الباب الرابع: حكمة خلق الأرض

صفحة 27

الباب الرابع: في حكمة خلق الأرض

قال الله تعالى: {وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ}[1] وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ}.[2]

فانظر كيف جعل الله الأرض مهاداً، ليستقر عليها الحيوان، فإنه لا بد له من مستقَر، ولا غنى له عن قوت، فجميع الأرض محل للنبات لقوته، ومسكن يكنه من الحر والبرد، ومدفن يدفن فيه ما تؤذي رائحته والجيف والأقذار من أجسام بني آدم وغيرها، كما قال سبحانه: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا . أَحْيَاءً ‎وَأَمْوَاتًا}[3] وقيل في تفسير هذه الآية هذا القول وغيره.[4]

ثم ذلل طرقها لينتقِل فيها الخلقُ لطلب مآربهم، فهي موضوعة

صفحة 28

لبقاء النسل من جميع أصناف الحيوان، والحرث، والنبات. وجعل فيها الاستقرار والثبات، كما نبه على ذلك سبحانه وتعالى بقوله: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا . وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا . مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}.[5] فأمكن الخلائق بهذا: السفر فيها في مآربهم، والجلوس لراحتهم، والنوم لهدوئهم، والانتقال لأعمالهم، فإنها لو كانت رجراجة لم يستطيعوا أن يتقنوا شيئاً من النبات وجميع الصناعات، وكانوا لا يتهنون بالعيش والأرض ترتجّ بهم من تحتهم، واعتبر ذلك بما يصيب الناس في الزلازل، ترهيباً للخلق، وتخويفاً لهم، لعلهم يتقون الله، وينزعون عن الظلم والعصيان، فهذا أيضاً من الحكمة البالغة.

ثم إن الأرض طبعها الله باردة يابسة بقدر مخصوص، أرأيت لو أفرط اليبس عليها حتى تكون بجملتها حجراً صلداً لما كانت تنبت هذا النبات الذي به حياة الحيوانات، ولا كان فيها حرث ولا بناء، فجعل لينها لتتهيأ لهذه الأعمال.

ومن الحكمة في خلقها ووضعها أن جعل مهب الشمال أرفع من الجنوب، لينحدر الماء على وجه الأرض، فيسقيها ويرويها، ثم يصير إلى البحر في آخر الأمر، فاشتبه ذلك ما إذا رفع أحد جانبي السطح وخفض الآخر لينحدر الماء عنه، ولولا ذلك لبقي الماء مستبحراً على وجه الأرض، فيمتنع الناس من أعمالهم، وتنقطع الطرق والمسالك بسبب ذلك.

صفحة 29

انظر إلى ما خلق الله من المعادن، وما يخرج منها من أنواع الجواهر المختلفة في منافعها وألوانها، مثل الذهب والفضة، والياقوت والزمرد، والبَسَنفَش، وأشياء كثيرة من هذه الأحجار الشفافة المختلفة في ألوانها، وأنواع أخرى، مما يصلح للأعمال والجمال، كالحديد والنحاس، والقزدير والرصاص، والكبريت والزرنيخ، والتوتيا والرخام، والجبس والنفط، وأنواع لو عُدِّدَتْ لطال ذكرها، وهو مما ينتفع به الناس وينصرف فيما يصلحهم. فهذه نعم يسَّرها سبحانه لهم لعمارة هذه الدار.

ثم انظر إلى إرادة إجادة عمارتها وانتفاع العباد فيها، يجعلها هشة سهلة، بخلاف ما لو كانت على نحو خلق الجبال، فلو يبست كذلك لتعذرت، فإن الحرث لا يستقيم إلا مع رخو الأرض لزراعة الأقوات والثمر، وإلا فلا يتعدى الماء إذا صلبت إلى الحب، مع أن الحب لا يمكن دفنه إلا بعد أن تلين الأرض بالنداوة، ويمكن إذ ذاك عملها وتحريكها حتى تشرب ما ينزل عليها من الماء، فيخلق الله سبحانه عند ذلك العروق متلبسة بالثرى، حتى يقف الشجر والنبات على ساقه، وقد جعل ما يخلق من العروق يوازن ما يخلق من الفروع.

ومن رحمته في لينها أن يسَّر للناس حفر الآبار في المواضع المحتاجة إلى ذلك، إذ لو حفرت في الجبال لصعب الأمر وشق. ومن الحكمة في لينها تيسير السير للسُّعاة فيها، إذ لو صلبت لعسر السير ولم تظهر الطرق، وقد نبه الله تبارك وتعالى على ذلك بقوله: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا

صفحة 30

مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}،[6] وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ}.[7] ومن ذلك ما يستعين به العباد من ترابها ولينها في البناء، وعمل اللَّبِنِ وأواني الفخار، وغير ذلك. والمواضع التي ينبت فيها الملح والشب، والبورق والكبريت، أكثرها تربة رخوة، وأيضاً أجناس من النبات لا يوجد إلا في التراب والرمل دون الأرض المَحِلة.[8] ويخلق فيها كثير من الحيوان لسهولة صغرها، فيتخذون فيها مسارب[9] وبيوتاً يأوون إليها.

