الباب الرابع عشر: حكمة خلق النبات وما فيه من عجائب حكمة الله تعالى

صفحة 101

الباب الرابع عشر: في حكمة خلق النبات وما فيه من عجائب حكمة الله تعالى

قال الله تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ}.[1]

انظر وفقك الله وسددك إلى ما على وجه الأرض من النبات، وما في منظره من النعم، في حسن منظره وبهجته ونضارته التي لا يعدلها شيء من مناظر الأرض.

ثم انظر إلى ما جعل الباري فيه من ضروب المنافع والمطاعم والروائح والمآرب التي لا تحصى، وخلق فيه من الحب والنوى لحفظ أنواع النبات، وجعل الثمار للغذاء والتفكه، والأتبان للعلف والرعي، والحطب للوقود، والأخشاب للعمارة وإنشاء السفن، ولغير ذلك من

صفحة 102

الأعمال التي يطول تعدادها. والورق والأزهار، والأصول والعروق، والفروع والصموغ، لضروب من المصالح لا تحصى: أرأيت لو وجدت الثمار مجموعة من الأرض، ولم تكن تنبت على هذه السوق الحاملة لها؟ لكان يحصل من الخلل في عدم الأخشاب والحطب والأتبان وسائر المنافع ما لا يُعَدُّ، وإن وجد الغذاء بالثمرات والتفكه بها.

ثم انظر ما جعل الله فيها من البركات حتى صارت الحبة الواحدة تخلف مائة حبة، وأكثر من ذلك وأقل، والحكمة في زيادتها وبركتها حصول الاقتيات، وما فضل ادخر للأمور المهمة والزراعات، وذلك في المثال كملك أراد عمارة بلدة، فأعطى أهلها من البذر ما يبذرونه، وفضلة يتقوَّتون بها إلى إدراك زرعهم، فهذه هي الحكمة التي أعمّ الله بها البلاد وأصلح بها العباد. وكذلك الشجر والنخل يزكو وتتضاعف ثمراتها حتى يكون من الحبة الواحدة الشيء العظيم، ليكون فيه ما يأكله العباد، ويصرفونه في مآربهم، ويفضل منه ما يدخر ويُغرس فيدوم جنسه ويؤمن انقطاعه، ولولا نموه وبقاء ما يخلفه لكان ما أصابته جائحة ينقطع فلا يوجد ما يخلفه.

تأمل هذه الحبوب، فإنها تخرج في أوعية تشبه الخرائط، لتصونها وتحفظها إلى أن تشتد وتستحكم كما تخلق المشيمة على الجنين، فأما البذر وما أشبهه من الحبوب فإنه يخرج من قشور صلبة، على رؤوسها أمثال الأسنة ليمنع من الطير. فانظر كيف حصنت الحبوب بهذه الحصون، وحجبت لئلا يتمكن الطير منها فيصيبها، فهو وإن كان ينال منها قوته، إلا أن حاجة الآدمي أشد وأولى.

صفحة 103

تأمل الحكمة في خلق الشجر وأصناف النبات، فإنها لما كانت محتاجة إلى الغذاء الدائم كحاجة الحيوانات – ولم يخلق فيها حركات تنبعث بها ولا آلات توصل إليها غذاءها – جعلت أصولها مركوزة في الأرض، لتجذب الماء من الأرض، فتغتذي بها أصولها وما علا منها من الأغصان والأوراق والثمار، فصارت الأرض كالأم المربية لها، وصارت أصولها وعروقها كالأفواه الملتقمة لها، وكأنها ترضع لتبلغ منها الغذاء كما يرضع أصناف الحيوان من أمهاتها. ألم تر إلى عمد الخيم والفسطاط كيف يمتد بالأطناب من كل جانب ليثبت منصبته فلا يسقط ولا يميل، فهكذا أمر النبات كله، له عروق منتشرة في الأرض، ممتدة إلى كل جانب تمسكه وتقيمه، ولولا ذلك لم تثبت الأشجار العالية، لا سيما في الرياح العاصفة، فانظر إلى حكمة الخالق كيف سبقت حكمة الصناعة، واقتدى الناس في أعمالهم بحكمة الله في مصنوعاته.

تأمل خلق الورق، فإنك ترى في الورقة شبه العروق مبثوثة، فمنها غلاظ ممتدة في طولها وعرضها، ومنها دقاق تتخلل تلك الغلاظ، منسوجاً نسجاً دقيقاً عجيباً، لو كان مما يصنع بأيدي البشر لما فرغ من ورق شجرة واحدة إلا في مدة طويلة، وكان يحتاج فيه إلى آلات وطول علاج، فانظر كيف يخرج منه في المدة القليلة ما يملأ السهل والجبال وبقاع الأرض بغير آلة وحركة، إلا قدرة الباري وإرادته وحكمته.

