الباب السادس: حكمة خلق الماء

صفحة 36

الباب السادس: في حكمة خلق الماء

قال الله تبارك وتعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}[1] وقال سبحانه: {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ}.[2]

انظر وفقك الله إلى ما مَنَّ به سبحانه وتعالى على عباده بوجود الماء العذب، الذي به حياة كلها من على وجه الأرض من حيوان ونبات، فلو اضطر الإنسان إلى شربة منه ومُنع منها لهان عليه أن يبذل فيها جميع ما يمكنه من خزائن الدنيا، والعجب من غفلة العباد عن هذه النعمة العظيمة.

وانظر مع شدة الحاجة إليها كيف وسع سبحانه على العباد فيها، ولو جعلها بقدر لضاق الأمر فيها، وعظم الحرج على كل من سكن

صفحة 37

الدنيا، ثم انظر لطافة الماء ورقته حتى ينزل من الأرض، ويخلخل أجزاءها، فتتغذى عروق الشجر، ويصعد بلطافته بواسطة حرارة الشمس إلى أعالي الشجر والنبات، وهو من طبعه الهبوط.

ولما كانت الضرورة تدعو إلى شربة لإماعة الأغذية في أجواف الحيوان، لينصرف إلى موضعه، جعل لشاربه في شربه لذة عند حاجته إليه، وقبوله به، ويجد شاربه فيه نعيماً وراحة. وجعله مزيلاً للأدران عن الأبدان، والأوساخ عن الثياب وغيرها. وبالماء يبل التراب فيصلح للبناء والأعمال، وبه يرطب كل ما يبس مما لا يمكن استعماله يابساً، وبه ترق الأشربة فيسوغ شربها، وبه تطفأ عاذبة النار، وإذا وقع فيها فلا تلتهب فيه إذا ما أشرف الناس منها على ما يكرهون، وبه تزول الغصّة إذا أشرف صاحبها على الموت، وبه يُغتسل التعب فيجد صاحبه الراحة لوقته، وبه تستقيم المطبوخات، وجميع الأشياء التي لا تستعمل ولا تصلح إلا رطبة، إلى غير ذلك من مآرب العباد التي لا غنى لهم عنها.

فانظر في عموم هذه النعمة، وسهولة تناولها مع الغفلة عن قدرها، ومع شدة الحاجة إليها، فلو ضاقت لكدرت الحياة في الدنيا، فعُلم بهذا أن الله تبارك وتعالى أراد بإنزاله وتيسيره عمارة الدنيا بما فيها من حيوان ونبات ومعدن، إلى غير ذلك من المنافع التي يقصر عنها لمن يروم حصرها، فسبحان المتفضل العظيم.

  1. [1] الآية 30 من سورة الأنبياء.
  2. [2] الآية 60 من سورة النمل.
الباب السادس: حكمة خلق الماء
 
Top