِك: إِنْسَان وَعلم وَبَيَاض، وَمَا هُوَ مُشْتَقّ إِلَى مَا يدل على وصف حَال فِي الْمُسَمّى، كالعالم والأبيض، وَإِلَى مَا يدل على إِضَافَة لَهُ إِلَى غير مفارق، كالخالق وَالْكَاتِب.

صفحة 32

وَحَدُّ الْقسم الأول كُلُّ اسْم يُقَال فِي جَوَاب: مَا هُوَ؟ فَإِنَّهُ إِذا أُشير إِلَى شخص آدَمِيّ وَقيل: مَا هُوَ؟ لَيْسَ كَقَوْل: من هُوَ؟، فَجَوَابه أَن يُقَال: إِنْسَان، فَلَو قيل: حَيَوَان، لم يكن قد ذكر تَمام الْمَاهِيّة، لِأَنَّهُ لَيْسَ تتقوم ماهيته بِمُجَرَّد الحيوانية، لِأَنَّهُ هُوَ هُوَ بِأَنَّهُ حَيَوَان عَاقل لَا بِأَنَّهُ حَيَوَان فَقَط، وَلَفظ الْإِنْسَان اسْم للحيوان الْعَاقِل، فَلَو قيل بدل الْإِنْسَان: أَبيض أَو طَوِيل أَو عَالم أَو كَاتب، لم يكن جَوَاباً، لِأَن مَفْهُوم الْأَبْيَض شَيْء مُبْهَم لَهُ وصف الْبيَاض، مَا يُدْرَى مَا ذَلِك الشَّيْء، وَمَفْهُوم الْعَالِم شَيْء مُبْهَم لَهُ وصف الْعِلم، وَمَفْهُوم الْكَاتِب شَيْء مُبْهَم لَهُ فعل الْكِتَابَة. نعم، يجوز أَن يُفهم أَن الْكَاتِب إِنْسَان، وَلَكِن من أُمُور خَارِجَة وأدلة زَائِدَة على مَفْهُوم اللَّفْظ، وَكَذَلِكَ إِذا أُشير إِلَى لون وَقيل: مَا هُوَ؟، فَجَوَابه أَنه بَيَاض، فَلَو ذكر اسْماً مشتقاً فَقَالَ: مُشرق أَو مُفرِّق لضوء الْبَصَر، لم يكن جَوَاباً، لِأَن الْمَطْلُوب بقولنَا: مَا هُوَ؟ حَقِيقَة الذَّات وماهيتها الَّتِي بهَا هِيَ مَا هِيَ، والمُشرق شَيْء مُبْهَم لَهُ الْإِشْرَاق، والمُفرِّق شَيْء مُبْهَم لَهُ التَّفْرِيق.

فَهَذَا التَّقْسِيم فِي مَدْلُول الْأَسَامِي ومفهومها صَحِيح، وَيجوز أَن يُعبر عَن هَذَا بِأَن الِاسْم قد يدل على الذَّاتِ، وَقد يدل على غير الذَّات، وَيكون ذَلِك على سَبِيل المساهلة فِي الْإِطْلَاق، فَإِن قَوْلنَا: يدل على غير الذَّات، إِن لم يُفَسَّرْ بِأَنا أردنَا بِهِ غير الْمَاهِيّة المقولة فِي جَوَاب: مَا هُوَ؟ لم يَصح، فَإِن الْعَالِمَ يدل على ذَات لَهُ الْعلم، فقد دلّ على الذَّات أَيْضاً. فَفرق بَين أَن يَقُول: عَالِم، وَبَين أَن يَقُول: علم، لِأَن الْعَالِمَ يدل على ذَات لَهُ الْعلم، وَلَفظ الْعلم لَا يدل إِلَّا على الْعلم.

فَقَوله: الِاسْم قد يكون ذَات الْمُسَمّى، فِيهِ خللان، وَيحْتَاج فِيهِ إِلَى إصلاحين:

أَحدهمَا، أَن يُبدل الِاسْم بِمَفْهُوم الِاسْم.

صفحة 33

وَالْآخر، أَن يُبدل الذَّات بماهية الذَّات. فَيُقَال: مَفْهُوم الِاسْم قد يكون حَقِيقَة الذَّات وماهيتها، وَقد يكون غير الْحَقِيقَة.

وَأما قَوْله: إِن الْخَالِق هُوَ غير الْمُسَمّى، إِن أَرَادَ بِهِ لفظ الْخَالِق، فاللفظ أبداً هُوَ غير مَدْلُول اللَّفْظ، وَإِن أَرَادَ بِهِ أَن مَفْهُوم اللَّفْظ غير الْمُسَمّى، فَهُوَ محَال، لِأَن الْخَالِق اسْم، وكل اسْم مَفْهُومه مُسَمَّاهُ، فَإِن لم يفهم الْمُسَمّى مِنْهُ فَلَيْسَ اسْماً لَهُ، والخالق لَيْسَ اسْماً لِلْخلقِ وَإِن كَانَ الْخلق دَاخِلاً فِيهِ، وَالْكَاتِب لَيْسَ اسْماً للكتابة، وَلَا الْمُسَمّى اسْماً للتسمية، بل الْخَالِق اسْم ذَات من حَيْثُ يصدر عَنهُ الْخلق، فالمفهوم من الْخَالِق هُوَ الذَّات أَيْضاً لَكِن لَا حَقِيقَة الذَّات فَقَط، بل الْمَفْهُوم هُوَ الذَّات من حَيْثُ لَهُ صفة إضافية، كَمَا إِذا قُلْنَا: أَب، لم يكن الْمَفْهُوم مِنْهُ ذَات الْأَب، بل الْمَفْهُوم ذَات الْأَب من حَيْثُ إِضَافَته إِلَى الابْن.

والأوصاف تَنْقَسِم إِلَى إضافية وَغير إضافية، والموصوف بجميعها الذوات. فَإِنْ قَالَ قَائِل: الْخَالِق، وصف وكل وصف فَهُوَ إِثْبَات، وَلَيْسَ فِي مَضْمُون هَذَا اللَّفْظ إِثْبَاتٌ سوى الْخلق، والخلق غير الْخَالِق، وَلَيْسَ للخالق وصف حَقِيقِيّ من الْخلق، فَلذَلِك قيل إِنَّه يرجع إِلَى غير الْمُسَمّى، فَنَقُول: قَول الْقَائِل: الِاسْم يُفهم غير الْمُسَمّى، متناقض، كَقَوْل الْقَائِل: الدَّلِيل يعرِّف غير الْمَدْلُول، فَإِنَّ الْمُسَمّى عبارَةٌ عَن مَفْهُوم الِاسْم، فَكيف يكون الْمَفْهُوم غير الْمُسَمّى والمسمى غير الْمَفْهُوم؟!

وَأما قَوْله: إِنَّ الْخَالِق لَا وصف لَهُ من الْخلق، وَالْكَاتِب لَا وصف لَهُ من الْكِتَابَة، فَلَيْسَ كَذَلِك، وَالدَّلِيل على أَن لَهُ وَصفاً مِنْهُ أَنه يُوصف بِهِ مرّة ويُنفى عَنهُ أُخْرَى. وَالْإِضَافَة وصف للمضاف يَنْفِي وَيثبت، كالبياض الَّذِي لَيْسَ بمضاف، فَمن عرف زيداً وبكراً ثمَّ عرف أَن زيداً أَبٌ لبكر فقد عرف شَيْئاً لَا محَالة، وَهَذَا الشَّيْء إِمَّا وصف أَو مَوْصُوف، وَلَيْسَ هُوَ ذَات الْمَوْصُوف بل هُوَ وصف، وَلَيْسَ وَصفاً قَائِماً بِنَفسِهِ بل هُوَ وصف لزيد، فالإضافات من قبيل

صفحة 34

الْأَوْصَاف للمضافات، إِلَّا أَن مضمونها لَا يُعقل إِلَّا بِالْقِيَاسِ بَين شَيْئَيْنِ، وَذَلِكَ لَا يُخرجهَا عَن كَونهَا أوصافاً.

وَلَو قَالَ الْقَائِل: لَيْسَ الله عز وَجل مَوْصُوفاً بِكَوْنِهِ خَالِقًا، كَفَرَ، كَمَا لَو قَالَ: لَيْسَ مَوْصُوفاً بِكَوْنِهِ عَالماً، كَفَرَ. وَلَكِن إِنَّمَا وَقع هَذَا الْقَائِل فِي هَذَا الْخبط لِأَن الْإِضَافَةَ عِنْد الْمُتَكَلِّمين غيرُ مَعْدُودَة فِي جملَة الْأَعْرَاض، مَعَ أَنهم إِذا قيل لَهُم: مَا معنى الْعرض؟ قَالُوا: إِنَّه الْمَوْجُود فِي مَحل لَا يقوم بِنَفسِهِ. وَإِذا قيل لَهُم: هَل الْإِضَافَة تقوم بِنَفسِهَا؟ قَالُوا: لَا. وَإِذا قيل لَهُم: هَل الْإِضَافَة مَوْجُودَة أم لَا؟ قَالُوا: نعم. إِذْ لَا يُمكنهُم أَن يَقُولُوا: الْأُبُوَّة مَعْدُومَة، إِذْ لَو كَانَت الْأُبُوَّة مَعْدُومَة لم يكن فِي الْعَالم أَب، وَإِذا قيل لَهُم: الْأُبُوَّة تقوم بِنَفسِهَا، قَالُوا: لَا، فيضطرون إِلَى الِاعْتِرَاف بِأَنَّهَا مَوْجُودَة فِي مَحل وَأَنَّهَا لَا تقوم بِنَفسِهَا، بل تقوم فِي مَحل، ويعترفون بِأَن الْعرض عبارَة عَن مَوْجُود فِي مَحل، ثمَّ يعودون وَيُنْكِرُونَ أَنه عرض.

وَأما قَوْله: إِن من الِاسْم مَا لَا يُقَال إِنَّه الْمُسَمّى وَلَا يُقَال هُوَ غَيره، فَهُوَ أَيْضاً خطأ، لِأَنَّهُ سيفسر ذَلِك بالعالِم، وَهَذَا إِذا اعتذر فِيهِ بِأَن الشَّرْع لم يَأْذَن فِي إِطْلَاق ذَلِك فِي حق الله عز وَجل فَرُبمَا قيل: لَيْسَ التَّصْرِيح بِالْحَقِّ والصدق مَوْقُوفاً على إِذن خَاص، وَرُبمَا سومح الْآن فِيهِ وَرُدَّ النَّظَرُ مَعَهُ إِلَى الْإِنْسَان إِذا وصف بِالْعلمِ، أفتقول: إِن الْعلم لَيْسَ غير الْإِنْسَان، وَقد كَانَ الْإِنْسَان مَوْجُوداً وَلم يكن الْعلم، وحد الْعلم غير حد الْإِنْسَان، لَا محَالة؟ فَإِن قَالَ: الْعلم غير الْإِنْسَان، وَلَكِن إِذا قُلْنَا عَن شخص وَاحِد إِنَّه عَالم وَإنَّهُ إِنْسَان، لم يكن الْعَالم هُوَ الْإِنْسَان وَلَا هُوَ غير الْإِنْسَان، لِأَن الْإِنْسَان هُوَ الْمَوْصُوف بِهِ، قُلْنَا: وَيلْزم هَذَا من الْكَاتِب والنجار، فَإِن الْمَوْصُوف بِهِ أَيْضاً هُوَ الْإِنْسَان.