ثم انظر إلى العجم والنوى والعلة فيه، فإنه جعل في جوف الثمرة ليقوم مقامها إذا عدم ما يغرس أو عاقه سبب، فصار ذلك كالشيء النفيس الذي يخزن في مواضع شتى لعظم الحاجة إليه، فإن حدث

صفحة 104

لما في بعض المواضع منه حادث وجد منه في موضع آخر، ثم في صلابته يمسك رخاوة الثمار ورقتها، ولولاه لسرحت وسرح الفساد إليها قبل إدراكها، وفي بعضها حب يؤكل وينتفع بدهنه ويستعمل في مصالح شتى.

ثم انظر إلى ما خلق الله تعالى فوق النواة من الرطب، وفوق العجم من العنبة والهيئة التي تخرج عليها، وما في ذلك من الطعم واللذة والاستمتاع للعباد، ثم تأمل خلق الحب والنوى وما أودع فيه من قوة وعجائب، كالمودع في الماء الذي يخلق منه الحيوان، وهو سر لا يعلم حقيقته إلا الله سبحانه، وما علم من ذلك يطول شرحه.

ثم انظر كيف حفظ الحب والنوى بصلابته، وخلقت في ظاهره قشرة، حتى أنه بسبب ذلك إن سقط في تراب أو غيره لا يفسده سريعاً، وإذا ادخر لوقت الزراعة بقي محفوظاً، فصار قشره الخارج حافظاً لما في باطنه بمنزلة شيء نفيس عمل له صندوق يحفظه، وعندما يوضع في الأرض ويُسقى يخرج منه عرق في النوى وغصن في الهواء، وكلما ازداد غصناً ازداد عرقاً يتقوى به أصل الشجرة، وينصرف الغذاء منه إلى الغصن، فهي كذلك إذ يُتم غصنها قوتها، فتكون الفروع محفوظة عن السقوط بالهواء، والانكسار بالنقل أو بغيره، ويصعد الماء في جذورها إلى أعالي الشجرة، فيقسمه الله سبحانه بالقسط وميزان الحق، فينصرف للورق غذاء صالح له وللعروق المشتبكة في الأوراق، وإلى جوانب الورق ما يليق بغذائها، وللثمار غذاء صالح لها، وللأقماع والأزهار غذاء صالح،

صفحة 105

ولكل من ذلك ما يليق به ويصلحه، فهو كذلك حتى يكمل في الثمار نموها وطعمها، ورائحتها وألوانها المختلفة، وحلاوتها وطيبها.

ثم انظر كيف جعل الله سبحانه خروج الأوراق سابقاً لخروج الثمار، لأن الثمرة ضعيفة عند خروجها، تتضرر بحرّ الشمس وبرد الهواء، فكانت الأوراق ساترةً لها، وصار ما بينها من الفُرَجِ لدخول أجزاء من الشمس والهواء لا غنى عنها، فيحفظها من المن والعفن، وغير ذلك من الفساد.

ثم انظر كيف رتب الباري سبحانه الأشجار والثمار والأزهار، وجعلها مختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح، فأشكالها ما بين طويل وقصير، وجليل وحقير، وألوانها ما بين أحمر وأبيض، وأصفر وأخضر، ثم كل لون منها مختلف إلى شديد وصاف ومتوسط. وطعومها ما بين حلو حامض، ومزّ ومرّ. وروائحها متنوِّعة إلى عطرات لذيذات مختلفات. وقد أوضح الكتاب العزيز من ذلك ما ذكرناه بما يشرح الصدور، ويكشف للمتأمل منه كل مستور.

فانظر ما أودع الباري سبحانه فيها من السر عند النظر إليها، فإنها تجلي عن القلوب درنها عند مشاهدتها، وتنشرح الصدور برؤيتها، وتنتعش النفوس لرونق بهجتها. وأودع الله فيها منافع لا تحصى مختلفة التأثير، فمنها ما تقوى به القلوب، ومنها أغذية تحفظ الحياة، وجعلها مطعومة لذيذة عند تناولها، وخلق فيها بذوراً لحفظ نوعها، تزرع عند جفافها وانفصال وقت نضارتها.

