الباب الأول في المباحث المتعلقة بالألفاظ

صفحة 40

الباب الأول في المباحث المتعلقة بالألفاظ

ويشتمل هذا الباب، على عدد من الفصول هي:

1- الحقيقة والمجاز.

2- المنطوق والمفهوم.

3- الأوامر والنواهي.

4- العموم والخصوص.

5- المطلق والمقيد.

6- المجمل والمبين.

7- الظاهر والمؤول.

8- الناسخ والمنسوخ.

وهذه المباحث كما تتعلق بالقرآن الكريم، تتعلق بالسنة أيضاً، وبكل ما هو قائم على اللغة.

صفحة 41

الفصل الأول في الحقيقة والمجاز

ينقسم الكلام العربي من حيثيات كثيرة إلى أقسام كثيرة، يعرفها المرء بدراسة كتب اللغة وعلومها.

ومن أهم هذه الأقسام الحقيقة والمجاز.

فالحقيقة: هي استعمال اللفظ فيما وُضِعَ له.

والمجاز: هو استعمال اللفظ في غير ما وُضِعَ له.

ومثال ذلك: أن العرب وضعوا كلمة (الأسد) للحيوان المفترس المعروف.

فإذا استعملنا هذه اللفظة فيه، فقلنا حينما نرى هذا الحيوان المفترس: هذا أسد، فهذا استعمال حقيقي لكلمة الأسد، لأنها استعملت فيما وضعت له.

وأما إذا استعملنا هذه اللفظة في غير ما وضعت له، وهو

صفحة 42

الحيوان المفترس، بأن رأينا رجلاً شجاعاً، فقلنا: هذا أسد، فهذا استعمال مجازي، لأننا استعملنا الكلمة في غير ما وضعت له.

أقسام الحقيقة:

وتنقسم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام، لغوية، وعرفية، وشرعية.

1- الحقيقة اللغوية: وهي المستفادة من وضع اللغة، كالأسد الموضوع للحيوان المفترس.

والدابة، الموضوع لكل ما يدب على الأرض من إنسان، وطير، وزاحفة، والحيوانات التي تمشي على أربع.

ومنه قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ ۖ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ}.

2- الحقيقة العرفية: وهي المستفادة من العرف، كتخصيص كلمة الدابة بذوات الأربع، من حصان، وحمار، وغير ذلك، دون غيرها، مما ذكرناه فيها في الحقيقة اللغوية.

صفحة 43

3- الحقيقة الشرعية: وهي المستفادة من الشرع، ككلمة الصلاة، فإنها موضوعة في اللغة لكل دعاء، إلا أن الشرع خصها بالعبادة المعروفة، المفتتحة بالتكبير، المختتمة بالتسليم، وكالصيام، الموضوع في اللغة لكل إمساك، وخصه الشرع بالعبادة المعروفة المفروضة في رمضان.

أقسام المجاز:

ينقسم المجاز إلى مجاز مرسل، ومجاز عقلي.

فالمجاز المرسل: هو كلمة استعملت في غير معناها الأصلي، لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي، كقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا}.

فالرزق لا ينزل من السماء، ولكن ينزل المطر الذي ينشأ عنه الرزق، فالمطر سبب، والرزق مسبب، فالرزق كلمة استعملت في غير معناها الأصلي، والعلاقة هي المسببية.

والعلاقات كثيرة مكانها كتب البلاغة.

صفحة 44

وأما المجاز العقلي: فهو إسناد الفعل، أو ما في معناه، إلى غير من هو له، لعلاقة، مع قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي، وذلك كقولنا: بنى الأمير السد.

فقد أسندنا بناء السد إلى الأمير، والذي بناه عمال الأمير، إلا أن الأمير هو السبب، والقرينة استحالة صدور البناء للسد عن الأمير.

فالمجاز المرسل تجوز في الكلمة، والمجاز العقلي تجوز في الإسناد.

وجعل إمام الحرمين وغيره من المجاز المجاز بالزيادة، أو النقصان.

فمثال الزيادة قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فالكاف زائدة، وإلا فهي بمعنى مثل، فيكون له تعالى مثيل، وهو محال، والقصد بهذا الكلام نفي المثلية عن الله تعالى.

ومثال النقصان قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} أي اسأل أهل القرية.

وربما سمَّى غيرُ إمام الحرمين هذين القسمين بأسماء أخرى.

صفحة 45

الفصل الثاني في المنطوق والمفهوم

ينقسم الكلام من حيث دلالة اللفظ على المعنى بوضعه اللغوي، أو بواسطة العقل إلى منطوق ومفهوم.

فالمنطوق: هو ما دل عليه اللفظ المنطوق به بوضعه اللغوي.