على أَن الْحق فِيهِ التَّفْصِيل، وَهُوَ أَن يُقَالَ: مَفْهُوم لفظ الْإِنْسَان غير مَفْهُوم

صفحة 35

لفظ الْعَالم، إِذْ مَفْهُوم الْإِنْسَان حَيَوَان نَاطِق عَاقل، وَمَفْهُوم الْعَالِم شَيْء مُبْهَم لَهُ علم، فأحد اللَّفْظَيْنِ غير اللَّفْظ الآخر، وَمَفْهُوم أَحدهمَا غير مَفْهُوم الآخر، فَهُوَ بِهَذَا الْوَجْه هُوَ غير، لَا يجوز أَن يُقَال: هُوَ هُوَ، وبوجه آخر هُوَ هُوَ وَلَا يجوز أَن يُقَال بذلك الْوَجْه إِلَّا: هُوَ غَيره، وَذَلِكَ إِذا نظرت إِلَى الذَّات الْوَاحِدَة الَّتِي تُوصَف بِأَنَّهَا إِنْسَان وَأَنَّهَا عَالِمَة، فَإِن الْمُسَمّى بالإنسان هُوَ الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ عَالم، كَمَا أَن الْمُسَمّى بالثلج هُوَ الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ بَارِد وأبيض، فَبِهَذَا النَّوْع من النّظر وَالِاعْتِبَار هُوَ هُوَ، وبالاعتبار الأول هُوَ غَيره، ومحال فِي الْعقل أَن يكون الِاعْتِبَار وَاحِداً وَيكون لَا هُوَ هُوَ وَلَا غَيره، كَمَا يَسْتَحِيل أَن يكون هُوَ هُوَ وَغَيره، لِأَن الْغَيْر والهو هُوَ متقابلان تقَابل النَّفْي وَالْإِثْبَات، فَلَيْسَ بَينهمَا وَاسِطَة.

وَمن فهم هَذَا عَلِمَ أَنه إِذا أثبت لله عز وَجل وصف الْقُدْرَة وَالْعلم زَائِداً على الذَّات، فقد أثبت مَا هُوَ غير الذَّات، وَأثبت للغيرية معنى وَإِن لم يُطلقهُ لفظاً، توقفاً إِلَى وُرُود التَّوْقِيف. فَكيف لَا، وَإِذا ذكر حد الْعلم دخل فِيهِ علم الله عز وَجل وَلم يدْخل فِيهِ قدرته وَلَا ذَاته، وَالْخَارِج عَن الْحَد كَيفَ لَا يكون غير الدَّاخِل فِي الْحَد، وَكَيف لَا يجوز لحاد الْعلم، إِذا لم يُدْخِلْ فِي حَده الْقُدْرَةَ، أَن يعْتَذر وَيَقُول: لَا يضرني خُرُوج الْقُدْرَة عَن الْحَد لِأَنِّي حددت الْعلم، وَالْقُدْرَة غير الْعلم، فَلَا يلْزَمنِي إدخالها فِي حد الْعلم، فَكَذَلِك الذَّات العالِمة غير الْعلم، فَلَا يلْزَمنِي إدخالها فِي حد الْعلم. فَمن استنكر قَول الْقَائِل: الدَّاخِل فِي الْحَد غير الْخَارِج مِنْهُ، وأحال إِطْلَاق لفظ الْغَيْر هَاهُنَا، كَانَ من جملَة من لم يفهم معنى لفظ الْغَيْر، وَمَا عِنْدِي أَنه لَا يفهم، فَإِن معنى لفظ الْغَيْر ظَاهر، لَكِن عساه يَقُول بِلِسَانِهِ مَا ينبو عَنهُ عقله ويكذبه فِيهِ سره. وَلَيْسَ الْغَرَض من المحاجة البرهانية اقتناص الْأَلْسِنَة بل اقتناص الْعُقُول، لتعترف بَاطِناً بِمَا هُوَ الْحق، أفْصحَ عَنهُ بِاللِّسَانِ أَو لم يفصح.

فَإِن قيل: إِنَّمَا اضْطرَّ الْقَائِلين بِأَن الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى إِلَى القَوْل بِهِ؛ الحذرُ

صفحة 36

من أَن يَقُولُوا: الِاسْم هُوَ اللَّفْظ الدَّال بالاصطلاح، فيلزمهم القَوْل بِأَن الله عز وَجل لم يكن لَهُ اسْمٌ فِي الْأَزَل إِذْ لم يكن لفظ وَلَا لافظ، فَإِن اللَّفْظ حَادث، فَنَقُول: هَذِه ضَرُورَة ضَعِيفَة يهون دَفعهَا، إِذْ يُقَال: مَعَاني الْأَسْمَاء كَانَت ثَابِتَة فِي الْأَزَل وَلم تكن الْأَسْمَاء، لِأَن الْأَسْمَاء عَرَبِيَّة وعجمية، وَكلهَا حَادِثَة. وَهَذَا فِي كل اسْم يرجع إِلَى معنى الذَّات أَو صفة الذَّات، مثل القدّوس، فَإِنَّهُ كَانَ بِصفة الْقُدس فِي الْأَزَل، وَمثل الْعَالِم، فَإِنَّهُ كَانَ عَالِماً فِي الْأَزَل.

فَإنَّا قد بَيَّنَّا أَن الْأَشْيَاء لَهَا ثَلَاث مَرَاتِب فِي الْوُجُود.

أَحدهَا فِي الْأَعْيَان، وَهَذَا الْوُجُود مَوْصُوف بالقدم فِيمَا يتَعَلَّق بِذَات الله عز وَجل وَصِفَاته.

وَالثَّانِي فِي الأذهان، وَهَذَا الْوُجُود حَادث إِذْ كَانَت الأذهان حَادِثَة.

وَالثَّالِث فِي اللِّسَان، وَهِي الْأَسْمَاء، وَهَذَا الْوُجُود أَيْضاً حَادث بحدوث اللِّسَان.

نعم، نُرِيد بالثابت فِي الأذهان الْمَعْلُوم، وَهِي أَيْضاً إِذا أضيفت إِلَى ذَات الله عز وَجل كَانَت قديمَة؛ لِأَن الله عز وَجل مَوْجُود وعالم فِي الْأَزَل، وَكَانَ يعلم أَنه مَوْجُود وعالم، فَكَانَ وجوده ثَابتاً فِي نَفسه وَفِي علمه أَيْضاً، وَكَانَت الْأَسْمَاء الَّتِي سيلهمها عباده ويخلقها فِي أذهانهم وألسنتهم أَيْضاً مَعْلُومَة عِنْده، فَبِهَذَا التَّأْوِيل يجوز أَن يُقَال: كَانَت الْأَسْمَاء فِي الْأَزَل.

أما الْأَسَامِي الَّتِي ترجع إِلَى الْفِعْل كالخالق والمصور والوهاب، فقد قَالَ قوم: يُوصف بِأَنَّهُ خَالق فِي الْأَزَل، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُوصف، وَهَذَا خلاف لَا أصل لَهُ، فَإِن الْخَالِق يُطلق لمعنيين: أَحدهمَا ثَابت فِي الْأَزَل قطعاً، وَالْآخر منفي قطعاً، وَلَا وَجه للْخلاف فيهمَا، إِذْ السَّيْف يُسمى قَاطعاً وَهُوَ فِي الغمد وَيُسمى قَاطعاً حَالَة حَزِّ الرَّقَبَة، فَهُوَ فِي الغمد قَاطع بِالْقُوَّةِ وَعند الحز قَاطع بِالْفِعْلِ. وَالْمَاء فِي الْكوز مروٍ وَلَكِن بِالْقُوَّةِ، وَفِي الْمعدة مروٍ بِالْفِعْلِ، وَمعنى

صفحة 37

كَون المَاء فِي الْكوز مروياً أَنه بِالصّفةِ الَّتِي بهَا يحصل الإرواء عِنْد مصادفة الْمعدة، وَهِي صفة المائية. وَالسيف فِي الغمد قَاطع، أَي هُوَ بِالصّفةِ الَّتِي بهَا يحصل الْقطع إِذا لَاقَى الْمحل، وَهِي الحدة، إِذْ لَا يحْتَاج إِلَى أَن يستجدَّ وَصفاً آخر فِي نَفسه.

فالبارىء سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الْأَزَل خَالق بِالْمَعْنَى الَّذِي بِهِ يُقَال: المَاء الَّذِي فِي الْكوز مروٍ، وَهُوَ أَنه بِالصّفةِ الَّتِي بهَا يَصح الْفِعْل والخلق. وَهُوَ بِالْمَعْنَى الثَّانِي غير الْخَالِق، أَي الْخلق غير صادر مِنْهُ. وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْأَزَل على الْمَعْنى الَّذِي بِهِ يُسمى عَالماً وقدّوساً وَغير ذَلِك، وَيكون فِي الْأَبَد كَذَلِك، سَمَّاهُ غَيرُه بذلك الِاسْم أَو لم يسم. وَأكْثر أغاليط الجدليّين منشؤه عدم التَّمْيِيز بَين مَعَاني الْأَسَامِي الْمُشْتَركَة، وَإِذا مُيّزت ارْتَفع أَكثر اختلافاتهم.

فَإِن قيل: فقد قَالَ الله تَعَالَى: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم} [12 سورة يوسف/ الآية: 40]، وَمَعْلُوم أَنهم مَا كَانُوا يعْبدُونَ الْأَلْفَاظ الَّتِي هِيَ حُرُوف مقطعَة، بل كَانُوا يعْبدُونَ المسميات، فَنَقُول: الْمُسْتَدلّ بِهَذَا لَا يفهم وَجه دلَالَته مَا لم يقل: إِنَّهُم يعْبدُونَ المسميات دون الْأَسْمَاء، فَيكون فِي كَلَامه التَّصْرِيحُ بِأَن الْأَسْمَاءَ غيرُ المسميات، إِذْ لَو قَالَ الْقَائِل: الْعَرَب كَانَت تعبد المسميات دون المسميات، كَانَ متناقضاً، وَلَو قَالَ: تعبد المسمَّيات دون الْأَسْمَاء، كَانَ مفهوماً غير متناقض، فَلَو كَانَت الْأَسْمَاء هِيَ المسميات لَكَانَ القَوْل الْأَخير كَالْأولِ.

ثمَّ يُقَالُ: مَعْنَاهُ أَن اسْم الْآلهَة الَّتِي أطلقوها على الْأَصْنَام كَانَ اسْماً بِلَا مُسَمّى، لِأَن الْمُسَمّى هُوَ الْمَعْنى الثَّابِت فِي الْأَعْيَان من حَيْثُ دُلَّ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ، وَلم تكن الإلهيةُ ثَابِتَةً فِي الْأَعْيَانِ وَلَا مَعْلُوْمَةً فِي الأذهان، بل كَانَت أساميها مَوْجُودَة فِي اللِّسَان، فَكَانَت أسامي بِلَا معَان. وَمن سمي باسم الْحَكِيم وَلم يكن حكيماً وَفَرح بِهِ، قيل: فَرح بِالِاسْمِ، إِذْ لَيْسَ وَرَاء الِاسْم معنى. وَهَذَا هُوَ الدَّلِيل على أَن الِاسْم غير الْمُسَمّى، لِأَنَّهُ أضَاف الِاسْم إِلَى التَّسْمِيَة، وأضاف التَّسْمِيَة إِلَيْهِم وَجعلهَا

صفحة 38

فعلاً لَهُم، فَقَالَ: {أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا} [12 سُورَة يُوسُف/ الْآيَة: 40]، يَعْنِي أَسمَاء حصلت بتسميتهم وفعلهم، وأشخاص الْأَصْنَام لم تكن هِيَ الْحَادِثَة بتسميتهم.

