الباب الخامس عشر: فيما تستشعر به القلوب من العظمة لعلام الغيوب

صفحة 109

الباب الخامس عشر: فيما تستشعر به القلوب من العظمة لعلام الغيوب

قال الله العظيم: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}.[1] وقال تعالى: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ ۚ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.[2] وقال تعالى: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ}.[3]

اعلم وفقنا الله وإياك أن جميع ما تقدم ذكره في هذا الكتاب من بدائع الخلق وعجائب الصنع، وما ظهر في مخلوقاته من الحكم آياتٌ

صفحة 110

بينات، وبراهين واضحة، ودلائل دالات على جلال باريها وقدرته، ونفوذ مشيئته وظهور عظمته، فإنك إذا نظرت إلى ما هو أدنى إليك وهي نفسك، رأيت فيها من العجائب والآيات ما سبق التنبيه عليه وأعظم منه، وكذلك إذا نظرت إلى مستقرك وهو الأرض، وأجلت فكرك فيها، وأطلت النظر في استرسال ذهنك فيما جعل فيها وعليها من جبال شامخات، وما أحيط بها من بحار زاخرات، وما جرى فيها من الأنهار، وما انبث فيها من أصناف النباتات والأشجار، وما بُثَّ فيها من الدواب، إلى غير ذلك مما يعتبر به أولو الألباب.

ثم إذا نظرتَ إلى سعتها، وبعد أكنافها، وعلمت عجز الخلائق عن الإحاطة بجميع جهاتها وأطرافها، ثم إذا نظرت فيما ذكرته العلماء من نسبة هذا الخلق العظيم إلى السماء، وأن الأرض وما فيها بالنسبة إلى السماء كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وما ذكره النظار من أن الشمس في قدرها تزيد على قدر الأرض مائة ونيفاً وستين جزءاً، وأن من الكواكب ما يزيد عن الأرض مائة مرة. ثم إنك ترى هذه النيرات كلها من شمس وقمر ونجوم قد حَوَتْ السماوات، وهي مركوزة فيها، ففكر في السماء الحاوية لهذا القدر العظيم كيف يكون قدرها؟

ثم انظر كيف ترى الشمس والقمر والنجوم والسماء الجامعة لذلك في حدقة عينك مع صغرها، وبهذا تعرف بُعْدَ هذا كله منك، وعظم حركتها وأنت لا تحس بها ولا تدركها لبعدها، ثم إنك لا تشك أن الفلك يسير في لحظة قدر كوكب، فيكون سيره في لحظة قدر الأرض مائة مرة أو أكثر من ذلك، وأنت غافل عن ذلك.

صفحة 111

ثم فكّر في عظم قدر هذه الأشياء، واسمع قسم الرب سبحانه بها في مواضع من الكتاب العزيز، فقال عز وجل: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ}.[4] وقال: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ . النَّجْمُ الثَّاقِبُ}.[5] وقال: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ . وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ}.[6] إلى غير ذلك من الآي.

ثم ترقّ بنظرك إلى ما حواه العالم العلوي من الملائكة وما فيها من الخلق العظيم، وما أخبر به جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم عن إسرافيل عليه السلام، يقول جبريل: (فكيف لو رأيت إسرافيل؟ وإن العرش لعلى كاهله، وإن رجله لفي تخوم الأرض السفلى)، وأعظم من هذا كله قوله عز وجل: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}.[7] فما ظنك بمخلوق وسع هذا الأمر العظيم؟ فارفع نظرك إلى بارئ هذا العظيم، واستدل بهذا الخلق العظيم على قدر هذا الخالق العظيم، وعلى جلاله وقدرته وعلمه، ونفوذ مشيئته، وإتقان حكمته في بَرِيَّتِهِ.

وانظر كيف جميع هذا الصنع العظيم ممسوك بغير عمد تُقِلُّهُ، ولا علائق من فوقه ترفعه وتثبته، فمن نظر في ملكوت السماوات والأرض، ونظر في ذلك بعقله ولبه، استفاد بذلك المعرفة بربه، والتعظيم لأمره، وليس للمتفكرين إلى غير ذلك سبيل، وكلما رَدَّدَ العقلُ الموفق النظرَ والتفكر في عجائب الصنع وبدائع الخلق ازداد معرفة

صفحة 112

ويقيناً، وإذعاناً لبارئه وتعظيماً. ثم الخلق في ذلك متفاوتون، فَكُلُّ مثال على ذلك على حسب ما وهبه له من نور العقل ونور الهداية، وأعظم شيء موصل إلى هذه الفوائد المشار إليها تلاوة الكتاب العزيز، وتفهم ما ورد فيه وتدبّر آياته، مع ملازمة تقوى الله سبحانه. فهذا هو باب المعرفة بالله، واليقين بما عند الله.

ثم انظر وتأمل ما نُشير إليه، فإنك علمت على الجملة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسري به إلى أن بلغ سدرة المنتهى، ورأى من آيات ربه الكبرى، واطَّلع على ملكوت ربه، وتحقق أمر الآخرة والأولى، ثم دنا حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فما ظنك بِعِلْمِ من شَرُفَ بهذا المعنى، ثم أُمِرَ بأن يقول: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}.[8] علَّمك الله بمعرفته، وَمَنَّ عليك بنور هدايته، واستعملَنا وإياك بطاعته، وجعلنا بكرمه أجمعين من أهل ولايته، بمنِّه وكرمه وجوده، إنه وليُّ ذلك.

والحمد لله رب العالمين.

  1. [1] الآية 44/ من سورة الإسراء.
  2. [2] الآية 5/ من سورة الشورى.
  3. [3] الآية 13/ من سورة الرعد.
  4. [4] الآية 1/ من سورة البروج.
  5. [5] الآية 1-3/ من سورة الطارق.
  6. [6] الآية 75/ من سورة الواقعة.
  7. [7] الآية 255/ من سورة البقرة.
  8. [8] الآية 114/ من سورة طه.
الباب الخامس عشر: فيما تستشعر به القلوب من العظمة لعلام الغيوب
 
Top