وذلك كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا بلغ الماء قُلَّتَيْنِ لم يَحملِ الخبث) فهذا اللفظ دل على أن الماء إذا بلغ القلتين لا يتنجس، إلا أنه لم يتعرض للماء إذا كان أقل من قلتين، أو كان أكثر منهما، فما تدل عليه الألفاظ بوضعها اللغوي، يسمى دلالة المنطوق.

صفحة 46

والمفهوم: هو ما دل عليه اللفظ لا بوضعه اللغوي، وإنما بواسطة العقل.

وذلك كحكم الماء إذا كان أقل من قلتين أو أكثر منهما، فإن النص السابق لم يدل عليهما بوضعه اللغوي.

ولكننا عرفنا بواسطة العقل أنه إذا كان الماء لا يحمل الخبث إذا بلغ قلتين لكثرته، فأنْ لا يحمله إذا كان أكثر من قلتين من باب أولى.

فهذا الحكم لم يدل عليه الكلام بمنطوقه، وإنما بالمعنى المفهوم منه بواسطة العقل.

وعرفنا بواسطة العقل أن الماء إذا كان أقل من قلتين فإنه يتنجس بملاقاته للنجاسة، وهذا أيضاً لم يدل عليه الكلام بمنطوقه، وإنما بالمعنى المفهوم عنه بواسطة العقل.

أقسام المنطوق:

والمنطوق تارة تكون دلالته على المعنى قطعية، وتارة ظنية، وتارة مجملة.

فإذا دل الكلام على المعنى الموضوع له دلالة قاطعة، فهي دلالة النص، كقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}

صفحة 47

فدلالة “أحد” على الوحدانية، دلالة قاطعة، فهي دلالة نص.

وإذا كانت دلالته ظنية، فهي دلالة الظاهر، وذلك كقوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} فدلالة “لامس” على المس باليد، كما ذهب إليه الشافعي وغيره، دلالة من قبيل الظاهر، لأنها تحتمل المعنى الآخر، الذي ذهب إليه أبو حنيفة، وهو الوطء.

وإذا كانت دلالة اللفظ على المعنى تحتمل المعنيين احتمالاً متساوياً فهو المجمل، وهذا كدلالة كلمة القرء في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} على معنى الحيض، والطهر.

وهذا قبل ترجيح أحد المعنيين، وأما بعد الترجيح فالقرء ظاهر في الراجح دون غيره.

أقسام المفهوم:

ذكرنا أن المعنى المفهوم هو المعنى المستفاد من اللفظ، مما لا يدل عليه اللفظ بوضعه اللغوي.

وهذا المعنى تارة يكون موافقاً للفظ المنطوق به، وتارة

صفحة 48

يكون مخالفاً له.

فإن وافق الحكم المسكوت عنه الحكم المنطوق به، فهو مفهوم الموافقة.

كحكم الماء إذا كان أكثر من قلتين في مثالنا السابق، فإن حكمه الذي لم يتعرض له النص، والذي فهمناه منه بواسطة العقل، موافق للحكم المنطوق به وهو حكم القلتين.

وإذا خالف الحكم المسكوت عنه الحكم المنطوق به، فهو مفهوم المخالفة.

كحكم الماء إذا كان أقل من قلتين في مثالنا السابق، فإن حكمه الذي سكت عنه النص، والذي فهمناه بواسطة العقل، وهو تنجس الماء، مخالف للحكم الذي نطق به وهو أنه لا ينجس.

ولمفهوم المخالفة أقسام، وللعمل به شروط تطلب في المطولات.[1]

  1. [1] انظر كتابنا الوجيز ص128.
صفحة 49

الفصل الثالث في الأوامر والنواهي

أولاً: الأمر

عرَّف جمهور الأصوليين الأمر بأنه: القول الطالب للفعل، بلا علو، ولا استعلاء.

وشرط بعض الأصوليين العلو، وهو أن يكون الآمر أعلى رتبة من المأمور.

وشرط أبو الحسين البصري الاستعلاء، وهو أن يكون الآمر مستعلياً في أمره بأن يطلب الفعل بصفة الاستعلاء، وإن كان أقل رتبة من المأمور.

فالعلو: صفة المتكلم.

والاستعلاء: صفة الكلام.

صفحة 50

ومما يدل على عدم اشتراطهما قوله تعالى حكاية عن فرعون لحاشيته: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} فسمَّى كلامَهم أمراً، وهم أقل منه رتبة، ولا شك أنهم كانوا يتكلَّمون معه بأدب، دون استعلاء، لأنهم كانوا يعتقدون فيه الألوهية، أو يجاملونه عليها.

وأياً كان فهو اصطلاح.

ومثال الأمر قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} فهو طلب لفعلها.

صيغة الأمر:

والصيغة الدالة على الأمر هي: افعل نحو قوله تعالى: (أقم الصلاة).

