تعريف أصول الفقه

صفحة 16

تعريف أصول الفقه

قبل الخوض في مباحث أصول الفقه يجب علينا أن نتصور هذا العلم، وهذا يكون بالتعريف السليم الذي يؤدي إلى التصور الصحيح.

وكلمة أصول الفقه لها معنيان: معنى في اللغة، ومعنى في الاصطلاح.

1- أصول الفقه لغة:

قبل أن تكون كلمة (أصول الفقه) عَلَماً على الفن المخصوص، كانت مركباً إضافياً من كلمتين (أصول) و(فقه).

فالأصل لغة: ما ينبني عليه غيره، والفرع: ما ينبني على غيره.

واصطلاحاً: له معان متعددة منها:

1- الدليل: كقولهم: الأصل في هذه المسألة كذا، أي دليلها.

صفحة 17

2- القاعدة المستمرة: كقولهم: الأصل في المَيْتة التحريم، أي القاعدة المستمرة فيها هي تحريم أكلها، وكقولهم: أكل الميتة وإباحتها للمضطر على خلاف الأصل، أي: على خلاف القاعدة.

والفقه لغة: الفهم، ومنه قوله تعالى: (قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول).

واصطلاحاً: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد.

وذلك كالعلم بأن النية في الوضوء واجبة، وأن الوتر مندوب، وأن تبييت النية من الليل شرط في صوم رمضان، وأن الزكاة واجبة في مال الصبي، وغيرُ واجبة في الحلي المباح، وأن القتل بمثقل يوجب القصاص.

وغير ذلك من المسائل الاجتهادية التي وقع فيها الخلاف بين العلماء، بخلاف المسائل القطعية التي لا مجال فيها للاجتهاد، بأن كانت معلومة من الدين بالضرورة، وذلك كالعلم بأن الصلوات الخمسة واجبة، وأن صيام رمضان واجب، وأن الزنا حرام، وأن الربا حرام، وما شابه هذا من

صفحة 18

الأمور القطعية الكثيرة، فمعرفة هذه المسائل لا تُسمَّى فقهاً على هذا التعريف.

فالمعرفة هنا: بمعنى الظن، لأنها خاصة بالمسائل الاجتهادية، وهي مظنونة.

وهذا تعريف إمام الحرمين، وهناك تعريفات أخرى كثيرة للفقه.

وأما موضوع علم الفقه: فهو فعل المكلف من حيث الحل والحرمة، أي من حيث عروض الأحكام الشرعية له.

وأما استمداده: فمن الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وغير ذلك من الأدلة الشرعية.

وفائدته: امتثال أوامر الشرع، واجتناب نواهيه، المحصلان للفوائد الدنيوية والأخروية.

2- أصول الفقه اصطلاحاً:

وأما تعريف أصول الفقه اصطلاحاً بعد أن صار لقباً وعلَمَاً على الفن المخصوص، فقد عُرِّف بتعاريف كثيرة من أشملها أنه:

صفحة 19

معرفة دلائل الفقه إجمالاً، وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد.

وذلك كمعرفة أن مطلق الأمر للوجوب، ومطلق النهي للتحريم، وأن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وأفعاله، والإجماع، والقياس، وغير ذلك من الأدلة الإجمالية حجة شرعية.

فالمعتبر في حق الأصولي معرفة الدلائل من حيث الإجمال، وهذا قيد يخرج معرفتها من حيث التفصيل، فإنه من عمل الفقيه.

وذلك كالعلم بأن الصلاة في قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) واجبة، وأن الزنا في قوله تعالى: (ولا تقربوا الزنى) حرام، وأن الربا في قوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) حرام.

صفحة 20

والفرق بين الدليل الإجمالي والدليل التفصيلي: أن الدليل الإجمالي لا يتعلق بجزئية معينة بخلاف الدليل التفصيلي.

فقوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) خاص بالصلاة، لا علاقة له بالزكاة، ولا بالحج.

وقوله تعالى: (وآتوا الزكاة) خاص بالزكاة، لا علاقة له بالصلاة، ولا بالحج.

ولذلك سمي دليلاً تفصيلياً، لأنه خاص بجزئية معينة، لا علاقة له بغيرها.

