الباب العاشر: حكمة خلق الطير

صفحة 71

الباب العاشر: في حكمة خلق الطير

قال الله سبحانه وتعالى: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ}[1] وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ}.[2]

اعلم رحمك الله: أن الله تعالى خلق الطير وأحكمه حكمة تقتضي الخفة للطيران، ولم يخلق فيه ما يُثقله، وخلق فيه ما يحتاج إليه وما فيه قوامه. وصرّف غذاءه، فقسّم لكل عضو ما يناسبه، فإن كان رخواً أو يابساً أو بين ذلك انصرف إلى كل عضو من غذائه ما هو لائق به، فخلق للطير الرجلين دون اليدين لضرورة مشيه وتنقله، وإعانة له في ارتفاعه عن الأرض وقت طيرانه، واسعة الأسفل لتثبت في

صفحة 72

موطن على الأرض، وجعل جلد ساقيه غليظاً متقناً جداً، ليستغني عن الريش في الحر والبرد، وكان من الحكمة خلقه على هذه الصنعة، لأنه في رعيه وطلب قوته لا يستغني عن مواضع فيها الطين والماء، فلو كسيت ساقاه بريش لتضرر ببلله وتلويثه، فأغناه سبحانه عن الريش في موضع لا يليق به حتى يكون مخلصاً للطيران، وما خُلق من الطير ذا أرجل طوال جعلت رقبته طويلة لينال غذاءه من غير حرج بها، إذ لو طالت رجلاه، وَقَصُرَ عنقه لم يمكنه الرعي لا في البراري ولا في البحار حتى ينكبّ على صدره، وكثيراً ما يُعان بطول المنقار أيضاً مع طول العنق، ليزداد مطلبه عليه سهولة، ولو طال عنقه وقصرت رجلاه أثقله عنقه، واختل رعيه.

وخلق صدره ودائره ملفوفاً مَرْبيّاً على عظم كهيئة نصف دائرة، حتى يخرق في الهواء بغير كلفة، وكذلك رؤوس أجنحته مدورة إعانة له على الطيران. وجعل لكل جنس من الطير منقاراً يناسب رعيَه، ويصلح لما يغتذي به من تقطيع ولقط وحفر وغير ذلك، فمنه مخلب للتقطيع خَصَّ به الكواسر وما قوته اللحم، ومنه عريض مُشَرشَر، جوانبه تنطبق على ما يلتقطه انطباقاً محكماً، ومنه معتدل اللقط هو آكل الخضر، ومنه طويل المنقار للحصر، وجعله صلباً شديداً شبه العظم، وفيه ليونة ما هي في العظم، لكثرة الحاجة إلى استعماله، وهو مقام الأسنان في غير الطير من الحيوان.

وقوّى سبحانه أصل الريش، وجعله قصباً منسوجاً فيما يناسبه من الجلد الصلب في الأجنحة لأجل كثرة الطيران، ولأن حركة الطيران

صفحة 73

قوية فهو محتاج إلى الإتقان لأصل الريش، وجعل ريشه وقاية مما يضره من حر أو برد، ومعونة متخللة الهواء للطيران، وخص الأجنحة بأقوى الريش، وأثبته وأتقنه لكثرة دعاء الحاجة إليه. وجعل في سائر بدنه ريشاً غيره، كسوة ووقاية وجمالاً له، وثبَّت أصل جميعه، وجعل في ريشه من الحكمة أن البلل لا يفسده، والأدران لا توسخه، فإن أصابه ماء كان أيسر انتفاضٍ يطرد عنه بلله فيعود إلى خفته.

وجعل له منفذاً واحداً للولادة، وخروج فضلاته لأجل خفَّته، وخلق ريش ذنبه معونة له على استقامته في طيرانه، فلولاه لمالت به الأجنحة في حال الطيران يميناً وشمالاً، فكان له بمنزلة رجل السفينة الذي يعتدل بها سيرها. وخلق في طباعه الحذر وقاية لسلامته. ولما كان طعامه يبتلعه بلعاً بلا مضغ جعل لبعضه منقاراً صلباً يقطع به اللحم، ويقوم له مقام ما يقطع بالمدية، وصار يزدرد ما يأكله صحيحاً. وأُعين بفضل حرارة في جوفه تطحن الطعام طحناً يستغني به عن المضغ وثقل الأسنان، واعتبر ذلك وغيره، فإنه يخرج من بطون الحيوان صحيحاً وينسحق في أجواف الطير. ثم إنه خلقه يبيض ولا يلد لئلا يثقل عن الطيران، فإنه لو خُلقت فراخه في جوفه حتى يكمل خلقها لثقل بها وَعُوِّقَ عن النهوض للطيران. أفلا ترى كيف دبر الله كل شيء من خلقه بما يليق به من الحكمة؟

انظر إلى ما أنزله وألهمه الرقاد على بيضه فيحضنه مدة الحضانة. من ألهمه أن يلتقط الحَبَّ؟ فإذا ماع في باطنه غذّى به أفراخه،

صفحة 74

وهذا نوع من الطير.

