الباب الخامس: حكمة خلق البحر

صفحة 33

الباب الخامس: في حكمة خلق البحر

قال الله تبارك وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.[1]

اعلم رحمك الله: أن الله سبحانه وتعالى خلق البحار وأوسع فيها لعظم نفعها، فجعلها مكتنفةً لأقطار الأرض التي هي قطعة من الأرض المستورة بالبحر الأعظم المحيط بجميع الأرض، حتى أن المكشوف من البراري والجبال عن الماء بالإضافة إلى الماء كربوة صغيرة في بحر عظيم، فاعلم أن ما يخلق في الأرض من الحيوان بالإضافة إلى ما خلق في البحر كإضافة الأرض إلى البحر، وقد شاهدت عجائب ما هو مكشوف منها، فتأمل عجائب البحر فإن فيه من الحيوان والجواهر والطيب أضعاف ما تشاهده على وجه الأرض، كما أن سعته أضعاف سعة الأرض، ولعظم سعته كان فيه من الحيوانات والدواب العظيمة ما إذا

صفحة 34

أبدت ظهورها على وجه البحر ظن من يراها أنها حشاف[2] وجبال أو جزائر.

وما من صنف من أصناف حيوان البر من إنسانٍ، وطائر، وفرس، وبقر، وغير ذلك إلا وفي البحر أمثالها وأضعافها. وفيه أجناس من الحيوانات لم تعهد أمثالها في البر، وكل منها قد دبره البارئ سبحانه، وخلق فيه ما يحتاجه ويصلحه، ولو استُقصي ذكر ما يحتويه بعضه لاحتاج إلى وضع مجلدات.

ثم انظر كيف خلق الله اللؤلؤ مدوراً في صدف تحت الماء، وأثبت المرجان في جنح صخور في البحر، فقال سبحانه: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ}[3] وذلك في معرض الامتنان، وقيل: المرجان المذكور في القرآن هو الرقيق من اللؤلؤ، ثم قال: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}،[4] وآلاؤه: تفضله وَنِعَمُهُ.

ثم انظر ما يقذفه من العنبر وغيره من المنفوع، ثم انظر إلى عجائب السفن، وكيف مسكها على وجه الماء تسير فيها العباد لطلب الأموال، وتحصيل ما لهم من الأغراض، وجعلها من آياته ونعمته، فقال سبحانه:

صفحة 35

{وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ}.[5] فجعلها بتسخيره تحملهم وتحمل أثقالهم، وينتقلون بها من أقاليم إلى أقاليم لا يمكن وصولهم إليها إلا بالسفن، ولو راموا التوصل بغيرها لأدى إلى أعظم المشقات، وعجزوا عن نقل ما ينقل من المنقولات إلى ما بَعُدَ من البلاد والجهات، فلما أراد الله سبحانه وتعالى أن يلطف بعباده ويهون ذلك عليهم، خلق الأخشاب متخلخلة الأجزاء بالهواء ليحملها الماء، ويبقى فيها من الفضاء عن نفسها ما يحمل به الأثقال، وألهم العباد اتخاذها سفناً، ثم أرسل الرياح بمقادير، في أوقات تسوق السفن وتسيِّرها من موضع إلى موضع آخر، ثم ألهم أربابها معرفة أوقات هبوبها وفترتها، حتى يسيروا بالرياح التي تحمل شراعها.

وانظر إلى ما يسَّره سبحانه في خلقه الماء، إذ هو جسم لطيف رقيق سيَّال متصل الأجزاء كأنه شيء واحد، لطيف التركيب، سريع القبول للتقطع، حتى كأنه منفصل مسخَّر للتصرف، قابل للاتصال والانفصال حتى يمكن سير السفن فيه، فالعجب ممن يغفل عن نعمة الله في هذا كله، وفي بعضه متسع للفكر، وكل ذلك شواهد متظاهرة، ودلائل متضافرة، وآيات ناطقة بلسان حالها، مفصحة عن جلال بارئها، معربة عن كمال قدرته وعجائب حكمته، قائلة: أما ترى تصويري وتركيبي وصفاتي، واختلاف حالي وكثرة فوائدي؟ أيظن ذو لب سليم وعقل رصين أني تلونت بنفسي؟ أو أبدعني أحد من جنسي؟ بل صنع القادر القهار، العزيز الجبار.

  1. [1] الآية 14/ من سورة النحل.
  2. [2] الحشف هو التمر الذي يجف وييبس من غير نضج، فلا يكون له لحم (المصباح المنير للمقري 1/ 64).
  3. [3] الآية 22/ من سورة الرحمن.
  4. [4] الآية 23/ من سورة الرحمن.
  5. [5] الآية 164/ من سورة البقرة.
الباب الخامس: حكمة خلق البحر
 
Top