والفعل المضارع المقترن بلام الأمر (ليفعل)، نحو قوله تعالى: (لينفق ذو سعة من سعته).

واسم فعل الأمر (فعال)، نحو قولهم: (نزال) بمعنى انزل.

صفحة 51

دلالة صيغة الأمر:

ترد صيغة الأمر لمعانٍ كثيرة، أوصلها بعض الأصوليين لما يقارب الثلاثين، واتفقوا على أنها ليست حقيقة فيها كلِّها، وإنما هي حقيقة في بعضها – على خلاف فيه – مجاز في معظمها.

وجماهير الأصوليين على أنها حقيقة في الوجوب، مَجازٌ في غيره من المعاني، من الندب، والإباحة، والإرشاد، والتأديب وغير ذلك.

كقوله صلى الله عليه وسلم: (أفشوا السلام بينكم)، وكقوله تعالى: {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ}، وكقوله تعالى: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ}، وكقوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة وهو طفل صغير: (كل مما يليك).

فإذا وردت صيغة الأمر في كلام الشارع حملت على الوجوب، لأنها حقيقة فيه، ولا تُصرف إلى غيره من المعاني إلا بعد وجود القرينة.

صفحة 52

دلالة الأمر على الفور والتكرار:

ذهب جمهور الأصوليين إلى أن صيغة الأمر لا تدل لا على المرة، ولا على التكرار، وإنما هي لطلب إيجاد حقيقة المأمور به في الخارج، وهذه الحقيقة لا توجد بأقل من مرة واحدة، فكانت المرة من لازم المأمور به، لا من مدلولات الأمر.

وكما أنه لا يدل على المرة ولا على التكرار، كذلك لا يدل لا على الفور، ولا على التراخي، بل هو لطلب إيجاد حقيقة المأمور به في الخارج، من غير اختصاص بالزمن الأول دون الثاني، والفور والتراخي إن طلبا فإنما هما بالقرائن المحتفة بالأمر، لا بنفس الأمر، وقيل: يدل الأمر على الفور.

مقدمة الواجب:

وهي القاعدة المعروفة بأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

فإذا أمر الشارع بإيجاد فعل ما، فقد أمر به، وبما لا يتم الفعل إلا به، فإذا أمر بالصلاة، فقد أمر بالصلاة، وبما تتوقف الصلاة عليه من الوضوء، واستقبال القبلة، وغير ذلك

صفحة 53

مما تتوقف صحتها أو وجودها عليه.

وإذا أمر المرأة بستر الرأس في الصلاة مثلاً، فإنها يجب عليها أن تستر جزءاً من الوجه حتى تتأكد أن الواجب قد وجد كله.

وإذا غسل المرء وجهه في الوضوء، وجب عليه غسل جزء من الرأس، حتى يتيقن أنه غسل جميع الوجه. وهكذا…

الأمر بالشيء يدل على الإجزاء:

إذا فعل المكلف ما أمر به فإنه يخرج عن العهدة، ويتصف فعله بالإجزاء، بنفس الأمر، ولا يحتاج إلى أمر جديد يدل على الإجزاء.

الأمر بالأداء ليس أمراً بالقضاء:

ذهب جمهور الأصوليين إلى أن الأمر بالأداء لا يكون أمراً بالقضاء، وأن القضاء يحتاج لأمر جديد، بخلاف الإجزاء في المسألة السابقة.

صفحة 54

الأمر بشيء عند المأمور وازع يحمله عليه:

إذا أمر الشارع بشيء عند المأمور وازع يزعه عليه من غير أمر الشارع، فإن هذا الوازع قرينة تصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب، وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج).

وهذا أمر بالزواج، والأصل في الأمر الوجوب كما قدمنا، إلا أن المأمور بالزواج وهم الشباب عندهم من الوازع والرغبة ما يحملهم على الزواج، ولو لم يَرِدْ به أمر الشارع، وهذا الوازع قرينة تصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب، على ما ذهب إليه الجمهور.

الأمر بعد الحظر:

إذا حظر الشارع شيئاً، ثم أمر به بعد ذلك الحظر، فإنّ تقدم الحظر قرينة تصرف الأمر عن الوجوب إلى الإباحة أيضاً، وذلك كقوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}.

ثم قال: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} فتقدم الحظر – وهو منع البيع وقت النداء –

صفحة 55

قرينة تصرف الأمر بالبيع بعد الصلاة عن الوجوب إلى الإباحة.

ومثله قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} بعد قوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا}.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (كنتُ نهيتُكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، ألا فادخروا ما بدا لكم).