فَإِن قيل: فقد قَالَ الله تَعَالَى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [87 سُورَة الْأَعْلَى/ الْآيَة: 1]، والذات هِيَ المسبّحة دون الِاسْم، قُلْنَا: الِاسْم هَاهُنَا زِيَادَة على سَبِيل الصّفة، وَعَادَة الْعَرَب بِمثلِهِ جَارِيَة، وَهُوَ كَقَوْلِه عز وَجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [42 سُورَة الشورى/ الْآيَة: 11]، وَلَا يجوز أَن يسْتَدلّ فَيُقَال: فِيهِ إِثْبَات الْمثل، إِذْ قَالَ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [42 سُورَة الشورى/ الْآيَة: 11]، كَمَا يُقَال: لَيْسَ كولده أحد، إِذْ فِيهِ إِثْبَات الْوَلَد، بل الْكَاف فِيهِ زِيَادَة.

وَلَا يبعد أَن يُكَنَّى عَن الْمُسَمّى بِالِاسْمِ إجلالاً للمسمى، كَمَا يكنى عَن الشريف بالجناب والحضرة والمجلس، فَيُقَالُ: السَّلَام على حَضرته الْمُبَارَكَة ومجلسه الشريف، وَالْمرَاد بِهِ السَّلَام عَلَيْهِ، وَلَكِن يكنى عَنهُ بِمَا يتَعَلَّق بِهِ نوعاً من التَّعَلُّق إجلالاً. وَكَذَلِكَ الِاسْم وَإِن كَانَ غير الْمُسَمّى فَهُوَ مُتَعَلق بِالْمُسَمّى ومطابق لَهُ، وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَن يلتبس على الْبَصِير فِي أصل الْوَضع.

كَيفَ وَقد اسْتدلَّ الْقَائِلُونَ بِأَن الِاسْم غير الْمُسَمّى بقوله عز وَجل: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [7 سُورَة الْأَعْرَاف/ الْآيَة: 180]، وَبِقَوْلِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن لله تَعَالَى تِسْعَة وَتِسْعين اسْماً، مئة إِلَّا وَاحِداً، من أحصاها دخل الْجنَّة).[1] وَقَالُوا: لَو كَانَ هُوَ الْمُسَمّى لَكَانَ الْمُسَمّى تسعاً وَتِسْعين، وَهُوَ محَال، لِأَن الْمُسَمّى وَاحِد. فاضطر أُولَئِكَ إِلَى الِاعْتِرَاف هَاهُنَا بِأَن الِاسْم غير الْمُسَمّى، وَقَالُوا: يجوز أَن يرد بِمَعْنى التَّسْمِيَة لَا بِمَعْنى الْمُسَمّى. كَمَا سلّم الْآخرُونَ بِأَن الِاسْم قد يرد بِمَعْنى الْمُسَمّى، وَإِن كَانَ هُوَ غير الْمُسَمّى فِي الأَصْل. وَعَلِيهِ نزّلُوا قَوْله

صفحة 39

تَعَالَى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [87 سُورَة الْأَعْلَى/ الْآيَة: 1] وَلم يحسن كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ فِي الِاسْتِدْلَال وَالْجَوَاب جَمِيعًا.

أما قَوْله: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [87 سُورَة الْأَعْلَى/ الْآيَة: 1]، فقد ذكرنَا مَا فِيهِ وَعَلِيهِ. وَأما هَذَا الِاسْتِدْلَال، فجوابهم عَنهُ بِأَن الِاسْم والمسمى وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا أُرِيد بِالِاسْمِ هَاهُنَا التَّسْمِيَة فَقَط: خطأ من وَجْهَيْن:

أَحدهمَا، أَنَّ من يَقُول: الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى، لَا يعجز عَن أَن يَقُول: الْمُسَمّى هَاهُنَا تِسْعَة وَتسْعُونَ، لِأَن المُرَاد بِالْمُسَمّى مَفْهُوم الِاسْم عِنْد هَذَا الْقَائِل، وَمَفْهُوم الْعَلِيم غير مَفْهُوم الْقَدِير والقدوس والخالق وَغير ذَلِك، بل لكل اسْم مَفْهُوم وَمعنى على حياله، وَإِن كَانَ الْكل يرجع إِلَى وصف ذَات وَاحِدَة، فَكَأَن هَذَا الْقَائِل يَقُول: الِاسْم هُوَ الْمَعْنى، وَيُمكن أَن يَقُول: لله تَعَالَى الْمعَانِي الْحسنى، فَإِن المسميات هِيَ الْمعَانِي، وفيهَا كَثْرَة لَا محَالة.

وَالثَّانِي، أَنَّ قَوْلَهُ: المُرَاد بِالِاسْمِ هَاهُنَا التَّسْمِيَة، خطأ؛ فَإنَّا قد بَيّنّا أَن التَّسْمِيَة هُوَ ذكر الِاسْم أَو وَصفه، وَالتَّسْمِيَة تَتَعَدَّد وتكثر بِكَثْرَة المسمّين وَإِن كَانَ الِاسْم وَاحِداً، كَمَا أَن الذّكر وَالْعلم يكثر بِكَثْرَة الذَّاكِرِينَ وَالْعَالمِينَ وَإِن كَانَ الْمَذْكُور والمعلوم وَاحِداً. فكثرة التَّسْمِيَة لَا تفْتَقر إِلَى كَثْرَة الْأَسْمَاء؛ لِأَن ذَلِك يرجع إِلَى أَفعَال المسمين، فَمَا أُرِيد بالأسماء هَاهُنَا التسميات، بل أُرِيد الْأَسْمَاء، والأسماء هِيَ الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة الدَّالَّة على الْمعَانِي الْمُخْتَلفَة، فَلَا حَاجَة إِلَى هَذَا التعسف فِي التَّأْوِيل، قيل الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى أَو لم يقل.

فَهَذَا الْقدر يَكْفِيك فِي كشف هَذِه الْمَسْأَلَة، وَإِن كَانَت الْمَسْأَلَة لقلَّة جدواها لَا تسْتَحقّ هَذَا الإطناب، وَلَكِنَّ قصدَنا بالشرح تَعْلِيْمُ طَرِيق التعرف لأمثال هَذِه المباحث، لتُستعمل فِي مسَائِل أهم من هَذِه الْمَسْأَلَة، فَإِنَّ أَكثرَ تطواف النّظر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة حول الْأَلْفَاظ دون الْمعَانِي. وَالله أعلم.

  1. [1] رواه البخاري رقم 7392، وراجع (فتح الباري) 11/ 214، باب: لله مئة اسم غير واحدة من كتاب الدعوات: رقم الحديث: 6410. و(صحيح مسلم) الحديث رقم 2677.
صفحة 40

الفصل الثاني

في بيان الأسامي المتقاربة في المعنى، وأنها هل يجوز أن تكون مترادفة لا تدل إلا على معنى واحد، أو لا بد أن تختلف مفهوماتها

فَأَقُول: الخائضون فِي شرح هَذِه الْأَسَامِي لم يتَعَرَّضُوا لهَذَا الْأَمر، وَلم يُبعدوا أَن يكون اسمان لَا يدلان إِلَّا على معنى وَاحِد، كالكبير والعظيم، والقادر والمقتدر، والخالق والبارئ والمصور، وَهَذَا مِمَّا أستبعدُه غَايَة الاستبعاد مهما كَانَ الاسمان من جملَة التِّسْعَة وَالتسْعين؛ لِأَن الِاسْم لَا يُرَاد لحروفه بل لمعانيه، والأسامي المترادفة لَا يخْتَلف إِلَّا حروفها، وَإِنَّمَا فَضِيلَة هَذِه الْأَسَامِي لما تحتهَا من الْمعَانِي، فَإِذا خلت عَن الْمَعْنى لم يبْق إِلَّا الْأَلْفَاظ، وَالْمعْنَى إِذا دلّ عَلَيْهِ بِأَلف اسْم لم يكن لَهُ فضل على الْمَعْنى الَّذِي يُدل عَلَيْهِ باسم وَاحِد، فيبعد أَن يكمل هَذَا الْعدَد المحصور بتكرير الْأَلْفَاظ على معنى وَاحِد، بل الْأَشْبَه أَن يكون تَحت كل لفظ خُصُوص معنى.

فَإِذا رَأينَا لفظين متقاربين فَلَا بُد فِيهِ من أحد أَمريْن:

أَحدهمَا، أَن تتبين أَن أَحدهمَا خَارج عَن التِّسْعَة وَالتسْعين، مثل الْأَحَد وَالْوَاحد، فَإِن الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ ورد فِيهَا الْوَاحِد، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى ورد الْأَحَد بدل الْوَاحِد، فَيكون مكمّل الْعدَد معنى التَّوْحِيد، إِمَّا بِلَفْظ الْوَاحِد أَو بِلَفْظ الْأَحَد، فَأَما أَن يقوما فِي تَكْمِيل الْعدَد مقَام اسْمَيْنِ وَالْمعْنَى وَاحِد فَهُوَ بعيد عِنْدِي جداً.

الثَّانِي، أَن نتكلّف إِظْهَار مزيّةٍ لأحد اللَّفْظَيْنِ على الآخر بِبَيَان اشتماله على

صفحة 41

دلَالَة لَا يدل عَلَيْهَا الآخر. مِثَاله، لَو ورد الغافر والغفور والغفار، لم يكن بَعيداً أَن تُعد هَذِه ثَلَاثَةَ أسامٍ، لِأَنَّ الغافر يدل على أصل الْمَغْفِرَة فَقَط، والغفور يدل على كَثْرَة الْمَغْفِرَة بِالْإِضَافَة إِلَى كَثْرَة الذُّنُوب، حَتَّى إِن من لَا يغْفر إِلَّا نوعاً وَاحِداً من الذُّنُوب قد لَا يُقَال لَهُ غَفُور، والغفار يُشِير إِلَى كَثْرَة على سَبِيل التّكْرَار، أَي يغْفر الذُّنُوب مرّة بعد أُخْرَى، حَتَّى إِن من يغْفرُ جَمِيْعَ الذُّنُوب وَلَكِن أول مرّة، وَلَا يغْفر الْعَائِد إِلَى الذَّنب مرّة بعد أُخْرَى، لم يسْتَحق اسْم الْغفار.

وَكَذَلِكَ الْغَنِيُّ وَالْمَلِكُ، فَإِن الْغَنِيّ هُوَ الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى شَيْءٍ، وَالْملك أَيْضاً هُوَ الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء، وَيحْتَاج إِلَيْهِ كل شَيْء، فَيكون الْملك مُفِيداً معنى الْغنى وَزِيَادَة. وَكَذَلِكَ الْعَلِيم والخبير، فَإِن الْعَلِيم يدل على الْعلم فَقَط، والخبير يدل على علمه بالأمور الْبَاطِنَة. وَهَذَا الْقدر من التَّفَاوُت يخرج الْأَسَامِي عَن أَن تكون مترادفة، وَتَكون من جنس السَّيْف والمهند والصارم لَا من جنس الْأسد وَاللَّيْث، فَإِن عجزنا فِي بعض هَذِه الْأَسَامِي المتقاربة عَن هذَيْن المسلكين، فَيَنْبَغِي أَن نعتقد تَفَاوتاً بَين معنى اللَّفْظَيْنِ، وَإِن عجزنا عَن التَّنْصِيص على خُصُوص مَا بِهِ الِافْتِرَاق، كالعظيم وَالْكَبِير مثلاً، فَإِنَّهُ يصعب علينا أَن نذْكر وَجه الْفرق بَين معنييهما فِي حق الله تَعَالَى، وَلَكنَّا لَا نشك فِي أصل الِافْتِرَاقِ، وَلذَلِك قَالَ عز من قَائِل: (الْكِبْرِيَاء رِدَائي وَالْعَظَمَة إزَارِي)،[1] فَفرّق بَينهمَا فرقاً يدل على التَّفَاوُت، فَإِن كل وَاحِد من الرِّدَاء والإزار زِينَة للابس، وَلَكِن الرِّدَاء أشرف من الْإِزَارِ.