ثم انظر مع هذا كيف احتمل هذه المشقة وليست له روية ولا فكر في عاقبة، ولا له أمل يأمله في أفراخه، كما يأمل الإنسان في ولده من العز والرِّفد وبقاء الذِّكر، فهل هذا إلا إلهام إلهي من فعل الله سبحانه؟ انظر كيف أُلهم معرفة حمل الأنثى منه بالبيض، فألهم حينئذ حمل الحشيش وتوطئته في موضع التحضين والولادة، لتقوم الرطوبة والتوطئة بحفظ البيض، ويكون البيض محفوظاً في المِهاد يمهدونه ويستحسنونه في حال تحضينه.

انظر إلى الحمام كيف ألهم معرفة كمال الفرخ وانتهاء تحضينه للبيض، حتى يكشف عن الفرخ ويخرجه. وإن اتفق في البيض فساد بسبب عَرق قام وتركه.

ثم انظر إلهامه بما يزقّ به فرخه، فإنه أولاً يزقّه بالريح لتستعد حوصلته لقبول ما يوضع فيها، ثم بعد ذلك يزقّه من أول هضم، ثم إذا ماع الغذاء في حوصلته يزقّه به، ويفعل ذلك مراراً حتى يملي حوصلته، فإنه لو أرسله إليه حباً صحيحاً لعجز عن هضمه لضعف جسده. فانظر إن كان هذا من فعل الطير وحكمته. ثم انظر عند خروج الفرخ من البيضة كيف يسنده إلى جنبه لئلا يفقد الحرارة دفعة واحدة فيضر ذلك به.

ومن الطير مما يُخلق على هيئة أخرى لحكمة أخرى، ولتعلم أن قدرة الله لا تنحصر في نوع واحد، بل كل حال له حكم يقوم بمصلحة ذلك الشيء. وذلك أن الدجاج ليس فيهم أهلية الزق، بل جعلت

صفحة 75

أفراخهم يلتقطون غذاءهم عند خروجهم من البيضة.

ثم انظر في الحمام الذكر والأنثى كيف يتداولان على التسخين خوف أن يفسد بيضهم، فيعقب هذا صاحبه كأنه أُلهم علماً بأن عدم هذا التدبير يفسد به بيضهم.

ثم انظر إلى خلق البيضة وما فيها من الحكم لله، ففيها المُح[3] الأصفر الحابر[4] والماء الأبيض الرقيق، فبعضه لينشأ منه جسده، وبعضه يغتذي به إلى أن تنشق عنه، وما في ذلك من التدبير المحكم العجيب، وكيف جعل معه غذاءه في بيضة مغلقة تلتقي به إلى حين كماله فيها وخروجه منها.

ثم انظر في حوصلة الطائر، وما في خلقها من التدبير، فإن مسلك طعامه إلى القانصة[5] ضيق، لا ينفذ إليه إلا قليلاً قليلاً، فلو كان لا يلتقط حبته حتى تصل الأولى إلى القانصة لطال الأمر عليه، مع ما فيه من شدة الحذر وتجنبه ما يؤذيه، فصار ما يحتكره احتراساً لشدة حذره، فجعلت له الحوصلة كالمخلاة المعلقة أمامه، ليودع فيها ما أدرك من الطعام بسرعة، ثم ينفذه إلى القانصة على مهل. وفيها حكمة أخرى، فإن الطير الذي يزق أفراخه يكون رده الطعام من قرب [أي من الحويصلة] أسهل عليه.

صفحة 76

ثم تأمل ريش الطائر، فإنك تجده منسوجاً نسج الثوب من سلوك رقاق، فيها من اليبس ما يُمسك حولها، ومن اللين ما لا ينكسر معه [عودُها] وهي خاوية، وقد تألَّف بعضها إلى بعض كتأليف الخيط إلى الخيط، والشعر إلى الشعر. ثم تجده إذا فتحته – أعني نسيج الريش – ينفتح قليلاً، ولا ينشق لتدخله الريح فتثقله عن طيرانه، وتجد في وسط الريشة عموداً غليظاً يابساً مثبتاً، قد نسج عليه كهيئة الشعر ليمسكه بصلابته، فلو عدم ذلك وعرضت الريشة دونه لفسخها ما يقابلها من الهواء، وهو – أي عمود الريشة – مجوف ليخف على الطير طيرانه.