ومن الحكمة فيها خلق المعادن كما ذكرنا، فقد امتنَّ الله سبحانه على سليمان عليه السلام بقوله: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ}،[10] أي سهلت له الانتفاع بالنحاس، وأطلعناه على معدنه، وقال امتناناً على عباده: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}[11] والنزول بمعنى الخلق كما قال سبحانه: {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ}[12] أي وَخَلَقَ. وقد ألهمهم استخراج ما فيها من ذهب وفضة وغير ذلك، لمنافعهم وما يحتاجون إليه في معاشهم، وفي اتخاذ أوانيهم، وفي ضبطها ما يحتاجون إلى ضبطه وتقويته، واتخاذ أنواع من الحجارة

صفحة 31

النفيسة لتبقى فيها كالزجاج، ويتخذون منها أواني لحفظ ما يحصل فيها من الأمور النفيسة لتبقى فيها سليمة لوقت الاحتياج إليها، إذ لا غنى لهم عنها، وكذلك يستخرج من المعادن الأكحال، مثل (الدهبنج والمرفنعنا) والسادن، والتوتيا، وغير ذلك من أصناف ينتفعون بها، فسبحان المنعم الكريم.

ومن الحكمة البالغة فيها خلق الجبال، قال الله تعالى: {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا}[13] وقال تعالى: {وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ}[14] وقال سبحانه: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ}.[15] فقد خلق سبحانه فيها الجبال لمنافع متعددة، لا يحيط بجميعها إلا الله، فمن ذلك: أن الله تعالى أنزل من السماء المياه ليُحيي بها العباد والبلاد، فلو كانت الأرض عارية عن الجبال لحكم عليها الهواء وحر الشمس مع رخو الأرض، فكانوا لا يجدون المياه إلا بعد حفر وتعب ومشقة، فجعل سبحانه الجبال لتستقر في بطونها المياه، وتخرج منها أولاً بأول، فتكون منها عيون وأنهار وبحار، يرتوي بها العباد في أيام القَيظ إلى أوان نزول غَيث السماء. وفي الجبال ما ليس في باطنها محل للمياه، فجعل سبحانه الثلج محفوظاً على ظاهرها إلى أن يحله حر الشمس، فيكون منه أنهارٌ وَسَوَاقٍ يُنْتَفَعُ بها إلى أوان نزول الغيث أيضاً. ومنها ما يكون فيه برك يستقر فيها الماء، فيؤخذ منها وينتفع به.

صفحة 32

ومن منافع الجبال ما ينبت فيها من أنواع الأشجار والعقاقير التي لا توجد إلا فيها، وما ينبت فيها من أنواع الأخشاب العظيمة، فيُعمل منها السفن، وتعمر منها المساكن، وفيها الشَّعار[16] التي لا يوجد ما يعظم من الأخشاب إلا فيها، وكذلك العقاقير أكثرها لا يوجد إلا بها.

وفيها وِهاد تنبت مزارع للأنعام، ومزارع لبني آدم، ومساكن للوحوش، ومواضع لأجل النحل. ومن منافع الجبال ما يتخذه العباد من المساكن تقيهم الحر والبرد، ويتخذون مدافن لحفظ جثث الموتى، وقد ذكر الله ذلك فقال: {وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ}.[17] ومن فوائد الجبال أن جُعلت أعلاماً يستدل بها المسافرون على الطرقات في نواحي الأرض، ويستدل بها المسافرون في البحار على الموانئ والسواحل، ومن فوائدها أن الفئة القليلة الخائفة من عدوان من تطيقه تتخذ عليها ما يحصنهم ويؤمنهم، ويمنعها ممن تخافه فتطمئن لذلك.

ثم انظر كيف خلق الله فيها الذهب والفضة، وقدرهما بتقدير مخصوص، ولم يجعل ذلك ميسراً في الوجود والقدر مع سعة قدرته وشمول نعمته، كما جعل هذه السعة في المياه، وما ذلك إلا لما سبق في علمه لخلائقه مما هو الأصلح كما أشار إلى ذلك بقوله سبحانه: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}.[18] فسبحان العليم الحكيم.

  1. [1] الآية 48/ من سورة الذاريات.
  2. [2] الآية 16/ من سورة الأنبياء.
  3. [3] الآية 25/ من سورة المرسلات.
  4. [4] (الكفات) من كفت الشيء إذا ضمه وجمعه، والمعنى في الآية: أنها تكفت أحياء على ظهرها وأمواتاً في بطنها (تفسير الكشاف 4/ 203، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/ 460).
  5. [5] الآيات 30-33/ من سورة النازعات.
  6. [6] الآية 15/ من سورة الملك.
  7. [7] الآية 31/ من سورة الأنبياء.
  8. [8] يقال أرض (محلة) أي مجدبة ليس فيها مرعى ولا كلأ (البستان معجم لغوي لعبد الله البستاني/ 2237).
  9. [9] (المسارب) جمع، ومفرده سرب وهو الطريق (المصباح المنير للمقري/ 124).
  10. [10] الآية 12/ من سورة سبأ.
  11. [11] الآية 25/ من سورة الحديد.
  12. [12] الآية 6/ من سورة الزمر.
  13. [13] الآية 32/ من سورة النازعات.
  14. [14] الآية 15/ من سورة النحل.
  15. [15] الآية 18/ من سورة المؤمنون.
  16. [16] (الشعار) بالفتح كثرة الشجر بالأرض (المصباح المنير للمقري 1/ 143).
  17. [17] الآية 82/ من سورة الحجر.
  18. [18] الآية 21/ من سورة الحجر.
الباب الرابع: حكمة خلق الأرض
 
Top