وَلذَلِك جعل مِفْتَاح الصَّلَاة: (الله أكبر)، وَلم يَقُمْ عِنْد ذَوي البصائر النافذة (الله أعلم) مقَامه. وَكَذَلِكَ الْعَرَب فِي اسْتِعْمَالهَا تفرق بَين اللَّفْظَيْنِ إِذْ تسْتَعْمل (الْكَبِير) حَيْثُ لَا تسْتَعْمل (الْعَظِيم)، وَلَو كَانَا مترادفين لتواردا فِي كل

صفحة 42

مقَام. تَقول الْعَرَبُ: فلَان أكبر سناً من فلَان، وَلَا تَقول: أعظم سناً، وَكَذَلِكَ الْجَلِيل غير الْكَبِير والعظيم، فَإِن الْجلَال يُشِير إِلَى صِفَات الشّرف، وَلذَلِك لَا يُقَال: فلَان أجل سناً من فلَان، وَيُقَال: أكبر، وَيُقَال: الْعَرْش أعظم من الْإِنْسَان، وَلَا يُقَالُ: أجل من الْإِنْسَانِ.

فَهَذِهِ الْأَسَامِي، وَإِن كَانَت مُتَقَارِبَة الْمعَانِي، فَلَيْسَتْ مترادفة. وعَلى الْجُمْلَة، يَبعد الترادفُ الْمَحْضُ فِي الْأَسْمَاءِ الدَّاخِلَةِ فِيْ التِّسْعَةِ وَالتسْعين، لِأَن الْأَسَامِي لَا ترَاد لحروفها ومخارج أصواتها، بل لمفهوماتها ومعانيها، فَهَذَا أصلٌ لَا بُدَّ من اعْتِقَاده.

  1. [1] رواه أبو داود، رقم الحديث: 4090، وابن ماجه، رقم الحديث: 4174، وراجع (المقاصد الحسنة) رقم 794 صفحة 313.
صفحة 43

الفصل الثالث

في الاسم الواحد الذي له معانٍ مختلفة وهو مشترك بالإضافة إليها

كالمؤمن مثلاً، فَإِنَّهُ قد يُرَاد بِهِ الْمُصدق، وَقد يشتق من الْأَمْنِ، وَيكون المُرَادُ إِفَادَةَ الْأَمْن والأمان، فَهَل يجوز أَن يحمل على كلا الْمَعْنيين حمل الْعُمُوم على مسمياته، كَمَا يحمل الْعَلِيم على الْعلم بِالْغَيْبِ وَالشَّهَادَة وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن، وَغير ذَلِك من المعلومات الْكَثِيرَة؟ وَهَذَا إِذا نظر إِلَيْهِ من حَيْثُ اللُّغَة، فبعيد أَن يحمل الِاسْم الْمُشْتَرك على جَمِيع المسميات حمل الْعُمُوم، إِذْ الْعَرَب تطلق اسْم الرجل وتريد بِهِ كل وَاحِد من الرِّجَال، وَهَذَا هُوَ الْعُمُوم، وَلَا تطلق اسْم الْعين وتريد بِهِ عين الشَّمْس وَالدِّينَار وَعين الْمِيزَان وَالْعين المنفجرة من المَاء وَالْعين الباصرة من الْحَيَوَان، وَهَذَا هُوَ اللَّفْظ الْمُشْتَرك، بل تطلق مثل ذَلِك لإِرَادَة أحد مَعَانِيه، وتميز ذَلِك بِالْقَرِينَةِ. وَقد حُكيَ عَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فِي الْأُصُول أَنه قَالَ: (الِاسْم الْمُشْتَرك يحمل على جَمِيع مسمياته إِذا ورد مُطلقاً، مَا لم تدل قرينَة على التَّخْصِيص)، وَهَذَا إِن صَحَّ مِنْهُ فَهُوَ بعيد، بل مُطلق لفظ الْعين مُبْهَم فِي اللُّغَة لَا يتَعَيَّن بِهِ وَاحِد من مسمياته إِلَّا أَن تدل قرينَة على التَّعْيِين.

فَأَما التَّعْمِيم، فَرُبمَا خَالف وضع الشَّرْع وضع اللِّسَان. نعم، فِيمَا تصرف الشَّرْع فِيهِ من الْأَلْفَاظ لَا يبعد أَن يكون من وَضعه وتصرفه إِطْلَاق اللَّفْظ لإِرَادَة جَمِيع الْمعَانِي، فَيكون اسْم الْمُؤمن بِالشَّرْعِ مَحْمُولاً على الْمُصدق ومفيداً الْأَمْن بِوَضْع شَرْعِي لَا بِوَضْع لغَوِيّ، كَمَا أَن اسْم الصَّلَاة وَالصِّيَام قد اخْتصَّ بِتَصَرُّف الشَّرْع بِبَعْض أُمُور لَا يَقْتَضِي وضع اللُّغَة ذَلِك، فَهَذَا غير بعيد لَو كَانَ عَلَيْهِ دَلِيل

صفحة 44

وَلَكِن لم يدل دَلِيل على أَن الشَّرْع قد غير الْوَضع فِيهِ، والأغلب على ظَنِّي أَنه لم يُغيّر، وَأَن من قَالَ من المصنفين: إِن الِاسْم الْوَاحِد من أَسمَاء الله عز وَجل إِذا احْتمل مَعَاني وَلم يدل الْعقل على إِحَالَة شَيْء مِنْهَا، حُمِلَ على الْجَمِيع بطرِيق الْعُمُوم، فقد أبعد فِيهِ.

نعم، من الْمعَانِي مَا يتقارب تقارباً يكَاد يرجع الِاخْتِلَاف فِيهِ إِلَى الإضافات، فَيقرب شبهه من الْعُمُوم، فالتعميم فِيهِ أقرب، كالسلام، فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد سَلَامَته من الْعَيْب وَالنَّقْص، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد سَلامَة الْخلق بِهِ وَمِنْه، فَهَذَا وَأَمْثَاله أشبه بِالْعُمُومِ، فَإِذا ثَبت أَن الْميل الْأَظْهر إِلَى منع التَّعْمِيم، فَطلب التَّعْيِين لبَعض الْمعَانِي لَا يكون إِلَّا بِالِاجْتِهَادِ، فَيكون الْحَامِل للمجتهد على تعْيين بعض الْمعَانِي: إِمَّا أَنه أَلْيَقُ، كمفيد الْأمان، فَإِنَّهُ أليق بالمدح فِي حق الله عز وَجل من التَّصْدِيق، فَإِن التَّصْدِيق أليق بِغَيْرِهِ، إِذْ يجب على الْكل الْإِيمَان بِهِ والتصديق بِكَلَامِهِ، فَإِن رُتْبَة الْمُصدَّق فَوق رُتْبَة الْمُصدِّق، وَإِمَّا أَن يكون أحد الْمَعْنيين لَا يُؤَدِّي إِلَى الترادف بَين اسْمَيْنِ، كحمل الْمُهَيْمِن على غير الرَّقِيب، فَإِنَّهُ أولى من الرَّقِيب، لِأَن الرَّقِيب قد ورد، والترادف بعيد كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَإِمَّا أَن يكون أحد الْمَعْنيين أظهر فِي التعارف وأسبق إِلَى الإفهام لشهرته، أَو أدل على الْكَمَال والمدح، فَهَذَا وَمَا يجْرِي مجْرَاه يَنْبَغِي أَن يُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي بَيَان الْأَسَامِي، وَلَا نذْكر لكل اسْم إِلَّا معنى وَاحِداً نرَاهُ أقرب، ونضرب عَمَّا عداهُ صفحاً، إِلَّا إِذا رَأَيْنَاهُ مقارباً فِي الدرجَة لما ذَكرْنَاهُ، فَأَما تَكْثِير الْأَقَاوِيل الْمُخْتَلفَة فِيهِ، مَعَ أَنا لَا نرى تَعْمِيم الْأَلْفَاظ الْمُشْتَركَة، فَلَا نرى فِيهِ فَائِدَة.

صفحة 45

الفصل الرابع

في بيان أن كمال البعد وسعادته في التخلق بأخلاق الله تعالى، والتحلي بمعاني صفاته وأسمائه بقدر ما يُتصوّر في حقه

اعْلَم أَن من لم يكن لَهُ حَظّ من مَعَاني أَسمَاء الله عز وَجل إِلَّا بِأَن يسمع لَفظَه وَيفهم فِي اللُّغَة معنى تَفْسِيره وَوَضعه، ويعتقدَ بِالْقَلْبِ وجودَ مَعْنَاهُ فِي الله تَعَالَى، فَهُوَ مبخوس الْحَظ، نَازل الدرجَة، لَيْسَ يَحسن بِهِ أَن يتبجحَ بِمَا ناله، فَإِن سَماع اللَّفْظ لَا يَسْتَدْعِي إِلَّا سَلامَة حاسة السّمع الَّتِي بهَا تدْرَك الْأَصْوَات، وَهَذِه رُتْبَة تشارك الْبَهِيمَةُ فِيهَا، وَأما فهم وَضعه فِي اللُّغَة فَلَا يَسْتَدْعِي إِلَّا معرفَة الْعَرَبيَّة، وَهَذِه رُتْبَة يُشَارك فِيهَا الأديب اللّغَوِيّ بل الغبي اللّغَوِيّ البدوي، وَأما اعْتِقَاد ثُبُوت مَعْنَاهُ لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من غير كشف، فَلَا يَسْتَدْعِي إِلَّا فهم مَعَاني الْأَلْفَاظ والتصديق بهَا، وَهَذِه رُتْبَة يُشَارك فِيهَا الْعَاميّ بل الصَّبِي، فَإِنَّهُ بعد فهم الْكَلَام، إِذا ألقِي إِلَيْهِ هَذِه الْمعَانِي تلقاها وتلقنها واعتقدها بِقَلْبِه وصمّم عَلَيْهَا، وَهَذِه دَرَجَات أَكثر الْعلمَاء، فضلاً عَن غَيرهم. وَلَا يُنكر فضل هَؤُلَاءِ بِالْإِضَافَة إِلَى من لم يشاركهم فِي هَذِه الدَّرَجَات الثَّلَاث، وَلكنه نقص ظَاهر بِالْإِضَافَة إِلَى ذرْوَة الْكَمَال، فَإِن حَسَنَات الْأَبْرَار سيئات المقربين، بل حظوظ المقربين من مَعَاني أَسمَاء الله تَعَالَى ثَلَاثَة:

الْحَظ الأول: معرفَة هَذِه الْمعَانِي على سَبِيل المكاشفة والمشاهدة، حَتَّى يَتَّضِح لَهُم حقائقها بالبرهان الَّذِي لَا يجوز فِيهِ الْخَطَأ، وينكشف لَهُم اتصاف الله عز وَجل بهَا انكشافاً يجْرِي فِي الوضوح وَالْبَيَان مجْرى الْيَقِين الْحَاصِل للْإنْسَان

صفحة 46

بصفاته الْبَاطِنَة، الَّتِي يُدْرِكهَا بمشاهدة بَاطِنه، لَا بإحساس ظَاهر. وَكم بَين هَذَا وَبَين الِاعْتِقَاد الْمَأْخُوذ من الْآبَاء والمعلمين تقليداً، والتصميم عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ مَقْرُونا بأدلة جدلية كلامية!