انظر إلى الطائر الطويل الساقين، والحكمة في طولهما أنه يرعى أكثر رعيه في صحصاح كأنه فوقه مراقب، يتأمل ما يدب في الماء، فإذا رأى شيئاً من حاجة خطا خطواً رفيقاً حتى يتناوله، فلو كان قصير الساقين لكان حين يخطو إلى الصيد يصل بطنه إلى الماء فيهزّه فيذعر منه الصيد فيبعد عنه.

انظر إلى العصافير وغيرها، فإنها لا تطلب رزقها في طول نهارها، فلا هي تفقده ولا هي تجده مجموعاً محله، وهو أمرٌ جَارٍ على سنة الله في خلقه، فإن صلاحهم في السعي في طلب الرزق. فإن الطير لو وجده ميسراً لأكب عليه، ولا يقلع عنه حتى يمتلئ فيثقل عن الطيران ولا يستطيع رده، أعني قذفه من بطنه، مثل طير الماء الكبير، فإنه يأكل السمك، فإذا امتلأ منه وأزعجه تقيأه حتى يخف للطيران، وكذلك الناس أيضاً، لو وجدوه بلا سعي لتفرغوا فراغاً يوقعهم في غاية الفساد.

صفحة 77

انظر إلى هذه الأصناف من الطير، التي لا تخرج إلا ليلاً، مثل البوم والهام والخفاش، فإن عيشها يتيسر في الجو، بالبعوض والفراش وشبهه، فإنها مُنْبَثَّةٌ في هذا الجو، فجعل عيشه في موضع أقرب إليه من الأرض، ولعل النور لا يعينه أن يلتقط من الأرض، بدليل أنه لا يظهر في نور الشمس إلا مختفياً، فألهم أن يعيش في الجو من الفراش وغيره.

انظر إلى الخفاش، لما خلق بغير ريش كيف خلق له ما يقوم مقامه، وجعل له فم وأسنان وكل ما في البهائم الأرضية من الولادة وغيرها، وأقدره على الطيران، فأظهر سبحانه أن قدرته على الطيران لا تقتصر على ما خَلق له من الريش، ولا ينحصر ذلك في نوع واحد، لأنه خلق [من الطير] هذا النوع، وخلق من السمك جنساً يطير على البحر مسافة طويلة ثم ينزل الماء، فسبحان القاضي العليم.

انظر إلى الذكر والأنثى من الحمام كيف يتعاونان على الحضانة، فإذا احتاج أحدهما إلى قوته ناب الآخر، إلى وقت الحضانة، ثم ألهمهما الحرص على الحضانة، فلا يطيلان الغيبة على البيض إذا خرجا لنيل القوت، حتى أنهما يجتمع في أجوافهما البراز للحرص على الرقاد، فإذا اضطر لخروج البراز أخرجه دفعة واحدة.

ثم انظر إلى حرص الذكر حين تحمل الأنثى بالبيض ويقرب أوان وضعها، كيف يطردها وينقرها، ولا يدعها تستقر خارجاً عن الوكر خشية أن تضع البيض في غير الموضع المهيأ لوضعه. انظر كيف يَزُقُّ أفراخه ويعطف عليها ما دامت محتاجة إلى الزق، حتى إذا كبرت واشتدت، ولقطت واستغنت عن أبويها، صارت إذا تعرضت له

صفحة 78

لنيل ما اعتادت عليه – من الزق – ضربها وصرفها عن نفسه واشتغل بغيرها.

ثم انظر إلى ما خلق الله تعالى في الكواسر من شدة الطيران حتى لا يُسبق لما يطلبه، ومن قوة المخلب وحِدَّته في المنقار والأظفار، فكأن مخلبها مدية للقطع، وكأن مخلب أرجلها خطاطيف يعلق فيها اللحم حتى تحصل ما تحتاجه من قوتها.

ثم انظر إلى طير الماء، لما جعل قوته في الماء كيف جعل فيه قوة السباحة والغطس، ليأخذ من جوف الماء رزقه، فجعل سبحانه وتعالى لكل صنف من الطيور ما يليق به في تحصيل قوته.

  1. [1] الآية 79/ من سورة النحل.
  2. [2] الآية 19/ من سورة الملك. [وهي زيادة من المحقق في متن الكتاب ليظهر للقارئ تضافر الآيات في كتاب الله على لفت العقول إلى هذا الخلق والتفكر فيه].
  3. [3] المح: صفرة البيض (البستان معجم لغوي لعبد الله البستاني/ 2234).
  4. [4] الحَبَر: بفتح الحاء والباء، صفرة تصيب الأسنان وهو مصدر حبرت الأسنان، والحابر شديد الصفار (المصباح المنير للمقري/ 55).
  5. [5] الحبوب التي يتناولها الطير تدخل أولاً إلى الحوصلة وتتجمع فيها ثم تتسرب إلى القانصة على مهل تمهيداً لهضمها.
الباب العاشر: حكمة خلق الطير
 
Top