الباب السابع: حكمة خلق الهواء

صفحة 38

الباب السابع: في حكمة خلق الهواء

قال الله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ}.[1]

اعلم رحمك الله أن الهواء في خلقه تتخلله الرياح، ولولا ذلك لهلك جميع حيوان البر، وباستنشاقه تعتدل الحرارة في أجسام جميع الحيوانات، لأنه لهم مثل الماء لحيوان البحر، فلو انقطع عن الحيوان استنشاقه لانصرفت الحرارة التي في الحيوانات إلى قلبها، فكان هلاكها بسبب ذلك.

ثم انظر إلى الحكمة في سَوْقِ السحاب به، فيقطع المطر بانتقال السحاب إلى موضع يُحتاج إلى المطر فيها للزراعة، فلولا لطف الباري بخلق الرياح لثقلت السحاب وبقيت راكدة في أماكنها، وامتنع انتفاع الأرض بها.

صفحة 39

ثم انظر كيف تسير السفن بها، وتنتقل بحدوثها وهبوبها، فتحمل ما فيها من أقاليم إلى أقاليم مما لم يخلق تلك الأشياء فيها، فينتفع أهلها بها، فلولا تنقلها بالهواء لم تكن تلك الأشياء إلا بمواضعها التي خلقت فيها خاصة، ولعسُر نقلها بالدواب إلى غيرها من الأقاليم، وللعباد ضرورات تدعو إلى ما ينقل إليهم مما ليس عندهم، ومنافع يكثر تعدادها من طلب أرباح لمن يجلبها ويعلم فوائدها.

ثم انظر إلى ما في الهواء من اللطافة والحركة التي تتخلل أجزاء العالم، فَيُنَقِّي بحركته عفن الأرض، فلولاه لعفنت المساكن، وهلك الحيوان بالوباء والعلل. ثم انظر إلى ما يحصل منه من النفع في نقل السواقي والرمال إلى البساتين، وتقوية أشجارها بما ينتقل إليها من التراب بسبب حركة الهواء، وتستر وجوه جبال بالسافي، فيمكن الزراعة فيه، وما فضل إلى السواحل مما ينتفع الناس بسببه، وكل ذلك بحركة البحر بالهواء، فيقذف البحر العنبر وغيره، مما ينتفع به العباد في أمورهم.

ثم انظر كيف يتفرق المطر بسبب حركة الهواء، فيقع على الأرض قطرات، فلولا حركة الهواء لكان الماء عند نزوله ينزل انصبابةً واحدةً فيهلك ما يقع عليه، ثم يجتمع بلل القطرات فيجتمع أنهاراً وبحاراً على وجه الأرض من غير تضرر، ويحصل بذلك مقصودهم على أحسن وجه، فانظر إلى أثر رحمة الله، فسبحان اللطيف بخلقه، المدبِّر لملكه. ثم انظر إلى عموم هذه الرحمة وعظيم نفعها، وشمول هذه النعمة وجليل قدرها، كما نبه العقول عليها بقوله تعالى:

صفحة 40

{هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ . يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.[2]

ثم من تمام النعمة وعظيم الحكمة أن جعل سبحانه الصحو يتخلل نزول الغيث، فصارا يتعاقبان لما فيه صلاح هذا العالم، فلو دام واحد منهما عليه لكان فساداً، ألا ترى إلى الأمطار إذا توالت وكثرت عفنت البقول والخضراوات، وهدمت المساكن والبيوت، وقطعت السبل ومنعت من الأسفار، وكثير من الحرف والصناعات، ولو دام الصحو لجفت الأبدان والنبات، وعفن الماء الذي في العيون والأودية، فأضر ذلك بالعباد، وغلب اليبس على الهواء فأحدث ضرراً آخر من الأمراض، وَغَلَتْ بسببه الأقوات، وبطل المرعى، وتعذر على النحل ما يجدونه من الرطوبة التي يرعاها على الأزهار.

وإذا تعاقبا – للصحو والمطر – على العالم اعتدل الهواء، ودفع كل منهما ضرر الآخر، فصلحت الأشياء واستقامت، وهذا هو الغالب من مشيئة الله. فإن قيل: قد يقع من أحدهما ضرر في بعض الأوقات، قلنا: قد يكون ذلك لتنبيه الإنسان بتضاد الأشياء على نعمة الله وفضله ورحمته وأنه هو الغالب، فيتحصَّل لهم بذلك انزجار عن الظلم والعصيان، ألا ترى من سقم جسمه احتاج إلى ما يلائمه من

صفحة 41

الأدوية البَشِعَةِ الكريهة ليصلح جسمه، ويصح ما يفسد منه، قال الله تعالى: {وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ}.[3]

  1. [1] الآية 22/ من سورة الحجر.
  2. [2] الآيتان 10 و11/ من سورة النمل.
  3. [3] الآية 27/ من سورة الشورى.
الباب السابع: حكمة خلق الهواء
 
Top