الحكم الشرعي

صفحة 32

الحكم الشرعي

عَرَّف ابن الحاجب الحكم الشرعي بأنه: خطاب الله، المتعلق بأفعال المكلفين، اقتضاءً، أو تخييراً، أو وضعاً.

والمراد بخطاب الله: كلامه النفسي الأزلي، الذي يدل عليه القرآن، والسنة، والإجماع، وغير ذلك من الأدلة.

وأما المكلف: فهو البالغ، العاقل، الذي بلغته الدعوة، وتأهل للخطاب.

وعلى هذا فلا يتعلق الخطاب بالصبي، ولا المجنون، ولا الساهي، ولا النائم.

والمراد بالاقتضاء: الطلب، وهو طلب الفعل وطلب الترك، وكل منهما ينقسم إلى جازم وغير جازم.

وأما التخيير: فهو التسوية بين جانبي الفعل والترك، وهي الإباحة.

وأما الوضع: فالمراد به ما وضعه الشارع من سبب، أو شرط، أو مانع، أو غير ذلك مما يأتي تفصيله.

صفحة 33

وبناءً على هذا فقد قسَّم الأصوليون الحكم الشرعي إلى قسمين:

أولهما: حكم شرعي تكليفي.

وثانيهما: حكم شرعي وضعي.

1- الحكم الشرعي التكليفي:

وهو خطاب الله المتعلق بطلب الفعل من المكلف، على جهة الاقتضاء، أو التخيير.

والاقتضاء يشمل الأحكام التكليفية الأربعة، وهي: الإيجاب، والندب، والكراهة، والتحريم.

وأما التخيير، فهو يشمل: الإباحة فقط.

الإيجاب: هو خطاب الله المتعلق بطلب الفعل من المكلف طلباً جازماً، لا يجوز تركه، كالأمر بالصلاة المفروضة، والحج الواجب.

والندب: هو خطاب الله المتعلق بطلب الفعل من المكلف طلباً غير جازم، بأن جوز تركه، كالأمر بغسل الجمعة.

صفحة 34

والكراهة: هي خطاب الله المتعلق بطلب ترك الفعل من المكلف طلباً غير جازم، بأن جوز فعله، كالشرب قائماً.

والتحريم: هو خطاب الله المتعلق بطلب ترك الفعل من المكلف طلباً جازماً بأن منع من فعله، كأكل الربا.

والإباحة: هي ما كان الخطاب فيها غير مقتضٍ شيئاً من الفعل والترك، بل خيّر المكلف بينهما، كأكل الفاكهة.

وهذا بالنسبة لخطاب الله.

وأما ما يتعلق به الخطاب، وهو فعل العبد، فيوصف بأنه: واجب، أو مندوب، أو مكروه، أو حرام، أو مباح.

فالواجب: هو ما يُثاب فاعله، ويُعاقب تاركه عمداً، كصلاة الظهر.

والمندوب: هو ما يُثاب فاعله، ولا يُعاقب تاركه عمداً، كالتسمية قبل الوضوء والطعام.

والمكروه: هو ما يُثاب تاركه، ولا يُعاقب فاعله عمداً، كالتنفس في الإناء.

والحرام: هو ما يُثاب تاركه، ويُعاقب فاعله عمداً، كالتعامل بالربا.

والمباح: هو ما لا ثواب ولا عقاب لا في فعله ولا في

صفحة 35

تركه، فيستوي فيه جانبا الفعل والترك، كالطعام والشراب.

هذا وللحنفية تقسيمات أخرى حيث فرقوا بين الفرض والواجب، وبين المكروه تحريماً والحرام.[1]

2- الحكم الشرعي الوضعي:

وأما الحكم الشرعي الوضعي، فهو خطاب الله المتعلق بجهل الشيء سبباً، أو شرطاً، أو مانعاً، أو صحيحاً، أو فاسداً.

فالسبب: هو ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم.

كالإسكار يلزم من وجوده وجود التحريم، ومن عدمه عدمه.

والشرط: هو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم.

كالوضوء فإنه يلزم من عدمه عدم صحة الصلاة، ولا يلزم من وجوده لا وجودها ولا عدمها.

صفحة 36

والمانع: هو ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم.

وذلك كالحيض فإنه يلزم من وجوده امتناع الصلاة وعدم صحتها، ولا يلزم من عدمه، لا وجودها، ولا عدمها.

والصحيح: ما يتعلق به النفوذ، ويُعْتَدُّ به، عادة كان أو معاملة، كالصلاة المستوفية لشروطها وأركانها، والبيع الذي استوفى شروطه وأركانه.

والباطل: ما لا يتعلق به النفوذ، ولا يعتد به، عبادة كان أو معاملة، كالصلاة التي لم تستوف شروطها، أو أركانها، فإنها لا يعتد بها، والعقد الذي لم يستوف شروطه أو أركانه، فإنه لا ينفذ ولا يعتد به، فالعقد يتصف بالنفوذ والاعتداد، والعبادة توصف بالاعتداد فقط اصطلاحاً.

الفرق بين الحكم الشرعي التكليفي والوضعي:

والفرق بين الحكم الشرعي التكليفي والوضعي، أن الحكم الشرعي التكليفي يتعلق بفعل المكلف مباشرة، فإن لم يكن مكلفاً، فلا يتعلق الحكم به.

وأما الحكم الشرعي الوضعي، فهو علامة على الأحكام

صفحة 37

التكليفية المتعلقة بفعل المكلف، وذلك كجعل غروب الشمس علامة وسبباً لوجوب صلاة المغرب على المكلف، فوجوب المغرب بالغروب حكم شرعي، وغروب الشمس علامة عليه.

فهو لم يتعلق بفعل المكلف مباشرة، وإنما تعلق بجعل الشيء سبباً، أو شرطاً لفعله.

وبما أنه لا يتعلق بفعل المكلف، وإنما بجعل الشيء سبباً، أو شرطاً، أو مانعاً… فإنه قد يتعدى أثره إلى غير المكلف.

فالله تعالى جعل الإتلاف سبباً للضمان، يلزم من وجود الإتلاف وجود الضمان، بغض النظر عن التكليف وعدمه.

وبناءً على ذلك إذا أتلف المكلف شيئاً لغيره، وجب ضمانه، وكذلك إذا أتلف الصغير شيئاً لغيره، فإنه يجب ضمانه، لأن الله جعل الإتلاف سبباً للضمان، ووجود السبب يستلزم وجود المسبب، بغض النظر عن التكليف وعدمه، فإن كان للصغير مال ضمنه فيه، بالحكم الشرعي الوضعي على ما قدمناه.

صفحة 38

هذا وللحكم الشرعي تقسيمات أخرى تذكر في الكتب الموسعة.

فهو ينقسم من حيث الزمن المضروب للعبادة إلى: مُضَيَّق كالصيام، ومُوَسَّع كالحج والصلوات الخمس.

ومن حيث أداؤه في الزمن أو بعده إلى: أداء، وقضاء.

ومن حيث تعلقه بكل فرد، أو بعض المكلفين لا على التعيين، إلى: فرض عين كالصلاة، وكفاية كتغسيل الميت والصلاة عليه.

  1. [1] انظر كتابنا الوجيز ص46.
الحكم الشرعي
 
Top