الْحَظ الثَّانِي من حظوظهم: استعظامهم مَا ينْكَشف لَهُم من صِفَات الْجلَال على وَجه ينبعث من الاستعظام، يشوقُهم إِلَى الاتصاف بِمَا يُمكنهُم من تِلْكَ الصِّفَات، ليقربوا بهَا من الْحق قرباً بِالصّفةِ لَا بِالْمَكَانِ، فيأخذوا من الاتصاف بهَا شبهاً بِالْمَلَائِكَةِ المقربين عِنْد الله عز وَجل، وَلنْ يتَصَوَّر أَن يمتلئ الْقلب باستعظام صفة واستشرافها إِلَّا ويتبعه شوق إِلَى تِلْكَ الصّفة، وعشق لذَلِك الْكَمَال والجلال، وحرص على التحلي بذلك الْوَصْف، إِن كَانَ ذَلِك مُمكناً للمستعظم بِكَمَالِهِ، فَإِن لم يكن بِكَمَالِهِ فينبعث الشوق إِلَى الْقدر الْمُمكن مِنْهُ لَا محَالة.

وَلَا يَخْلُو عَن هَذَا الشوق أحد إِلَّا لأحد أَمريْن: إِمَّا لضعف الْمعرفَة وَالْيَقِين بِكَوْن الْوَصْف الْمَعْلُوم من أَوْصَاف الْجلَال والكمال، وَإِمَّا لكَون الْقلب ممتلئاً بشوق آخر مُسْتَغْرقاً بِهِ. فالتلميذ إِذا شَاهد كَمَال أستاذه فِي الْعلم انْبَعَثَ شوقه إِلَى التَّشَبُّه والاقتداء بِهِ، إِلَّا إِذا كَانَ مملوءاً بِالْجُوعِ مثلاً، فَإِن استغراق بَاطِنه بشوق الْقُوت رُبمَا يمْنَع انبعاث شوق الْعلم، وَلِهَذَا يَنْبَغِي أَن يكون النَّاظر فِي صِفَات الله تَعَالَى خَالِياً بِقَلْبِه عَن إِرَادَة مَا سوى الله عز وَجل، فَإِن الْمعرفَة بذر الشوق، وَلَكِن مهما صَادف قلباً خَالِياً عَن حسيكة الشَّهَوَات، فَإِنْ لم يكن خَالِياً لم يكن الْبذر منجحاً.

الْحَظ الثَّالِث: السَّعْي فِي اكْتِسَاب الْمُمكن من تِلْكَ الصِّفَات والتخلق بهَا والتحلي بمحاسنها، وَبِه يصير العَبْد ربانياً، أَي قَرِيباً من الرب تَعَالَى، وَبِه يصير رَفِيقاً للملأ الْأَعْلَى من الْمَلَائِكَة، فَإِنَّهُم على بِسَاط الْقرب، فَمن ضرب إِلَى شبهٍ من صفاتهم نَالَ شَيْئاً من قربهم بِقدر مَا نَالَ من أوصافهم المقربة لَهُم إِلَى الْحق تَعَالَى.

صفحة 47

فَإِن قلت: طلب الْقرب من الله عز وَجل بِالصّفةِ أَمْرٌ غامضٌ تكَاد تشمئز الْقُلُوْبُ عَن قبُوله والتصديق بِهِ، فزده شرحاً تكسر بِهِ سُورَة إِنْكَار المنكرين، فَإِنَّ هَذَا كالمنكر عِنْد الْأَكْثَرين إِن لم تكشف حَقِيقَته، فَأَقُول: لَا يخفى عَلَيْك وَلَا على من ترعرع قَلِيلاً من دَرَجَة عوام الْعلمَاء أَن الموجودات منقسمة إِلَى كَامِلَة وناقصة، والكامل أشرف من النَّاقِص، وَمهما تفاوتت دَرَجَات الْكَمَال وَاقْتصر مُنْتَهى الْكَمَال على وَاحِد حَتَّى لم يكن الْكَمَال الْمُطلق إِلَّا لَهُ، وَلم يكن للموجودات الْأُخَرِ كَمَال مُطلق، بل كَانَت لَهَا كمالات مُتَفَاوِتَة بِالْإِضَافَة، فأكملها أقرب لَا محَالة إِلَى الَّذِي لَهُ الْكَمَال الْمُطلق، أَعنِي قرباً بالرتبة والدرجة لَا بالكمال.

ثمَّ الموجودات منقسمة إِلَى حَيَّة وميتة، وَتعلم أَن الْحَيّ أشرف وأكمل من الْمَيِّت، وَأَنَّ دَرَجَات الْأَحْيَاء ثَلَاثَة: دَرَجَة الْمَلَائِكَة، ودرجة الْإِنْس، ودرجة الْبَهَائِم. ودرجة الْبَهَائِم أَسْفَل فِي نفس الْحَيَاة الَّتِي بهَا شرفها، لِأَن الْحَيّ هُوَ الدرّاك الفَعَّالُ، وَفِي إِدْرَاك الْبَهِيمَة نقص، وَفِي فعلهَا نقص، أما إِدْرَاكهَا فنقصانه أَنه مَقْصُور على الْحَواس، وَإِدْرَاك الْحس قَاصِر لِأَنَّهُ لَا يدْرك الْأَشْيَاء إِلَّا بمماسة أَو بِقرب مِنْهَا، فالحس مَعْزُول عَن الْإِدْرَاك إِن لم يكن مماسة وَلَا قرب، فَإِن الذَّوْق واللمس يحتاجان إِلَى المماسة، والسمع وَالْبَصَر والشم يحْتَاج إِلَى الْقرب، وكل مَوْجُود لَا يتَصَوَّر فِيهِ المماسة والقرب، فالحس مَعْزُول عَن إِدْرَاكه فِي الْحَال، وَأما فعلهَا فَهُوَ أَنه مَقْصُور على مُقْتَضى الشَّهْوَة وَالْغَضَب، لَا باعث لَهَا سواهُمَا، وَلَيْسَ لَهَا عقل يَدْعُو إِلَى أَفعَال مُخَالفَة لمقْتَضى الشَّهْوَة وَالْغَضَب.

وَأما الْمَلَكُ، فدرجته أَعلَى الدَّرَجَات لِأَنَّهُ عبارَة عَن مَوْجُود لَا يُؤثر الْقرب والبعد فِي إِدْرَاكه، بل لَا يقْتَصر إِدْرَاكه على مَا يتَصَوَّر فِيهِ الْقرب والبعد، إِذْ الْقرب والبعد يتَصَوَّر على الْأَجْسَام، والأجسام أخس أَقسَام الموجودات، ثمَّ هُوَ مقدَّس عَن الشَّهْوَة وَالْغَضَب، فَلَيْسَتْ أَفعاله بِمُقْتَضى الشَّهْوَة وَالْغَضَب، بل داعيه

صفحة 48

إِلَى الْأَفْعَال أَمر أجل من الشَّهْوَة وَالْغَضَب، وَهُوَ طلب التَّقَرُّب إِلَى الله عز وَجل.

وَأما الْإِنْسَان، فَإِن دَرَجَته متوسطة بَين الدرجتين، وَكَأَنَّهُ مركب من بهيمية ومَلَكية، والأغلب عَلَيْهِ فِي بداية أمره البهيمية، إِذْ لَيْسَ لَهُ أَولاً من الْإِدْرَاك إِلَّا الْحَواس الَّتِي يحْتَاج فِي الْإِدْرَاك بهَا إِلَى طلب الْقرب من المحسوس بالسعي وَالْحَرَكَة، إِلَى أَن يشرق عَلَيْهِ بِالآخِرَة نور الْعقل الْمُتَصَرف فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض، من غير حَاجَة إِلَى حَرَكَة بِالْبدنِ وَطلب قربٍ أَو مماسة مَعَ الْمدْرك بِهِ، بل مدركه الْأُمُور المقدسة عَن قبُول الْقرب والبعد بِالْمَكَانِ، وَكَذَلِكَ المستولي عَلَيْهِ أَولاً شَهْوَتُهُ وغضبُه، وبحسب مقتضاهما انبعاثه، إِلَى أَن يظْهر فِيهِ الرَّغْبَة فِي طلب الْكَمَال، وَالنَّظَر للعاقبة، وعصيان مُقْتَضى الشَّهْوَة وَالْغَضَب، فَإِن غلب الشَّهْوَة وَالْغَضَب حَتَّى ملكهمَا وضعفا عَن تحريكه وتسكينه، أَخَذَ بذلك شَبَهاً من الْمَلَائِكَة، وَكَذَلِكَ إِن فطم نَفسه عَن الجمود على الخيالات والمحسوسات وَأنس بِإِدْرَاك أُمُور تجلّ عَن أَن ينالها حس أَو خيال، أَخذ شبهاً أخر من الْمَلَائِكَة، فَإِن خاصية الْحَيَاة الْإِدْرَاك وَالْعقل، وإليهما يتَطَرَّق النُّقْصَان والتوسط والكمال، وَمهما اقْتدى بِالْمَلَائِكَةِ فِي هَاتين الخاصيتين كَانَ أبعد عَن البهيمية وَأقرب من الْمَلَكِ، وَالْملك قريب من الله عز وَجل، والقريب من الْقَرِيب قريب.

فَإِن قلت: فَظَاهر هَذَا الْكَلَام يُشِير إِلَى إِثْبَات مشابهة بَين العَبْد وَبَين الله تَعَالَى، لِأَنَّهُ إِذا تخلّق بأخلاقه كَانَ شَبِيهاً لَهُ، وَمَعْلُوم شرعاً وعقلاً أَن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَيْسَ كمثله شَيْء، وَأَنه لَا يشبه شَيْئاً وَلَا يُشبههُ شَيْء، فَأَقُول: مهما عرفت معنى الْمُمَاثلَة المنفية عَن الله عز وَجل، عرفت أَنه لَا مثل لَهُ، وَلَا يَنْبَغِي أَن يظنّ أَن الْمُشَاركَة فِي كل وصف توجب الْمُمَاثَلَةَ.

أفترى أَن الضدين يتماثلان وَبَينهمَا غَايَة الْبعد الَّذِي لَا يتَصَوَّر أَن يكون بعد

صفحة 49

فَوْقه، وهما متشاركان فِي أَوْصَاف كَثِيرَة، إِذْ السوَاد يُشَارك الْبيَاض فِي كَونه عرضاً، وَفِي كَونه لوناً، وَفِي كَونه مدْركاً بالبصر، وَأُمُور أخر سواهَا؟ أفترى أَنَّ من قَالَ: إِنَّ الله عز وَجل مَوْجُود لَا فِي مَحل، وَإنَّهُ سميع بَصِير عَالم مُرِيد مُتَكَلم حَيّ قَادر فَاعل، وَالْإِنْسَان أَيْضاً كَذَلِكَ، فقد شبّه وَأثبت الْمثل؟ هَيْهَات! لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ الْخلق كلهم مشبّهة، إِذْ لَا أقل من إِثْبَات الْمُشَاركَة فِي الْوُجُود، وَهُوَ موهم للمشابَهة، بل الْمُمَاثلَة عبارَة عَن الْمُشَاركَة فِي النَّوْع والماهية، وَالْفرس وَإِن كَانَ بَالغاً فِي الكياسة، لَا يكون مثلاً لِلْإِنْسَانِ، لِأَنَّهُ مُخَالف لَهُ بالنوع، وَإِنَّمَا يشابهه بالكياسة الَّتِي هِيَ عارضة، خَارِجَة عَن الْمَاهِيّة المقومة لذات الإنسانية.

