مقدمة المؤلف

صفحة 13

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المؤلف

الحمد لله الذي جعل نعمته في رياض جنان المقربين، وخص بهذه الفضيلة من عباده المتفكرين، وجعل التفكر في مصنوعاته وسيلة لرسوخ اليقين في قلوب عباده المستبصرين، استدلوا عليه سبحانه بصفته فعلِموه، وتحققوا أن لا إله إلا هو فوحَّدوه، وشاهدوا عظمته وجلاله فنزَّهوه، فهو القائم بالقسط في جميع الأحوال، وهم الشهداء على ذلك بالنظر والاستدلال، فعلموا أنه الحكيم القادر العليم، كما قال في كتابه الكريم: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.[1]

والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المُتَّقين، وشفيع المذنبين، محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه، وشرَّف وكرَّم إلى يوم الدين.

أما بعد: فاعلم يا أخي وفقك الله توفيق العارفين، وجمع لك خير الدنيا والدين، أنه لما كان الطريق إلى معرفة الله سبحانه التعظيمَ له في

صفحة 14

مخلوقاته، والتفكر في عجائب مصنوعاته، وفهم الحكمة في أنواع مبتدعاته، وكان ذلك هو السبب لرسوخ اليقين، وفيه تفاوت درجات المُتَّقين، وضعت هذا الكتاب لعقول أرباب الألباب، بتعريف وجوه من الحِكم والنِّعم التي يشير إليها معظم آي الكتاب، فإن الله تعالى خلق العقول، وكمَّل هُداها بالوحي، وأمر أربابها بالنظر في مخلوقاته، والتفكر والاعتبار بما أودعه من العجائب في مصنوعاته، لقوله سبحانه: {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}،[2] وقوله: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}،[3] إلى غير ذلك من الآيات البينات، والدلالات الواضحات، التي يفهمها [كل ذي عقل سليم].[4] والترقي في اختلاف معانيها يعظِّم المعرفة بالله سبحانه، التي هي سبب السعادة، والفوز بما وعد به عباده من الحُسنى وزيادة.

وقد بوَّبته أبواباً، يشتمل كل باب [منها] على ذكر وجه الحكمة من النوع المذكور فيه من الخَلق، وذلك حسب ما تنبهت له عقولُنا فيما أشرنا إليه، مع أنه لو اجتمع جميعُ الخلائق على أن يذكروا جميع ما خلق الله سبحانه وتعالى، وما وضع من الحِكم في مخلوق واحد من مخلوقاته، لعجزوا عن ذلك. وما أدركته الخلائق من ذلك [هو] ما وهب الله سبحانه لكل منهم، وما سبق له من ربه سبحانه، والله المسؤول أن ينفعنا به برحمته وجوده.

الإمام الغزالي

  1. [1] الآية 18/ من سورة آل عمران.
  2. [2] الآية 101/ من سورة يونس.
  3. [3] الآية 30/ من سورة الأنبياء.
  4. [4] الكلمات التي بين قوسين هكذا [ ] زيادة من المحقق لتوضيح الكلام.
مقدمة المؤلف
 
Top