الباب الرابع في الإجماع

صفحة 104

الباب الرابع في الإجماع

الإجماع لغة: هو العزم، قال تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} أي اعزموا عليه، ويأتي بمعنى الاتفاق، يُقال: أجمع القوم على كذا، أي اتفقوا.

واصطلاحاً: اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي في عصرٍ غير عصره.

شروط الإجماع:

ومن خلال التعريف السابق يمكن أن نعرف شروط الإجماع، وهي:

1- أن يكون المجمعون من المجتهدين، فلا عبرة بوفاق غيرهم ولا خلافه.

2- أن يكونوا من المسلمين، فلا عبرة بوفاق غيرهم

صفحة 105

ولا خلافه، لأن الشرع ورد بعصمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تجتمع أمتي على ضلالة).

3- أن يكون الحكم شرعياً، لأن الحادثة التي تكون محل نظر الفقهاء هي الحادثة الشرعية، فإن كانت غير شرعية، بأن كانت لغوية، فإنه ينظر بها علماء اللغة، أو طبية فإنما ينظر بها الأطباء.

4- لا بد أن يقع الإجماع في عصر غير عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، لاستحالة انعقاد الإجماع في عصره، وذلك لأنه لا بد أن يكون مع المجتهدين، فإن وافقهم فالقول قوله، ولا عبرة بوفاقهم، وإن خالفهم، فالقول قوله، ولا عبرة بخلافهم.

5- لا بد من اتفاق جميع المجتهدين، فلو خالف واحد منهم لم ينعقد الإجماع، وهذا يؤخذ من الألف واللام التي تفيد الاستغراق في قولنا (المجتهدين).

صفحة 106

6- انقراض العصر: وهذا الشرط مختلف فيه، والجمهور الأعظم من الأصوليين على عدم اشتراطه.

ونعني به: أنه هل يُشترط أن يموت جميع المجتهدين حتى يصير الإجماع حجة، لاحتمال أن يرجع أحدهم عما أجمعوا عليه؟

قال الأصوليون: لا يُشترط هذا، لأنه لم ينقل عن أحد من السلف اشتراطه، بل احتج بعضهم على بعض بالإجماع في حياة المجمعين.

وأما احتمال رجوع بعضهم عن موافقته السابقة لهم، فإنه ممنوع، وذلك أن الإجماع إذا انعقد صار حجة ملزمة للجميع، ولا يجوز لأحدهم أن يرجع عن وفاقه.

ولكن إن قلنا: بأن انقراض العصر حجة – وهو قول ضعيف لما قدمناه – فإنه يُعتبر في انعقاد الإجماع مَن ولد في حياتهم، وتفقه وصار من أهل الاجتهاد.

وكذلك يجوز لهم على هذا القول أن يرجعوا عن ذلك الحكم الذي أجمعوا عليه.

والمعتمد أنه لا يُشترط انقراض العصر، وإن الإجماع إذا انعقد لزم الجميع العمل به، ومن ولد في حياتهم، بعد إجماعهم، لزمه العمل به، ولم تجز له مخالفته، لكن يشاركهم في الإجماعات القادمة.

صفحة 107

حجية الإجماع:

يعتبر الإجماع من أقوى وأهم الحجج الشرعية، لأنه معصوم عن الخطأ، وهو الذي وقف في وجه المحرفين والمبطلين الذين حاولوا تأويل النصوص والخروج بها عن ظاهرها.

ولولا الإجماع لقام كثير ممن ذكرنا من أصحاب الأهواء بتأويل النصوص وحملها على جهلهم وشهواتهم وأهوائهم.

ولذلك وجدنا أصحاب الأهواء يحملون على الإجماع حملة عشواء من أجل تحطيم هذا الحصن الحصين، والسور المنيع للإسلام، ليصلوا إلى مآربهم.

ولقد صرح أحدهم – ولو أردت أن أسميه لسميتُ مشهوراً – في بعض كتبه بأنه يريد تحطيم الإجماع من أجل الوصول إلى غاياته ومآربه، فقال بعد أن شكك في وقوع الإجماع: فإذا ثبت لنا بطلان الإجماع هان علينا تأويل نزول عيسى بن مريم آخر الزمان ببدو الخير والصلاح… ثم ذكر بقية ما يريد تأويله من نصوص القرآن والسنة.

إذن فالذي يحول بينه وبين ما يريد هو هذا الجدار المتين والحصن المنيع، وهو الإجماع.

بل بلغت السفاهة ببعضهم إلى أن قال: إن الإجماع

صفحة 108

بدعة!! كبرت كلمة خرجت من فمه، فما قال إلا بهتاناً وزوراً.

وقد قال مثل هذا قديماً النَّظَّام، صاحب كتاب “نصر التثليث على التوحيد” كما قاله ابن السبكي.

وأياً كان هذا القائل المشكك، فما مثله ومثل الإجماع في الإسلام، إلا كما قال الشاعر:

لا يضر البحرَ أمسى زاخراً … أن رمى فيه غلام بحجر

وقد احتجت الأمة الإسلامية بالإجماع من مفتتح أمرها في سقيفة بني ساعدة إلى يومنا هذا، وإلى يوم القيامة إن شاء الله، ولولا أن الدليل عليه قطعي، لَما ألزم بعضهم بعضاً به، ولما احتج به بعضهم على بعض.

قال الله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}.

وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تجتمع أمتي على ضلالة).

صفحة 109

أنواع الإجماع:

للإجماع ثلاثة أنواع هي:

1- الإجماع القولي:

كأن يقول جميع المجتهدين قولاً واحداً في المسألة.

2- الإجماع الفعلي:

وذلك بأن يتفق جميع المجتهدين على عمل ما، فإنا نفهم من عملهم أنه جائز بإجماعهم عليه.

3- الإجماع السكوتي:

وذلك بأن يقول بعضهم قولاً، أو يفعل فعلاً، وينتشر هذا القول أو الفعل بين جميع المجتهدين، ولا ينكر أحد منهم قوله هذا بل يسكتون جميعاً عليه، مع عدم خوفهم، ومرور الزمان الذي يمكنهم فيه من النظر فيما قيل أو فعل.

فسكوتهم هذا يعتبر إجماعاً سكوتياً بالشروط التي ذكرناها.

صفحة 110

ومن أعظم أمثلة الإجماع، إجماع المسلمين على كر العصور ومر الدهور على أن صلاة التراويح عشرون ركعة، والإجماع على هذا إجماع قولي، وفعلي، وسكوتي.

وأما قول الواحد من الصحابة، فليس بحجة على غيره على ما سنذكره في الأدلة المختلف فيها.

الباب الرابع في الإجماع
 
Top