والخاصية الإلهية أَنه الْمَوْجُود الْوَاجِب الْوُجُود بِذَاتِهِ، الَّذِي عَنهُ يُوجد كل مَا فِي الْإِمْكَان وجوده، على أحسن وُجُوه النظام والكمال، وَهَذِه الخاصية لَا يتَصَوَّر فِيهَا مُشَاركَة الْبَتَّةَ، والمماثلة بهَا لَا تحصل، فكون العَبْد رحِيماً صبوراً شكُوراً لَا يُوجب الْمُمَاثلَة، كَكَوْنِهِ سمعياً بَصيراً عَالماً قَادِراً حَيّاً فَاعِلاً، بل أَقُول: الخاصية الإلهية لَيست إِلَّا لله تَعَالَى وَلَا يعرفهَا إِلَّا الله، وَلَا يتَصَوَّر أَن يعرفهَا إِلَّا هُوَ أَو من هُوَ مثله، وَإِذا لم يكن لَهُ مثل فَلَا يعرفهَا غَيره، فَإِذاً، الْحق مَا قَالَه الْجُنَيْد رَحمَه الله حَيْثُ قَالَ: (لَا يعرف الله إِلَّا الله)، وَلذَلِك لم يُعْطِ أجلَّ خلقه إِلَّا اسْماً حجبه بِهِ فَقَالَ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [87 سُورَة الْأَعْلَى/ الْآيَة: 1]، فوَاللَّه مَا عرف الله غير الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَقيل لذِي النُّون وَقد أشرف على الْمَوْت: (مَاذَا تشْتَهي؟) فَقَالَ: (أَن أعرفهُ قبل أَن أَمُوت وَلَو بلحظة). وَهَذَا الْآن يشوش قُلُوب أَكثر الضُّعَفَاء ويوهم عِنْدهم القَوْل بِالنَّفْيِ والتعطيل، وَذَلِكَ لعجزهم عَن فهم هَذَا الْكَلَامِ.

وَأَنا أَقُول: لَو قَالَ الْقَائِل: لَا أعرف الله، كَانَ صَادِقاً، وَلَو قَالَ: أعرف الله، كَانَ صَادِقاً. وَمَعْلُوم أَن النَّفْي وَالْإِثْبَات لَا يصدقان مَعاً، بل يتقاسمان

صفحة 50

الصدْق وَالْكذب، فَإِن صدق النَّفْي كذب الْإِثْبَات، وَبِالْعَكْسِ، وَلَكِن إِذا اخْتلف وَجه الْكَلَام تصور الصدْق فِي الْقسمَيْنِ، وَهُوَ كَمَا لَو قَالَ الْقَائِل لغيره: هَل تعرف الصّدّيق أَبَا بكر رَضِي الله عَنهُ؟ فَقَالَ: وَالصّدّيق مِمَّنْ يُجهل وَلَا يعرف، أَو يُتَصَوَّرُ فِي الْعَالم من لَا يعرفهُ، مَعَ ظُهُوره واشتهاره وانتشار اسْمه؟ فَهَل على المنابر إِلَّا حَدِيثه، وَهل فِي الْمَسَاجِد إِلَّا ذكره، وَهل على الْأَلْسِنَة إِلَّا ثَنَاؤُهُ وَوَصفه؟ لَكَانَ هَذَا الْقَائِل صَادِقاً. وَلَو قيل لآخر: هَل تعرفه؟ فَقَالَ: وَمن أَنا حَتَّى أعرف الصّديق؟ هَيْهَات! لَا يعرف الصّدّيق سوى الصّدّيق، أَو من هُوَ مثله أَو فَوْقه، وَمن أَيْن لي أَن أَدّعِيَ مَعْرِفَتَهُ أَو أطمعَ فِيهَا، وَإِنَّمَا مثلي يسمع اسْمه وَصفته، فَأَمَّا أَن يَدَّعِيَ مَعْرفَته فَذَلِك محَال، فَهَذَا أَيْضاً صَادِق، وَله وَجه، وَهُوَ أقرب إِلَى التَّعْظِيم والاحترام.

وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَن يُفهم قَول من قَالَ: أعرف الله، وَقَول من قَالَ: لَا أعرف الله.

بل لَو عرضت خطّاً منظوماً على عَاقل وَقلت: هَل تعرف كَاتبه؟ فَقَالَ: لَا، صَدَقَ، وَلَو قَالَ: نعم، كَاتبه هُوَ الْإِنْسَان الْحَيّ الْقَادِر السَّمِيع الْبَصِير السَّلِيم الْيَد الْعَالم بصناعة الْكِتَابَة، فَإِذا عرفتُ كل هَذَا مِنْهُ فَكيف لَا أعرفهُ؟ فَهَذَا أَيْضاً صَدَقَ، وَلَكِنَّ الأحق والأصدق قَوْلُهُ: لَا أعرفهُ، فَإِنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ مَا عرفه، وَإِنَّمَا عرف احْتِيَاج الْخط المنظوم إِلَى كَاتب حَيّ عَالم قَادر سميع بَصِير سليم الْيَد عَالم بصناعة الْكِتَابَة، وَلم يعرف الْكَاتِب نَفسه. فَكَذَلِك الْخلق كلهم لم يعرفوا إِلَّا احْتِيَاج هَذَا الْعَالَمِ المنظوم الْمُحكم إِلَى صَانِعٍ مُدَبِّرٍ حَيٍّ عَالِمٍ قَادِرٍ.

وَهَذِه الْمعرفَة لَهَا طرفان: أَحدهمَا يتَعَلَّق بالعالم، ومعلومه احْتِيَاجه إِلَى مُدبر، وَالْآخر يتَعَلَّق بِاللَّه عز وَجل، ومعلومه أسامي مُشْتَقَّةٌ من صِفَاتٍ غير دَاخِلَةٍ فِي حَقِيقَة الذَّات وماهيتها، فَإِنَّا قد بَيَّنَّا أَنه إِذا أَشَارَ المشيرُ إِلَى شَيْءٍ

صفحة 51

وَقَالَ: مَا هُوَ؟ لم يكن ذكر الْأَسْمَاء المشتقة جَوَاباً أصلاً، فَلَو أَشَارَ إِلَى شخص حَيَوَان فَقَالَ: مَا هُوَ؟ فَقيل: طَوِيل أَو أَبيض أَو قصير، أَو أَشَارَ إِلَى مَاء فَقَالَ: مَا هُوَ؟ فَقيل بِأَنَّهُ بَارِد، أَو أَشَارَ إِلَى نَار وَقَالَ: مَا هُوَ؟ فَقيل: حَارٌّ، فَكل ذَلِك لَيْسَ بِجَوَاب عَن الْمَاهِيّة الْبَتَّةَ، والمعرفة بالشَّيْء هِيَ معرفَة حَقِيقَته وماهيته، لَا معرفَة الْأَسَامِي المشتقة، فَإِن قَوْلنَا: حَارٌّ، مَعْنَاهُ شَيْء مُبْهَم لَهُ وصف الْحَرَارَة، وَكَذَلِكَ قَوْلنَا: قَادر وعالم، مَعْنَاهُ شَيْء مُبْهَم لَهُ وصف الْعلم وَالْقُدْرَة.

فَإِن قلت: فقولنا: إِنَّه الْوَاجِب الْوُجُود الَّذِي عَنهُ وَحده يُوجد كل مَا فِي الْإِمْكَان وجوده، عبارَة عَن حَقِيقَته وَحدّه، وَقد عرفنَا هَذَا، فَأَقُول: هَيْهَات! فقولنا: وَاجِب الْوُجُود، عبارَة عَن استغنائه عَن الْعلَّة وَالْفَاعِل، وَهَذَا يرجع إِلَى سلب السَّبَب عَنهُ. وَقَوْلنَا: يُوجد عَنهُ كل مَوْجُود، يرجع إِلَى إِضَافَة الْأَفْعَال إِلَيْهِ، وَإِذا قيل لنا: مَا هَذَا الشَّيْء؟ وَقُلْنَا: هُوَ الْفَاعِل، لم يكن جَوَاباً، وَإِذا قُلْنَا: هُوَ الَّذِي لَهُ عِلّة، لم يكن جَوَاباً، فَكيف قَوْلُنَا: هُوَ الَّذِي لَا عِلَّةَ لَهُ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِك نبأ عَن غير ذَاته، وَعَن إِضَافَة لَهُ إِلَى ذَاته، إِمَّا بِنَفْي أَو إِثْبَات، وكل ذَلِك أَسمَاء وصفات وإضافات.

فَإِن قلت: فَمَا السَّبِيل إِلَى مَعْرفَته؟ فَأَقُول: لَو قَالَ لنا صبي أَو عنين: مَا السَّبِيل إِلَى معرفَة لَذَّة الوقاع وَإِدْرَاك حَقِيقَته؟ قُلْنَا: هَاهُنَا سبيلان: أَحدهمَا أَن نصفه لَك حَتَّى تعرفه، وَالْآخر أَن تصبر حَتَّى تظهر فِيك غريزة الشَّهْوَة ثمَّ تباشر الوقاع حَتَّى تظهر فِيك لَذَّة الوقاع فتعرفه، وَهَذَا السَّبِيل الثَّانِي هُوَ السَّبِيل الْمُحَقَّق المفضي إِلَى حَقِيقَة الْمعرفَة.

فَأَما الأول، فَلَا يُفْضِي إِلَّا إِلَى توهم وتشبيه للشَّيْء بِمَا لَا يُشبههُ، إِذْ غايتنا أَن نمثل لَذَّة الوقاع عِنْده بِشَيْء من اللَّذَّات الَّتِي يُدْرِكهَا الْعنين، كلذة الطَّعَام

صفحة 52

وَالشرَاب الحلو، مثلاً، فَنَقُول لَهُ: أما تعرف أَن السكر لذيذ، فَإنَّك تَجِد عِنْد تنَاوله حَالَة طيبَة وتحس فِي نَفسك رَاحَة؟ قَالَ: نعم، قُلْنَا: فالجماع أَيْضاً كَذَلِك. أفترى أَن هَذَا يفهمهُ حَقِيقَة لَذَّة الْجِمَاع كَمَا هِيَ حَتَّى ينزل فِي مَعْرفَته منزلَة من ذاق تِلْكَ اللَّذَّة وأدركها؟ هَيْهَات! إِنَّمَا غَايَة هَذَا الْوَصْف إِيهَام وتشبيه خطأ وتفهيم ومشاركة فِي الِاسْمِ.

أما الْإِيهَام، فَهُوَ أَنه يتَوَهَّم أَن ذَلِك أَمر طيب على الْجُمْلَة. وَأما التَّشْبِيه، فَهُوَ أَنه يُشبههُ بحلاوة السكر، وَهُوَ خطأ، إِذْ لَا مُنَاسبَة بَين حلاوة السكر وَلَذَّة الوقاع. وَأما الْمُشَاركَة فِي الِاسْم، فَهُوَ أَنه يعلم أَنه مُسْتَحقّ أَن يُسمى لَذَّة، وَمهما ظَهرت الشَّهْوَة وذاق، عَلِمَ قطعاً أَنه لَا يُشبههُ حلاوة السكر، وَأَن مَا كَانَ توهمه لم يكن على الْوَجْه الَّذِي توهمه، نعم، يعلم أَن الَّذِي كَانَ قد سمع من اسْمه وَصفته، وَأَنه لذيذ وَطيب، كَانَ صَادِقاً، بل كَانَ أصدق عَلَيْهِ مِنْهُ على حلاوة السكر.