من يدخل في الأمر:

1- لا خلاف بين العلماء في أن المؤمنين جميعاً داخلون في خطاب الله، إذا كانوا مستجمعين لشروط التكليف، من البلوغ والعقل، والتأهل للخطاب، وأنه لا يدخل فيه الصبي ولا المجنون، ولا الساهي، إلا أن الساهي يؤمر بعد ذهاب السهو عنه بجبر خلل السهو، من قضاء ما فاته من الصلاة، وضمان ما أتلفه من المال.

2- ذهب جمهور الأصوليين إلى أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وبما لا تصح إلا به، وهو الإسلام.

صفحة 56

وذلك لقوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ . قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ . وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ . وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ . وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ}.

وهذا صريح في أنهم كانوا كافرين، وعُذبوا على ترك الصلاة، وعدم إطعام المسكين، إلى جانب تعذيبهم بالكفر، مما يدل على أنهم كانوا مكلفين بفروع الشريعة.

وليس المراد بتكليفهم بفروع الشريعة مما يتوقف على الإسلام، كالصلاة، أنهم يأتون بها حال كفرهم، لأنهم إن أتوا بها لم تصح منهم، لأن صحتها متوقفة على الإسلام، وهم ليسوا بمسلمين.

وإنما المراد بتكليفهم بها أن الله تعالى يضاعف لهم العذاب يوم القيامة بتركها، فيعذبون على كفرهم، ويُزاد لهم في العذاب بسبب عدم فعلهم للتكاليف الشرعية.

قال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ}.

صفحة 57

ثانياً: النهي

هو القول الطالب للترك، بلا علو ولا استعلاء.

والكلام فيه كالكلام فيما سبق في الأمر.

وصيغته التي تدل عليه هي: لا تفعل.

وهي حقيقة في التحريم، مجاز في غيره، من الكراهة وغيرها، من المعاني التي تَرِدُ لها.

فإذا نُهينا عن شيء، حملنا النهي على التحريم، ولا نصرفه عنه إلى غيره من المعاني التي يَرِدُ لها كالكراهة إلا بقرينة.

والنهي بعد الوجوب للتحريم، بخلاف الأمر بعد التحريم على ما مر.

ويدل على الفور والتكرار، بخلاف ما مر في الأمر أيضاً.

صفحة 58

دلالة النهي على الفساد:

المنهي عنه إما أن يكون عبادة أو معاملة.

فإن كان المنهي عنه عبادة، دل النهي على فسادها.

وسواء في ذلك أنهى عنها لعينها، كصلاة الحائض وصيامها، أم لأمر قارنها، وكان لازماً لها، كصيام يوم العيد، وصلاة النفل المطلق في أوقات الكراهة.

وإن كان المنهي عنه معاملة، فله أربع حالات:

الأولى: أن يكون النهي راجعاً إلى نفس العقد، كبيع الحصاة.

الثانية: أن يكون النهي راجعاً إلى أمر داخل في المعاملة، وجزء العقد، كالنهي عن بيع الملاقيح.

الثالثة: أن يكون النهي لأمر خارج عن العقد إلا أنه لازم له، وذلك كالنهي عن بيع درهم بدرهمين.

والنهي في هذه الصور الثلاثة يدل على الفساد.

صفحة 59

الرابعة: أن يكون النهي خارجاً عن العقد أو المعاملة غير لازم له، وذلك كالنهي عن البيع وقت النداء ليوم الجمعة، فإن النهي راجع إلى خارج عن المعاملة والعقد، وهو الخوف من تفويت الجمعة، وليس لذات البيع.

وتفويت العبادة أمر مقارن للبيع، إلا أنه غير لازم له، فقد تفوت الصلاة بالبيع وقد تفوت بغيره، وقد يبيع في الطريق إلى الصلاة فلا تفوت.

صفحة 60

الفصل الرابع في العموم والخصوص

أولاً: العام

العام: لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر.

والمراد: أنه لفظ يتناول كل فرد من أفراده، مما يصلح لدخوله فيه دفعة واحدة، مهما بلغ عدده، دون حصر.

فإن كان يستغرق أفراده، ولكن بحصر كأسماء العدد، فإنه ليس بعام.

فالعشرون لفظ يستغرق أفراده، لكنها محصورة.

فمن قال لوكيله: أطعم عشرين مسكيناً، فإنه لا يخرج من العهدة إلا بإطعام العشرين، إلا أنها محصورة لا تتجاوزها.

ومن قال لوكيله: أَكرم العلماء، فإنه لا يخرج من العهدة إلا بإكرام جميع العلماء مهما بلغ عددهم دون حصر.

صفحة 61

دلالة العام:

ودلالة العام على جميع أفراده دلالة ظنية، ما لم يقم دليل على منع التخصيص.

وبناءً على ذلك يجوز تخصيصه بالدليل الظني – كما سيأتي في التخصيص – خلافاً لمن زعم أن دلالته قطعية، ومنع تخصيصه بالدليل الظني.