انظر وتأمل في قوله عز وجل: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ

صفحة 106

سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ}[2] فأخرج سبحانه فيما بين الحجر والماء زيتاً صافياً لذيذاً نافعاً، كما أخرج اللبن من بين فرثٍ ودم، وأخرج من النحل شراباً عسلاً مختلفاً ألوانه فيه شفاء للناس، ولو جمعت هذه الأشياء في مستقر لكانت مثل الأنهار، وكل ذلك لمنافع العباد. فانظر ما في ذلك من العبرة لذوي الأفكار. ثم انظر إلى الماء الصاعد من العروق الراسخة الحافظة للأعلى من الشجرة، وكيف قسم الباري في غذاء النخلة، فقسم للجذور ما يصلح لها، وللجريد وما فيه من السل ما يصلح لها ويناسب جريدها، ويرسل للثمرة ما يليق بها، وكذلك الليف الحافظ للأصول مع الثمرة. وجعل الثمرة – لما كانت ضعيفة في أول أمرها – متراصة متراكمة بعضها فوق بعض، مجموعة في غلاف متقن يحفظها مما يفسدها ويغيرها، حتى إذا قويت صلحت أن تبرز للشمس والهواء، فانشق عنها غلافها على التدريج، وهو الذي كان حافظاً لها، فيصير يفترق شيئاً بعد شيء على قدر ما تحتمله الثمرة من الهواء والشمس حتى تكتمل قوتها، فتظهر جميعها حتى لا يضرّ بها ما يلقاها من حر وبرد، ثم تراها في النضج والطيب إلى بلوغ الغاية المقصودة منها، فيلتذ حينئذ بأكلها، ويمكن الانتفاع بادخارها، وتصرَف في المآرب التي هيئت لها، واعتبر ذلك في جميع الأشجار، فإنك ترى فيها من أسباب الحفظ ولطائف الصنع ما يَعتبرُ به كل ذي فهم ولب. فمن ذلك: خلق الرمانة وما فيها من غرائب التدبير، فإنك ترى فيها شحماً مركوماً في نواحيها، غليظ الأسفل، رقيق الأعلى، كأمثال التلال في تلوينه، أو البناء الذي وسع أسفله للاستقرار،

صفحة 107

ورفق أعلاه حتى صار مرصوفاً رصفاً كأنه منضّد بالأيدي، بل تعجز الأيدي عن ذلك التداخل الذي نظم حبها في الشحم المذكور، وتراه مقسوماً أقساماً، وكل قسم منه مقسوم بلفائف رقيقة منسوجة أعجب نسج وألطفه، لتحجب حبها حتى لا يلتقي بعضه ببعض فيفسد ولا يلحق البلوغ والنهاية، وعليها قشر غليظ يجمع ذلك كله.

ومن حكمة هذه الصفة: أن حبها لو كان حشوها منه صِرْفاً بغير حواجز لم يمد بعضه بعضاً في الغذاء، فجعل ذلك الشحم خلاله ليمده بالغذاء. ألا ترى أصول الحب كيف هي مركوزة في ذلك الشحم؟ ممدودة منه بعروق رقاق توصل إلى الحب غذاءها، ومن رقها وضعفها لا تكدر على الأكل ولا تعرف بها.

ثم انظر ما يصير من الحلاوة في الحب من أصول مُرّة شديدة المرارة قابضة، ثم تلك اللفائف على الحب تمسكه عن الاضطراب وتحفظه، ثم حَفِظَ الجميع وغشاه بقشر صلب، شديد القبض والمرارة، وقاية له من الآفات، فإن هذا النوع من النبات للعباد به انتفاعات، وهو ما بين غذاء ودواء، وتدعو الحاجة إليه في غير زمانه الذي يُجنى فيه من شجره، فحفظ على هذه الصنعة لذلك.

انظر إلى عود الرمانة التي هي متعلقة به، كيف خلق مثبتاً متقناً حتى تستكمل خلقها، فلا تسقط قبل بلوغها الغاية ويُحتاج إليها، وهي الثمرة المختصة بالإنسان دون غيره من الحيوان.

انظر إلى النبات الممتد على وجه الأرض مثل البطيخ واليقطين وما أشبه ذلك، وما فيه من التدبير، فإنه لما كان عود هذا النبات رقيقاً

صفحة 108

رياناً ذا احتياج إلى الماء ولا ينبت إلا به، جعل ما ينبت به منبسطاً على وجه الأرض، فلو كان منتصباً قائماً كغيره من الشجر لما استطاع حمل هذه الثمار مع طراوة عودها ولينها، فكانت تسقط قبل بلوغها وبلوغ غاياتها، فهي تمتد على وجه الأرض لبلوغ الغاية، وتحمل الأرض عودها وأصل الشجرة، والسقي يمدها.

وانظر هذه الأصناف كيف لا تُخلق إلا في الزمن الصالح لها ولمن تناولها، فهي له معونة عند الحاجة إليها، ولو أتت في زمان البرد لنفرت النفوس عنها، ولأضرّت بأكثر من يأكلها.

ثم انظر إلى النخل لما كانت الأنثى منه تحتاج إلى التلقيح، خلق فيها الذكر الذي تحتاج إليه لذلك، حتى صار الذكر في النخل كأنه الذكر في الحيوان، وذلك ليتم خلق ما بزراعته تحفظ أصول هذا النوع.

ثم انظر ما في النبات من العقاقير النافعة البديعة، فواحد يغور في البدن فيستخرج الفضلات الغليظة، وآخر لإخراج المرة السوداء، وآخر للبلغم، وآخر للصفراء، وآخر لتصريف الريح، وآخر لشد البطن في الطبيعة، وآخر للإسهال، وآخر للقيء، وآخر لروائحه، وآخر للمرضى والضعفاء، وكل ذلك من الماء، فسبحان من دبّر مُلكه بأحسن التدبير.

  1. [1] الآية 60/ من سورة النمل.
  2. [2] الآية 20/ من سورة المؤمنون.
الباب الرابع عشر: حكمة خلق النبات وما فيه من عجائب حكمة الله تعالى
 
Top