فَكَذَلِك لمعْرِفَة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سبيلان: أَحدهمَا قَاصِر وَالْآخر مسدود.

أما الْقَاصِر، فَهُوَ ذكر الْأَسْمَاء وَالصِّفَات، وَطَرِيقَة التَّشْبِيه بِمَا عَرفْنَاهُ من أَنْفُسنَا، فَإنَّا لما عرفنَا أَنْفُسنَا قَادِرين عَالمين أَحيَاء متكلمين، ثمَّ سمعنَا ذَلِك فِي أَوْصَاف الله عز وَجل أَو عَرفْنَاهُ بِالدَّلِيلِ، فهمناه فهماً قاصراً، كفهم الْعنين لَذَّة الوقاع بِمَا يُوصف لَهُ من لَذَّة السكر، بل حياتنا وقدرتنا وَعلمنَا أبعد من حَيَاة الله عز وَجل وَقدرته وَعلمه من حلاوة السكر من لَذَّة الوقاع، بل لَا مُنَاسبَة بَين البعيدين. وَفَائِدَة تَعْرِيف الله عز وَجل بِهَذِهِ الْأَوْصَاف أَيْضاً إِيهَام وتشبيه ومشاركة فِي الِاسْم، لَكِن يقطع التَّشْبِيه بِأَن يُقَالَ: لَيْسَ كمثله شَيْء، فَهُوَ حَيّ لَا كالأحياء، وقادر لَا كالقادرين، كَمَا تَقول: الوقاع لذيذ كالسكر، وَلَكِنَّ تِلْكَ اللَّذَّةَ لَا تشبه هَذِه الْبَتَّةَ، وَلَكِن تشاركها فِي الِاسْمِ.

صفحة 53

وكأنّا إِذا عرفنَا أَن الله تَعَالَى حَيّ قَادر عَالم، فَلم نَعْرِف إِلَّا أَنْفُسنَا وَلم نعرفه إِلَّا بِأَنْفُسِنَا، إِذْ الْأَصَم لَا يتَصَوَّر أَن يفهم معنى قَوْلنَا: إِن الله سميع، وَلَا الأكمه يفهم معنى قَوْلنَا: إِنَّه بَصِير، وَلذَلِك إِذا قَالَ الْقَائِل: كَيفَ يكون الله عز وَجل عَالماً بالأشياء؟ فَنَقُول: كَمَا تعلم أَنْت الْأَشْيَاء؟ فَإِذا قَالَ: فَكيف يكون قَادِراً؟ فَنَقُول: كَمَا تقدر أَنْت، فَلَا يُمكنهُ أَن يفهم شَيْئاً إِلَّا إِذا كَانَ فِيهِ مَا يُنَاسِبه، فَيعلم أَولاً مَا هُوَ متصف بِهِ ثمَّ يعلم غَيره بالمقايسة إِلَيْهِ، فَإِن كَانَ لله عز وَجل وصف وخاصية لَيْسَ فِينَا مَا يُنَاسِبه ويشاركه فِي الِاسْم، وَلَو مُشَاركَة حلاوة السكر لَذَّة الوقاع، لم يتَصَوَّر فهمه الْبَتَّةَ، فَمَا عرف أحد إِلَّا نَفسه، ثمَّ قايس بَين صِفَات الله تَعَالَى وصفات نَفسه، وتتعالى صِفَاته عَن أَن تشبه صفاتنا، فَتكون هَذِه معرفَة قَاصِرَة يغلب عَلَيْهَا الْإِيهَام والتشبيه، فَيَنْبَغِي أَن تقترن بهَا الْمعرفَة بِنَفْي المشابهة وينفي أصل الْمُنَاسبَة مَعَ الْمُشَاركَة فِي الِاسْم.

وَأما السَّبِيل الثَّانِي المسدود، فَهُوَ أَن ينْتَظر العَبْد أَن تحصل لَهُ الصِّفَات الربوبية كلهَا حَتَّى يصير رَبّاً، كَمَا ينْتَظر الصَّبِي أَن يبلغ فيدرك تِلْكَ اللَّذَّة، وَهَذَا السَّبِيل مسدود مُمْتَنع، إِذْ يَسْتَحِيل أَن تحصل تِلْكَ الْحَقِيقَة لغير الله تَعَالَى، وَهَذَا هُوَ سَبِيل الْمعرفَة المحققة لَا غير، وَهُوَ مسدود قطعاً إِلَّا على الله تَعَالَى.

فَإِذاً، يَسْتَحِيل أَن يَعرفَ اللهَ تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ غير الله، بل أَقُول: يَسْتَحِيل أَن يعرف النَّبِي غير النَّبِي، وَأما من لَا نبوّة لَهُ فَلَا يعرف من النُّبُوَّةِ إِلَّا اسْمهَا، وَأَنَّهَا خاصية مَوْجُودَة لإِنْسَان، بهَا يُفَارق من لَيْسَ نَبياً، وَلَكِن لَا يعرف مَاهِيَّة تِلْكَ الخاصية إِلَّا بالتشبيه بِصِفَات نَفسه.

بل أَزِيد وَأَقُول: لَا يعرف أحد حَقِيقَة الْمَوْت وَحَقِيقَة الْجنَّة وَالنَّار إِلَّا بعد الْمَوْتِ وَدخُول الْجنَّة أَو النَّار، لِأَن الْجنَّة عبارَة عَن أَسبَاب ملذة، وَلَو فَرضنَا شخصاً لم يدْرك قطّ لَذَّة، لم يمكننا أصلاً أَن نفهمه الْجنَّة تفهيماً يُرغبه فِي طلبِهَا.

صفحة 54

وَالنَّار عبارَة عَن أَسبَاب مؤلمة، وَلَو فَرضنَا شخصاً لم يُقَاسِ قطّ ألماً، لم يمكننا قطّ أَن نفهمه النَّار، فَإِذا قاساه فهّمناه إِيَّاه بالتشبيه بأشد مَا قاساه، وَهُوَ ألم النَّارِ.

وَكَذَلِكَ إِذا أدْرك شَيْئاً من اللَّذَّات، فغايتنا أَن نُفهّمه الْجنَّة بالتشبيه بأعظم مَا ناله من اللَّذَّاتِ، وَهِي الْمطعم والمنكح والمنظر، فَإِن كَانَ فِي الْجنَّة لَذَّة مُخَالفَة لهَذِهِ اللَّذَّات فَلَا سَبِيل إِلَى تفهيمه أصلاً إِلَّا بالتشبيه بِهَذِهِ اللَّذَّاتِ، كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي تَشْبِيه لَذَّة الوقاع بحلاوة السكر. ولذّات الْجنَّة أبعد من كل لَذَّة أدركناها فِي الدُّنْيَا، من لَذَّة الوقاع عَن لَذَّة السكر، بل الْعبارَة الصَّحِيحَة عَنْهَا أَنَّهَا مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر، فَإِنْ مثّلناها بالأطعمة قُلْنَا مَعَ ذَلِك: لَا كهذه الْأَطْعِمَةِ، وَإِن مثلناها بالوقاع قُلْنَا: لَا كالوقاع الْمَعْهُود فِي الدُّنْيَا، فَكيف يتعجّب المتعجّبون من قَوْلنَا: لم يحصل أهل الأَرْض وَالسَّمَاء معرفَة من الله تَعَالَى إِلَّا على الصِّفَات والأسماء، وَنحن نقُول: لم يحصلوا من الْجنَّة إِلَّا على الصِّفَات والأسماء؟ وَكَذَلِكَ فِي كل مَا سمع الْإِنْسَانُ اسْمَهُ وَصفتَهُ، وَمَا ذاقه وَمَا أدْركهُ وَلَا انْتهى إِلَيْهِ وَلَا اتّصف بِهِ.

فَإِن قلت: فَمَاذَا نِهَايَة معرفَة العارفين بِاللَّه تَعَالَى؟ فَنَقُول: نِهَايَة معرفَة العارفين عجزهم عَن الْمعرفَة، ومعرفتهم بِالْحَقِيقَةِ أَنهم لَا يعرفونه، وَأَنه لَا يُمكنهُم الْبَتَّةَ مَعْرفَته، وَأَنه يَسْتَحِيل أَن يعرف الله الْمعرفَة الْحَقِيقِيَّة المحيطة بكنه صِفَات الربوبية إِلَّا الله عز وَجل، فَإِذا انْكَشَفَ لَهُم ذَلِك انكشافاً برهانياً كَمَا ذَكرْنَاهُ، فقد عرفوه، أَي بلغُوا الْمُنْتَهى الَّذِي يُمكن فِي حق الْخلق من مَعْرفَته.

وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الصّديق الْأَكْبَر أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ حَيْثُ قَالَ: (الْعَجز عَن دَرك الْإِدْرَاك إِدْرَاك)، بل هُوَ الَّذِي عناه سيد الْبشر صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه حَيْثُ قَالَ: (لَا أُحصي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أثنيتَ على

صفحة 55

نَفسك).[1] وَلم يرد بِهِ أَنه عرف مِنْهُ مَا لَا يطاوعه لِسَانه فِي الْعبارَة عَنْهُ، بل مَعْنَاهُ: إِنِّي لَا أحيط بمحامدك وصفات إلهيتك، وَإِنَّمَا أَنْت الْمُحِيط بهَا وَحدك، فَإِذاً، لَا يحظى مَخْلُوق فِي مُلَاحظَة حَقِيقَة ذَاته إِلَّا بِالْحيرَةِ والدهشة، وَأما اتساع الْمعرفَة فَإِنَّهَا تكون فِي معرفَة أَسْمَائِهِ وَصِفَاته.

فَإِن قلت: فبماذا تَتَفَاوَت دَرَجَات الْمَلَائِكَة والأنبياء والأولياء فِي مَعْرفَته، إِنْ كَانَ لَا يتَصَوَّر مَعْرفَته؟ فَأَقُول: قد عرفت أَن للمعرفة سبيلين: أَحدهمَا السَّبِيل الْحَقِيقِيّ، وَذَلِكَ مسدود إِلَّا فِي حق الله تَعَالَى، فَلَا يَهْتَز أحد من الْخلق لنيله وإدراكه إِلَّا ردته سبحات الْجلَال إِلَى الْحيرَة، وَلَا يشرئب أحد لملاحظته إِلَّا غضت الدهشة طرفه.

وَأما السَّبِيل الثَّانِي، وَهُوَ معرفَة الصِّفَات والأسماء، فَذَلِك مَفْتُوح لِلْخلقِ، وَفِيه تَتَفَاوَت مَرَاتِبهمْ، فَلَيْسَ من يعلم أَنه عز وَجل عَالم قَادر على الْجُمْلَة كمن شَاهد عجائب آيَاته فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَخلْق الْأَرْوَاح والأجساد، واطلع على بَدَائِع المملكة وغرائب الصَّنْعَةِ، مُمْعِناً فِي التَّفْصِيل، ومستقصياً دقائق الْحِكْمَةِ، ومستوفياً لطائف التَّدْبِير، ومتصفاً بِجَمِيعِ الصِّفَات الملكية المقرِّبة من الله عز وَجل، نائلاً لتِلْك الصِّفَات نيل اتصاف بهَا، بل بَينهمَا من البَون الْعَظِيم مَا لَا يكَاد يُحْصى، وَفِي تفاصيل ذَلِك ومقاديره يتَفَاوَت الْأَنْبِيَاء والأولياء.