ألفاظ العموم:

للعموم ألفاظ تدل عليه، وهي إما أن تكون مستفادة من اللغة من غير قرينة، وإما أن تكون مستفادة من اللغة بقرينة، والقرينة إما أن تكون إثباتاً، وإما أن تكون نفياً.

أولاً: العموم المستفاد من اللغة بغير قرينة:

1- كل: وهي أقوى صيغ العموم، كقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ}.

2- أي: استفهامية، كقوله تعالى: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا}. أو شرطية كقولنا: “أي رجل جاهد فله الجنة”، أو موصولة كقوله تعالى: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا}.

صفحة 62

3- الذي: مفرداً كان كقولنا: “الذي يجتهد ينجح”، أو مثنى كقوله تعالى: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ}، أو جمعاً نحو قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}.

4- التي: نحو قولنا: “أكرم التي تتعلم” أي كل متعلمة.

5- جميع: نحو: “جاء جميع العلماء”.

6- مَن: وهي حقيقة في العاقل مجاز في غيره، شرطية كانت نحو قوله تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}، أم استفهامية، نحو قوله تعالى: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا}، أم موصولة، نحو قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}.

7- ما: وهي حقيقة في غير العاقل مجاز في العاقل، شرطية كانت نحو قوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ}، أم موصولة نحو قوله تعالى: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ}، أم استفهامية نحو قوله تعالى: {فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ}.

8- متى: في الزمان، نحو قوله تعالى: {مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ}.

صفحة 63

9- أين: في المكان، نحو قوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ}.

10- حيثما الشرطية: نحو قوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}.

ثانياً: العموم المستفاد من قرينة الإثبات:

1- الجمع المعرَّف بالألف واللام، نحو قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}.

2- الجمع المعرَّف بالإضافة، نحو قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}، وقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ}.

3- المفرد المعرَّف بالألف واللام، ويعبَّر عنه باسم الجنس، نحو قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}.

4- المفرد المعرَّف بالإضافة، نحو قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ}.

صفحة 64

ثالثاً: العموم المستفاد من قرينة النفي:

ويكون هذا في النكرة إذا وقعت في سياق النفي كقوله تعالى: {ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ}.

ومثله الشرط، نحو قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ}.

والاستفهام، نحو قوله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}، وقوله تعالى: {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ}.

معيار العموم:

وأما معيار العموم فهو الاستثناء، فما جاز الاستثناء منه فهو عام، وما لم يجز الاستثناء منه فليس بعام.

وذلك كقوله تعالى: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}. فلولا أن كلمة الإنسان كانت عامة شاملة للذين آمنوا وغيرهم لما احتيج إلى استثناء الذين آمنوا.

صفحة 65

ثانياً: الخاص

والخاص: يقابل العام، فهو ما لا يستغرق أفراده من غير حصر.

والتخصيص: إخراج بعض ما يتناوله الخطاب العام.

وذلك كقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} وهو يقتضي أن تؤخذ الزكاة من جميع الأموال، لأن الأموال جمع معروف بالألف واللام فيقتضي العموم، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) يخرج الخيل من وجوب الزكاة فيها.

أقسام التخصيص:

ينقسم التخصيص إلى قسمين: متصل ومنفصل.

صفحة 66

1- التخصيص المتصل:

التخصيص المتصل هو التخصيص بما لا يستقل في إفادة المعنى، بل بواسطة العام المذكور قبله.

فقولنا: إلا زيداً، لا يفهم منه شيء، فإذا قلنا: جاهد القوم إلا زيداً، فعند ذلك يفهم المراد، وهو إما أن يكون بالاستثناء، أو الشرط، أو الصفة.

التخصيص بالاستثناء:

وهو إخراج بعض ما يتناوله اللفظ بإلا أو إحدى أخواتها.

وله شروط منها:

1- أن يكون المستثنى مع المستثنى منه قد صدرا من متكلم واحد، فلو قال رجل: نجح جميع الطلاب، فقال آخر: إلا زيداً، لم يصح.

ويُستثنى من ذلك كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كلام الله، لأن كليهما وحي.

2- أن يكون المستثنى متصلاً بالمستثنى منه عادة، فلو قال: أكرم العلماء، ثم قال بعد يوم أو يومين: إلا زيداً، لم يصح.

صفحة 67

3- يشترط أن يبقى من المستثنى شيء ولو كان واحد، كما لو قال: عَلَيَّ عشرة إلا تسعة، فإن استغرق المستثنى منه كان لاغياً، كما لو قال: عَلَيَّ عشرة إلا عشرة.

4- يشترط أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، فإن كان من غير جنسه فإنه لا يُعتبر مخصصاً، فلو قال: قام القوم إلا حماراً، لم يصح، لأنه لم يدخل في القوم حتى يخرج منهم.

وقيل لا يشترط هذا.

ويجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه نحو قولنا: ما قام إلا زيداً أحدٌ.

التخصيص بالشرط:

ومن التخصيص التخصيص بالشرط، كقولنا: أَكْرِم العلماء إن عملوا بعلمهم.

ويجوز أن يتقدم الشرط على المشروط، كقولنا: إن عمل العلماء بعلمهم فأكرمهم.

صفحة 68

التخصيص بالصفة:

ومن التخصيص أيضاً التخصيص بالصفة، كقولنا: أَكرم العلماء العاملين.

2- التخصيص المنفصل:

ويراد به: التخصيص بما يستقل بنفسه في إرادة المعنى، دون حاجة إلى ذكر العام قبله.

تخصيص الكتاب بالكتاب:

ويجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، نحو قوله تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} فهو عام يشمل كل مشرك، وثنيّاً كان أو كتابياً، مع قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} فيجوز نكاحهن، لأنه خصصهن من حكم التحريم.

تخصيص الكتاب بالسنة:

ويجوز تخصيص الكتاب بالسنة، متواترة كانت أو آحاداً كتخصيص قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ}

صفحة 69

العام الشامل لأولاد الأنبياء وغيرهم، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) فخصص الإرث بغير أولاد الأنبياء، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) فأخرج من اختلف دينه من الإرث، مع كونه داخلاً في الآية.

تخصيص السنة بالكتاب:

ويجوز تخصيص السنة بالكتاب، وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: (ما أُخِذَ من حي فهو ميت)، أي فيكون نجساً، ومنه الصوف، والشعر، والوبر، من الحيوان المأكول، إلا أن هذا خُصَّ بقوله تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ}.

تخصيص السنة بالسنة:

ويجوز تخصيص السنة بالسنة متواترة كانت أم آحاداً، وذلك كتخصيص قوله صلى الله عليه وسلم: (فيما سقت السماء العشر) العامِّ للقليل والكثير، بقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة).

صفحة 70

تخصيص القرآن بالقياس:

ويجوز تخصيص القرآن بالقياس، لأن القياس دليل شرعي يستند إلى نص من كتاب أو سنة، فكأنهما هما المخصصان، وذلك كقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} العام للحر والعبد، إلا أن الله تعالى خص منه الإناث من العبيد فقال: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ}.

ثم قيس الذكور على الإناث بنفي الفارق، ونصف الحد على العبد أيضاً.

تخصيص السنة بالقياس:

وكما يجوز تخصيص الكتاب بالقياس، يجوز تخصيص السنة بالقياس من باب أولى، وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: (ما أخذ من الحي فهو ميت) ثم خص منه – كما قدمنا – الصوف، والشعر، والوبر، بالقرآن، في قوله تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ} وقيس الريش على الشعر والوبر، وخص به الحديث ثانية.

صفحة 71

الفصل الخامس في المطلق والمقيد

المطلق والمقيد في المباحث المتعلقة بهما كالعام والخاص.

والمطلق: ما دل على الماهية بلا قيد من وِحدة أو كَثرة.

وذلك كالنكرة في سياق الإثبات في قولنا: أكرِم رجلاً.

والذي يهم في هذا الموضوع هو: أنه إذا ورد اللفظ في مكان مطلقاً، وفي مكان مقيداً، فهل يحمل المطلق على المقيد؟

فيه تفصيل إلا أنه إجمالاً يحمل عليه.

وذلك كالرقبة التي ورد الشرع بإعتاقها كفارة، فإنها قيدت في بعض المواضع بالإيمان كما في كفارة القتل في قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}.

صفحة 72

وأطلقت في بعض المواضع، كما في كفارة الظهار، في قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا}.

فيحمل المطلق على المقيد احتياطاً، ويشترط الإيمان في الرقبة في كفارة الظهار.

صفحة 73

الفصل السادس في المجمل والمبين

المجمل: هو ما لم تتضح دلالته من قول أو فعل.

وذلك كالقُرْء في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ}، فالقرء يحتمل الطهر والحيض على السواء.

وهذا قبل أن يُرَجَّحَ أحدُ المعنَيَيْن من قِبَلِ المجتهِد.

والإجمال في الفعل: أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً لا تُعرَف جهته – كما سيأتي معنا في الأفعال – فيكون محتملاً للوجوب، والندب، والإباحة على السواء.

والمبيَّن: هو ما اتضحت دلالته بعد الإجمال.

والمبيِّن: هو ما به تتضح الدلالة من قول، أو فعل، أو كتابة، أو غير ذلك.

صفحة 74

والإجمال: تارة يكون بين الحقائق كالقرء، إذ هو حقيقة في الطهر والحيض، وتارة يكون بين أفراد الحقيقة الواحدة، كقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} المحتملة للحمراء، والسوداء، والصفراء، والفارض، والبكر، والعاملة، وغيرها.

