الباب السادس في الأدلة المختلف فيها

صفحة 119

الباب السادس في الأدلة المختلف فيها

ما سبق ذكره في الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، إنما هو في الأدلة المتفق عليها بين العلماء، لا خلاف لأحد منهم فيها.

وهناك أدلة أخرى كثيرة، مختلف فيها، كالاستحسان، والاستصحاب، وقول الصحابي، والأصل في الأشياء، والأخذ بأقل ما قيل، وسد الذرائع، والاستقراء، والمصالح المرسلة، وغيرها من الأدلة.

وسنتكلم على بعضها بما يتناسب مع منهجنا في الاختصار.

صفحة 120

1- الاستصحاب:

وهو عبارة عن ثبوت حكم لأمر في الزمان الثاني بناءً على ثبوته في الزمان الأول.

ومعناه أنا إذا عرفنا حكماً من الأحكام قد ثبت لشيء في الزمن الماضي، ولم يظهر لنا ما يدل على عدمه، حكمنا الآن في الزمن الثاني، بأنه ما زال باقياً على ما كان عليه، حتى يقوم الدليل على عدمه أو تغيره.

وذلك كما لو ملك إنسان بيتاً بالشراء منذ سنين، فإنا نحكم له اليوم بملك البيت، بناءً على ثبوت هذا الحكم سابقاً، ولا ينتفي عنه الملك، إلا إذا قام دليل على أنه قد انتفى عنه ببيعه لغيره.

ومنه: ما يطرأ من شك بعد يقين.

وذلك كما لو توضأ إنسان في الصباح، ثم شك وقت الظهر هل أحدث أو لا؟

فإننا نحكم له بالوضوء الآن بناءً على يقين بثبوته في الزمان الأول، والشك الحادث لا يؤثر في هذا اليقين.

وهو المعبر عنه عندهم: باستصحاب الأصل، وطرح الشك، وبقاء ما كان على ما كان عليه.

صفحة 121

والاستصحاب حجة ودليل عند جماهير علماء الأصول، وهو أنواع متعددة منها ما ذكرناه.

وأما استصحاب الأصل عند عدم الدليل الشرعي فهو حجة عند الجميع.

وذلك كما لو بحث المجتهد على دليل لوجوب صيام رجب، فلم يجده، فيقول: لا يجب صيام رجب باستصحاب الحال، وهو العدم الأصلي.

2- قول الصحابي:

إذا قال الواحد من الصحابة قولاً، أو أفتى بفتوى، فإما أن يكون لقوله هذا مجال في الاجتهاد، أو لا يكون.

فإن لم يكن له مجال في الاجتهاد فإنه يكون حجة على غيره، لأنا نعلم أنه لم يقله إلا عن توقف.

قال الشافعي: “روي عن علي أنه صلى في ليلة ست ركعات، في كل ركعة ست سجدات، وقال: لو ثبت ذلك عن علي لقلت به، فإنه لا مجال فيه للقياس، فالظاهر أنه فعله توقيفاً”.

وأما إذا كان قوله فيما فيه مجال للاجتهاد، فقد اتفق

صفحة 122

العلماء على أن قوله هذا ليس حجة على غيره من الصحابة المجتهدين، لإجماع الصحابة على مخالفة بعضهم بعضاً.

وأما بالنسبة لغير الصحابة فقد اختلف فيه.

والصحيح الذي عليه الشافعي وأصحابه وجمهور الأصوليين، أنه ليس بحجة على غيره من المجتهدين.

ومن عبارات الشافعي المشهورة في هذا قوله: هم رجال ونحن رجال، كيف آخذ بقول مَن لو حاججته لحججته؟

وقد استعمل كثير ممن لا علم عنده هذه الكلمة في غير موضعها هدانا الله جميعاً لمعرفة أقدارنا.

3- الأصل في الأشياء:

اختلف العلماء في الأصل في الأشياء بعد ورود الشرع.

فمنهم من قال: الأصل في الأشياء الحظر والتحريم، إلا ما أباحته الشريعة.

فإن لم يوجد في الشرع ما يدل على الإباحة، فإنه يتمسك بالأصل، وهو الحظر، ويكون حراماً.

ومنهم من قال: الأصل في الأشياء الإباحة، ولا يُصار إلى المنع والتحريم إلا بدليل من الشرع.

صفحة 123

والصحيح الذي عليه جماهير أهل العلم: أن الأصل في المنافع الإباحة، والمضار التحريم.

والمراد بالمنافع: الأشياء النافعة للإنسان.

والمراد بالمضار: الأشياء التي تضر بالإنسان.

قال تعالى: {خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} والله لا يمتن على عباده إلا بما فيه منفعته لهم.

وقال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ}.

وقال تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}.

وقال صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار).

وهذا صريح في نفي ما فيه ضرر مطلقاً والله أعلم.

الباب السادس في الأدلة المختلف فيها
 
Top