بخلاف قولنا: الأمر للوجوب، فإنه لا تعلق له بجزئية معينة، وإنما هو شامل لكل أمر.

فهو يشمل قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) و(وآتوا الزكاة) و(وجاهدوا في الله) و(اتقوا الله) وغير ذلك من الأوامر، فحيثما وجدنا صيغة الأمر في كلام الشارع، حملناها على الوجوب، حيث لا قرينة تصرفه عنه.

فالدليل الإجمالي لا علاقة له بالجزئيات، بخلاف الدليل التفصيلي فإنه يدل على جزئية معينة، ويتعلق بها، ولا يتعداها إلى جزئية أخرى.

صفحة 21

وأما كيفية الاستدلال بالدلائل الإجمالية: – وهي الفقرة الثانية في تعريف أصول الفقه – فالمراد بها: كيفية استنباط الأحكام الشرعية منها حال تعارضها.

وذلك كتعارض الخاص والعام، فإنه يقدم الخاص على العام، لأن دلالة الخاص قطعية، ودلالة العام ظنية.

وتعارض النص مع الظاهر، فإنه يقدم النص على الظاهر لنفس السبب.

وتعارض المتواتر مع الآحاد، فإنه يقدم المتواتر على الآحاد ولنفس السبب أيضاً، على ما سنعرفه في مباحث التعادل والترجيح.

وأما حال المستفيد: فالمراد به معرفة أحوال وصفات المجتهد الذي ينظر في الأدلة، ويرجِّح بعضها على بعضها الآخر.

ويدخل في هذا المبحث أيضاً أحوال المقلد استطراداً، لأن البحث عن حال المجتهد، يقتضي البحث عن حال المقلد.

صفحة 22

والخلاصة أن أصول الفقه يشتمل على ثلاثة أمور:

1- دلائل الفقه الإجمالية.

2- كيفية الاستفادة منها.

3- حال المستفيد وصفته.

وأما موضوع علم أصول الفقه:

فهو أدلته من حيث العوارض اللاحقة لها، من كونها عامة وخاصة، وأمراً ونهياً، وغير ذلك.

وأما غايته: فهي الوصول إلى الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية بواسطتها.

على معنى: أنه لا بد من معرفة أصول الفقه لنتمكن من استنباط الحكم الشرعي من الدليل التفصيلي، وذلك لأن الدليل التفصيلي وحده لا يفيد ذلك.

فإذا قرأنا قوله تعالى: (أقيموا الصلاة) عرفنا أنه أمر بإقامتها، ولكننا لا نعرف هل الأمر بها على سبيل الوجوب، أم الندب، أم التخيير، لأن الأمر يستعمل في كل هذه المعاني كما يستعمل في غيرها.

صفحة 23

لكننا إذا عرفنا في أصول الفقه أن مطلق الأمر للوجوب، وأنه لا يصرف عنه إلا بقرينة، عرفنا أن الصلاة واجبة في قوله تعالى: (أقيموا الصلاة) وذلك باستعمال القياس المنطقي.

فنقول : أقيموا – في قوله تعالى: (أقيموا الصلاة) – أمر وهذا هو الدليل التفصيلي.

والأمر للوجوب، وهذا هو الدليل الإجمالي. فتكون النتيجة: أن الصلاة واجبة.

وهكذا نقول في قوله تعالى: (لا تأكلوا الربا) لا تأكلوا نهي والنهي للتحريم، فأكل الربا حرام.

وبهذا يتبين لنا أنه لولا أصول الفقه، لما استطعنا استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.

وللجهل بهذا العلم زَلَّت أقدام كثير ممن تصدر للعلم والفتوى، دون معرفة به، فأحلَّ حرام الله، وحرَّم حلاله.

فلا العلم بالدليل الإجمالي وحده يفيد، ولا العلم بالدليل التفصيلي وحده يفيده.

صفحة 24

فلا بد من اجتماع الدليلين للوصول إلى الحكم الشرعي، حيث ينتظم منهما قياس اقتراني من الشكل الأول عند المناطقة، يكون الدليل التفصيلي فيه مقدمته صغرى، والدليل الإجمالي مقدمته كبرى، والنتيجة هي الحكم الشرعي.

تعريف أصول الفقه
 
Top