أسباب الإجمال:

وللإجمال أسباب كثيرة منها:

1- الإعلال: كالمختار، الذي يحتمل أن يكون اسم فاعل أو مفعول، لأنه منقلب عن مُخْتَيَر أو مُخْتَيِر.

2- مرجع الصفة: وذلك كقولنا: زيد طبيب ماهر، فالصفة وهي المهارة، يحتمل أن تكون لزيد، ويحتمل أن تكون لطِبِّه.

3- استثناء المجهول: وذلك كقوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} فالمستثنى مجهول، ولذلك بُيِّن في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ} والخ الآية.

صفحة 75

تأخير البيان:

يكاد يكون متفقاً عليه جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة والعمل، كما أخر بيان الصلوات الخمس التي فرضت ليلة الإسراء، وأخر بيان أفعال الحج.

وأما تأخير البيان عن وقت الحاجة والعمل، فقد جوزه الأشاعرة أهل السنة والجماعة، بناءً على جواز التكليف بالمحال لأنه تعالى {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} ومنعه المعتزلة، بناءً على منعهم التكليف بالمحال.

واتفق الفريقان على أنه لم يقع، وإنما الخلاف في الجواز.

ودليل جوازه: قوله تعالى: {وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} فلولا أنه يجوز أن يُحمِّلهم ما لا طاقة لهم به، لما علَّمهم أن يسألوه عدمه.

وفائدته: اختبار المكلف وابتلاؤه.

صفحة 76

الفصل السابع في الظاهر والمؤول

الظاهر: هو الذي دل على المعنى الذي وضع له دلالة ظنية، مع احتمال غيره.

وقد قدمنا الفرق بينه وبين النص، والمجمل، أول الكتاب.[1] وقد أجمع علماء الأمة على أنه يجب العمل بالظاهر فيما هو ظاهر فيه، وهو أغلب الكلام.

وأما المؤول: فهو متوقف على معرفة التأويل.

والتأويل: هو حمل اللفظ الظاهر على المعنى المحتمل المرجوح بدليل.

والمؤول: هو اللفظ الذي حمل على غير ظاهره لوجود الدليل.

صفحة 77

وذلك كما ورد في الحديث القدسي: (يا عبدي مرضت فلم تَعُدْني! فقال العبد: كيف تمرض وأنت رب العزة؟ فقال: مرض عبدي فلان فلم تعُده، ولو عُدتَه لوجدتني عنده)، فقوله تعالى: “مرضت” يدل على أنه يمرض، إلا أن هذا محال في حق الله تعالى، لأنه صفة نقص، ولذلك تسائل العبد: كيف تمرض وأنت رب العزة؟ فعلَّمه الشارع تأويل هذا الظاهر، وأن المراد مرض عبده، ونسب المرض إليه لتشريف عبده المؤمن، ولإثارة اهتمام المؤمن بأخيه المؤمن، لا سيما إِنْ مرض، فيعوده.

وعلى هذا يُقال: كيف يوجد الله عند المريض؟ وهل يكون الله عنده في المستشفى أو البيت، أو غيرهما من الأماكن؟ وهل هو عند كل مريض؟

والجواب: أنه كما أوَّل لنا الله الشق الأول وهو المرض، فعَلَّمنا كيفية التأويل الصحيح؛ فإننا نؤول الشق الثاني ونقول: لوَجَدتني عنده، أي: لوجدت رحمتي.

والدليل على وجوب هذا التأويل: هو استحالة احتواء المستشفى أو غيرها على الله.

ومنه قوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ) فقد حمله العلماء على مجيء أمر الله، لاستحالة معنى المجيء الحقيقي – وهو خلو

صفحة 78

مكان من الله واشتغال آخر به – على الله.

ودليل هذا التأويل قوله تعالى في سورة النحل: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ}.

ونظير هذا كثير في كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

أقسام التأويل:

ينقسم التأويل من حيث الصحة والفساد إلى ثلاثة أقسام:

1- التأويل الصحيح: هو التأويل الذي يصار إليه بدليل صحيح، من العقل أو النقل كما قدمناه.

2- التأويل الفاسد: وهو الذي يصار إليه بما يظنه المؤول، باعتقاده، دليلاً وهو ليس كذلك في الواقع، كتأويلات أصحاب الفرق الضالة.

3- التأويل الباطل المردود: وهو الذي يصار إليه بلا دليل، بل بالتحكم، كتأويلات الملاحدة، والباطنية، والمجسمة، وغيرهم، وهو كفر.

صفحة 79

كما ينقسم التأويل من حيث ظهوره وخفاؤه إلى قسمين:

1- تأويل قريب: وهو التأويل الذي يظهر معناه بأدنى دليل وتأمل، كما في قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} كناية عن الكرم في الرد على الذين قالوا: إن الله بخيل.