وَلنْ يصل إِلَى فهمك هَذَا إِلَّا بمثال، {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ} [سُورَة النَّحْل/ الْآيَة: 60]، وَلَكِنَّك تعلم أَن الْعَالم التقي الْكَامِل، مثلاً مثل الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ، يَعْرِفُهُ بَوَّابُ دَارِهِ، ويعرفه الْمُزَنِيُّ رَحمَه الله تِلْمِيذُه، فالبواب يعرفهُ أَنه عَالِمٌ بِالشَّرْعِ ومصنِّفٌ فِيهِ ومرشدٌ خلقَ الله عز

صفحة 56

وَجل إِلَيْهِ على الْجُمْلَة، والمُزَنِيُّ يعرفهُ لَا كمعرفة البواب، بل معرفَة مُحِيطَة بتفاصيل صِفَاته ومعلوماته، بل الْعَالم الَّذِي يحسن عَشرَة أَنْوَاع من الْعُلُوم لَا يعرفهُ بِالْحَقِيقَةِ تِلْمِيذُه الَّذِي لم يحصِّل إِلَّا نوعاً وَاحِداً، فضلاً عَنْ خادمه الَّذِي لم يحصِّل شَيْئاً من علومه، بل الَّذِي حَصَّلَ علماً وَاحِدًا فَإِنَّمَا عرف على التَّحْقِيق عُشْرَهُ، إِن ساواه فِي ذَلِك الْعلم حَتَّى لم يقصّر عَنهُ، فَإِن قصّر عَنهُ فَلَيْسَ يعرف بِالْحَقِيقَةِ مَا قصر عَنهُ إِلَّا بِالِاسْمِ وإيهام الْجُمْلَةِ، وَهُوَ أَنه يعرف أَنه يعلم شَيْئاً سوى مَا علمه، فَكَذَلِك فَافْهَم تفَاوت الْخلق فِي معرفَة الله تَعَالَى بِقدر مَا انْكَشَفَ لَهُم من مَعْلُومَات الله عز وَجل وعجائب مقدوراته وبدائع آيَاته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْملك والملكوت، تزداد معرفتهم بِاللَّه عز وَجل، وتقرب معرفتهم من معرفَة الْحَقِيقَة من معرفَة الله تَعَالَى.

فَإِن قلت: فَإِذا لم يعرفوا حَقِيقَة الذَّات واستحال مَعْرفَتهَا، فَهَل عرفُوا الْأَسْمَاء وَالصِّفَات معرفَة تَامَّة حَقِيقِيَّة؟ قُلْنَا: هَيْهَات! ذَلِكَ أَيْضاً لَا يعرفهُ بالكمال والحقيقة إِلَّا الله عز وَجل، لأَنا إِذا علمنَا أَنَّ ذاتاً عَالِمَةً، فقد علمنَا شَيْئاً مُبْهماً لَا نَدْرِي حَقِيقَته، لَكِن نَدْرِي أَن لَهُ صفة الْعلم، فَإِن كَانَت صفة الْعلم مَعْلُومَة لنا حَقِيقَة، كَانَ علمنَا بِأَنَّهُ عَالم علماً تَاماً بِحَقِيقَة هَذِه الصّفة، وَإِلَّا فَلَا، وَلَا يعرف أحد حَقِيقَة علم الله عز وَجل إِلَّا من لَهُ مثل علمه، وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا لَهُ، فَلَا يعرفهُ أحد سواهُ، وَإِنَّمَا يعرفهُ غَيره بالتشبيه بِعلم نَفسه، كَمَا أوردنا من مِثَال التَّشْبِيه بالسكر، وَعلم الله عز وَجل لَا يشبه علم الْخلق الْبَتَّةَ، فَلَا يكون معرفَة الْخلق بِهِ معرفَة تَامَّة حَقِيقِيَّة، بل إيهامية تشبيهية.

وَلَا تتعجبن من هَذَا، فَإِنِّيْ أَقُول: لَا يعرف السَّاحر إِلَّا السَّاحر نَفسه أَو سَاحر مثله أَو فَوْقه، فَأَما من لَا يعرف السحر وَحَقِيقَته وماهيته، لَا يعرف من السَّاحر إِلَّا اسْمه، وَيعرف أَن لَهُ علماً وخاصيةً، لَا يدْرِي مَا ذَلِك الْعلم، إِذْ لَا يدْرِي معلومه وَلَا يدْرِي مَا تِلْكَ الخاصية، نعم، يدْرِي أَن تِلْكَ الخاصية وَإِن

صفحة 57

كَانَت مُبْهمَة فَهِيَ من جنس الْعُلُوم، وثمرتها تَغْيِير الْقُلُوب وتبديل أَوْصَاف الْأَعْيَان والتفريق بَين الْأزْوَاج، وَهَذَا بمعزل عَن معرفَة حَقِيقَة السحر، وَمن لم يعرف حَقِيقَة السحر لَا يعرف حَقِيقَة السَّاحر، لِأَن السَّاحر من لَهُ خاصية السحر، وَحَاصِل اسْم السَّاحر أَنه اسْم مُشْتَقّ من تِلْكَ الصّفة، إِن كَانَت مَجْهُولَة فَهُوَ مَجْهُول، وَإِن كَانَت مَعْلُومَة فَهُوَ مَعْلُوم، والمعلوم من السحر لغير السَّاحر وصف عَام بعيد عَن الْمَاهِيّة، وَهُوَ أَنه من جنس الْعُلُوم، فَإِن اسْم الْعلم ينْطَلق عَلَيْهِ.

فَكَذَلِك الْحَاصِل عندنَا من قدرَة الله عز وَجل، أَنه وصفٌ ثَمَرَتُهُ وأثرُه وجودُ الْأَشْيَاء، وينطلق عَلَيْهِ اسْم الْقُدْرَة لِأَنَّهُ يُنَاسب قدرتنا مُنَاسبَة لَذَّة الوقاع لَذَّة السكر، وَهَذَا كُله بمعزل عَن حَقِيقَة تِلْكَ الْقُدْرَة، نعم، كلما ازْدَادَ العَبْد إحاطة بتفاصيل المقدورات وعجائب الصنع فِي ملكوت السَّمَوَات كَانَ حَظه من معرفَة صفة الْقُدْرَة أوفر، لِأَن الثَّمَرَة تدل على المثمر، كَمَا أَنه كلما ازْدَادَ التلميذ إحاطة بتفاصيل عُلُوم الْأُسْتَاذ وتصانيفه كَانَت مَعْرفَته لَهُ أكمل، واستعظامه لَهُ أتم.

فَإلَى هَذَا يرجع تفَاوت معرفَة العارفين، ويتطرق إِلَيْهِ تفَاوت لَا يتناهى، لِأَن مَا لَا يقدر الْآدَمِيّ على مَعْرفَته من مَعْلُومَات الله تَعَالَى لَا نِهَايَة لَهُ، وَمَا يقدر عَلَيْهِ أَيْضاً لَا نِهَايَة لَهُ، وَإِن كَانَ مَا يدْخل مِنْهُ فِي الْوُجُود متناهياً، وَلَكِنَّ مَقْدُور الْآدَمِيّ من الْعُلُوم لَا نِهَايَة لَهُ، نعم، الْخَارِج إِلَى الْوُجُود متفاوت فِي الْكَثْرَة والقلة، وَبِه يظهرالتفاوت، وَهُوَ كالتفاوت بَين النَّاس فِي الْقُدْرَة الْحَاصِلَة لَهُم بالغنى بِالْمَالِ، فَمن وَاحِد يملك الدانق وَالدِّرْهَمَ، وَمن آخر يملك آلافاً، فَكَذَلِك الْعُلُوم، بل التَّفَاوُت فِي الْعُلُوم أعظم، لِأَن المعلومات لَا نِهَايَة لَهَا، وأعيان الْأَمْوَال أجسام، والأجسام متناهية لَا يتَصَوَّر أَن تَنْتفِي النِّهَايَة عَنْهَا.

فَإِذاً، قد عرفت كَيفَ يتَفَاوَت الْخلق فِي بحار معرفَة الله عز وَجل، وَأَنَّ

صفحة 58

ذَلِك لَا نِهَايَة لَهُ، وَعرفت أَن من قَالَ: لَا يعرف الله غير الله، فقد صدق، وَأَن من قَالَ: لَا أعرف إِلَّا الله، فقد صدق أَيْضاً، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا الله عز وَجل وأفعاله، فَإِذا نظر إِلَى أَفعاله من حَيْثُ هِيَ أَفعاله، وَكَانَ مَقْصُور النّظر عَلَيْهِ، وَلم يره من حَيْثُ هُوَ سَمَاء وَأَرْض وَشَجر، بل من حَيْثُ أَنه صنعه، فَلم يُجَاوز مَعْرفَته حَضْرَة الربوبية، فيمكنه أَن يَقُول: مَا أعرف إِلَّا الله وَمَا أرى إِلَّا الله عز وَجل.

وَلَو تصور شخص لَا يرى إِلَّا الشَّمْس ونورها الْمُنْتَشِر فِي الْآفَاقِ، يَصح مِنْهُ أَن يَقُول: مَا أرى إِلَّا الشَّمْسَ، فَإِن النُّور الفايض مِنْهَا هُوَ من جُمْلَتهَا لَيْسَ خَارِجاً مِنْهَا، وكل مَا فِي الْوُجُود نور من أنوار الْقُدْرَة الأزلية وَأثر من آثارها. وكما أَن الشَّمْس ينبوع النُّور الفايض على كل مستنير، فَكَذَلِك الْمَعْنى الَّذِي قصرت الْعبارَة عَنهُ، فَعُبِّرَ عَنهُ بِالْقُدْرَةِ الأزلية للضَّرُورَة، وَهُوَ ينبوع الْوُجُود الفايض على كل مَوْجُود، فَلَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا الله عز وَجل، فَيجوز أَن يَقُول الْعَارِف: لَا أعرف إِلَّا الله.

وَمن الْعَجَائِب أَن يَقُول: لَا أعرف إِلَّا الله، وَيكون صَادِقاً، وَيَقُول: لَا يعرف الله إِلَّا الله عز وَجل، وَيكون أَيْضاً صَادِقاً، وَلَكِن ذَلِك بِوَجْهٍ، وَهَذَا بِوَجْهٍ. وَلَو كذبت المتناقضات إِذا اخْتلفت وُجُوه الاعتبارات، لَمَا صدق قَوْله تَعَالَى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ} [سُورَة الْأَنْفَال/ الْآيَة: 17]، وَلكنه صَادِق لِأَن للرمي اعتبارين: هُوَ مَنْسُوب إِلَى العَبْد بِأَحَدِهِمَا، ومنسوب إِلَى الرب تَعَالَى بِالثَّانِي، فَلَا تنَاقض فِيْهِ.

ولنقبض هَاهُنَا عنان الْبَيَان، فقد خضنا لجة بَحر لَا سَاحل لَهُ، وأمثال هَذِه الْأَسْرَار لَا يَنْبَغِي أَن تبتذل بإيداع الْكتب، وَإِذ جَاءَ هَذَا عرضاً غير مَقْصُود، فلنكفَّ عَنهُ ولنرجع إِلَى شرح مَعَاني أَسمَاء الله الْحسنى على التَّفْصِيل.

  1. [1] جزء من حديث رواه مسلم في صحيحه، الحديث رقم 486: والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها: 1/ 127 و3/ 42.
 
Top