2- وتأويل بعيد: وهو التأويل الذي لا يظهر معناه بأدنى دليل وتأمل، بل ربما أنكره السامع لأول وهلة لبعده.

وذلك كتأويل قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ} بمعنى “استولى”، مع قولنا بتأويل هذه الآية، وعدم حملها على ظاهرها، مما يتنافى مع تنزيه الله عن صفات الحوادث.

ولا نعني بالبعيد الفاسد أو الباطل كما في التقسيم السابق، بل نعني أنه صحيح، إلا أنه بعيد لا يظهر بأدنى دليل أو تأمل.

  1. [1] ص36.
صفحة 80

الفصل الثامن في الناسخ والمنسوخ

النسخ: هو بيان انتهاء حكم شرعي، بطريق شرعي، متراخٍ عنه.

فما لا يكون حكماً شرعياً، لا يسمى رفعه نسخاً، كالبراءة الأصلية المعروفة بالعقل قبل إيجاب الأحكام بالشرع، فلا يعتبر رفعها نسخاً، لأنها لم تثبت بالشرع.

وذلك كصيام رمضان مثلاً، فإن رفع عدم وجوب صومه، الثابت بالفعل قبل ورود الشرع بوجوب صومه بالشرع، لا يسمى نسخاً.

وكذلك لا بد للناسخ أن يكون حكماً شرعياً من قرآن أو سنة فلا نسخ بالعقل، أو المصلحة، أو غير ذلك من الأمور.

ولا بد للناسخ أن يكون متأخراً عن المنسوخ، فإن اتصل به كالاستثناء، والشرط، والصفة، فلا يسمى نسخاً بل تخصيصاً.

صفحة 81

أنواع النسخ

للنسخ أنواع كثيرة من حيثيات كثيرة.

أولاً: أنواع النسخ من حيث البدل:

1- النسخ بلا بدل:

وذلك كما في نسخ قوله تعالى: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} فإن هذا نُسِخَ إلى غير بدل.

2- النسخ إلى بدل مساوي:

وذلك كما في نسخ استقبال بيت المقدس في الصلاة باستقبال الكعبة.

3- النسخ إلى بدل أثقل:

وذلك كما في نسخ التخير بين الصوم والفطر مع الكفارة أول الإسلام في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ

صفحة 82

طَعَامُ مِسْكِينٍ} بوجوب الصوم في قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}.

4- النسخ إلى بدل أخف:

وذلك كما في نسخ وجوب صمود الواحد للعشرة بالحرب في قوله تعالى: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} بقوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}.

ثانياً: أنواع النسخ من حيث الحكم والرسم:

1- نسخ الرسم وبقاء الحكم:

وذلك نحو ما ورد في الصحيح: (الشيخ والشيخة إذا زَنَيَا فارجموهما ألبتة)، فقد كان هذا قرآناً يُتلى، ثم نُسخ رسمه وبقي حكمه.

وقد رَجَمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المحصن، وهو المراد بالشيخ والشيخة.

صفحة 83

2- نسخ الحكم وبقاء الرسم:

وهذا هو الأكثر في القرآن والسنة، وذلك كنسخ وجوب الاعتداد بِسَنَةٍ على المتوفى عنها زوجها في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ} بقوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}.

3- نسخ الحكم والرسم:

وذلك كما ورد في حديث عائشة عند مسلم وغيره: (كان فيما أنزل عشر صفات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس معلومات).

وهذا على القول بأن المراد بقولها (فيما أنزل) أي في القرآن.

صفحة 84

أنواع الناسخ والمنسوخ:

1- نسخ الكتاب بالكتاب:

يجوز نسخ الكتاب بالكتاب، كما في نسخ آيتي العدة والمصابرة بما سبق ذكره.

2- نسخ السنة بالكتاب:

ويجوز نسخ السنة بالكتاب، كما في نسخ التوجه إلى بيت المقدس الثابت بالسنة، بقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}.

3- نسخ السنة بالسنة:

ويجوز نسخ السنة بالسنة كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها).

صفحة 85

4- نسخ الكتاب بالسنة:

ويجوز عند جماهير أهل العلم نسخ الكتاب بالسنة، لأن كليهما وحي، ومُثِّل له بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}، حيث نسخ بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا وصية لوارث).

وفي المسألة كلام للشافعي ليس هذا مكانه، فليطلب من المطولات.

5- نسخ المتواتر بالمتواتر والآحاد:

ويجوز نسخ المتواتر بالمتواتر، والآحاد بالآحاد وبالمتواتر، ويجوز نسخ المتواتر بالآحاد على الأصح، لأن محل النسخ الحكم، والدلالة عليه ظنية سواء كانت بالمتواتر أو الآحاد.

 
Top