الباب الثاني عشر: حكمة خلق النحل والنمل والعنكبوت ودود القز والذباب وغير ذلك

صفحة 89

الباب الثاني عشر: في حكمة خلق النحل، والنمل، والعنكبوت، ودود القز، والذباب، وغير ذلك.

قال الله سبحانه وتعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}.[1]

انظر إلى النمل وما أُلهمت له في احتشادها في جمع قوتها وتعاونها على ذلك، وإعدادها لوقت عجزها عن الخروج، والتصرف بسبب حر أو برد. وألهمت في تقلب ذلك من الحزم ما لم يكن عند من يعرف العواقب، حتى تراها في ذلك إذا عجز بعضها عن حمل ما حمله، أو جهد به، أعانه آخر منه، فصارت متعاونة على النقل كما يتعاون الناس على العمل الذي لا يتم إلا بالتعاون، ثم إنها ألهمت حفر بيوت في الأرض، تبتدئ في ذلك بإخراج ترابها، وتقصد إلى الحب الذي فيه قوتها، فتقسمه خشية أن ينبت بنداوة الأرض، فما خلق

صفحة 90

هذا في جبلتها إلا الرحمن الرحيم، ثم إذا أصاب الحَبَّ بللٌ أخرجته فنشرته حتى يجف، ثم إنها لا تتخذ البيوت إلا فيما علا من الأرض خوفاً من السيل أن يغرقها.

ثم انظر إلى النحل وما ألهمت إليه من العجائب والحكم، فإن الباري سبحانه جعل لها رئيساً تتبعه وتهتدي به فيما تناله من أقواتها، فإن ظهر مع الرئيس الذي تتبعه رئيس آخر من جنسه قتل أحدهما الآخر، وذلك لمصلحة ظاهرة وهو خوف الافتراق، لأنهما إذا كانا أميرين وسلك كل منهما فَجّاً افترق النحل خلفهما. ثم إنها ألهمت أن ترعى رطوبات من على الأزهار، فيستحيل في أجوافها عسلاً، فعلم من هذا التسخير ما فيه من مصالح العباد من شراب فيه شفاء للناس كما أخبر سبحانه وتعالى،[2] وفيه غذاء وملاذ للعباد، وفيه من أقوات فضلات عظيمة جعلت لمنافع بني آدم، فهي مثل ما يفضل من اللبن الذي خلق لمصالح أولاد البهائم وأقواتها، وما فضل من ذلك ففيه من البركة والكثرة ما ينتفع به الناس.

ثم انظر إلى ما تحمله النحل من الشمع في أرجلها لتوعي فيه العسل وتحفظه، فلا تكاد تجد وعاءً أحفظ للعسل من الشمع في الأجناح. فانظر في هذه الذبابة، هل في علمها وقُدرتها جمع الشمع مع العسل؟ أو عندها من المعرفة مثل ما للنحل بحيث ترتب حفظ العسل مدة طويلة باستقراره

صفحة 91

في الشمع، وصيانته في الجبال والشجر في المواضع التي تحفظه ولا يفسد فيها. ثم انظر لخروج النحلة نهاراً لرعيها ورجوعها عشية إلى أماكنها، وقد حملت ما يقوم بقوتها ويفضل عنها، ولها في ترتيب بيوتها، ومن الحكمة في بنائها، حافظ لما تلقيه من أجوافها من العسل، ولها جهة أخرى تجعل فيها بُرازها مُباعداً عن مواضع العسل، وفيها غير هذا مما انفرد الله بعلمه.

انظر إلى العنكبوت وما خلق الله فيها من الحكمة، فإن الله خلق في جسدها رطوبة تنسج منها بيتاً لتسكنه، وشركاً لصيدها، فهو مخلوق من جسدها، وجعل الله غذاءها من أقواتها، ينصرف إلى تقويم جسدها، وإلى خلق تلك الرطوبة المذكورة، فتنصبه أبداً مثل الشرك، وفي ركن الشرك بيتها، وتكون سعة بيتها بحيث يغيب شخصها، والشرك من خيوط رقاق تلتف على أرجل الذباب والناموس وما أشبه ذلك، فإذا أحست أن شيئاً من ذلك وقع في شركها خرجت إليه بسرعة، وأخذته محتاطة عليه، ورجعت إلى بيتها فتقتات بما يتيسر لها من رطوبة تلك الحيوانات، وإن كانت مستغنية في ذلك الوقت شكلته وتركته إلى وقت حاجتها. فانظر ما جعل الله فيها من الأسباب لحصول قوتها، فبلغت في ذلك ما يبلغه الإنسان بالفكرة والحيلة، كل ذلك لإصلاحها ونيل قوتها، ولتعلم أن الله هو المدبِّر لهذا.

ثم انظر من العجائب دود القز وما خُلق فيه من الأشياء التي يُتحيَّر منها، ويُذكر الله عند رؤيتها، فإن هذا الدود خلق لمجرد مصلحة الإنسان ومنافعه، فإن هذا الحيوان يخلق من جسمه الحرير،

صفحة 92

وذلك أن صورة البزر تحضن، حتى إذا أحمى عاد دوداً كالذر، فيوضع هذا الدود على ورق التوت فيتغذى منه، فلا يزال يرعى منه حتى يكتمل جسمه فينبعث إلى عزل نفسه في جوز الحرير، فلا يزال كذلك حتى يفنى جسمه ويعود في جوزة الحرير، ويصير جسماً ميتاً لا حياة فيه.

ثم انظر فإن الباري سبحانه لما أراد حفظ هذا الجنس ببقاء نسله [رتب تطوره على أمر عجيب][3] فعندما ينتهي من غزل الحرير ويعفى ذلك الجسم يقلبه الله إلى صورة طائر صغير قريب من صورة النحل [أو الفراشة]، فيجمع على بساط أو غيره، وهو في رأي العين جنس واحد لا يتميز منه الذكر من الأنثى، فيعلو الذكر منه على ظهر الأنثى، ويقيم لحظة على ظهرها فتحبل لوقتها وتلد لوقتها مثل ذلك البزر الذي حضن أولاً، ثم يطير فيذهب فلا يبقى بها انتفاع، إذ قد حصل منها المقصود وهو ذلك البزر، فانظر من ألهمها الرعي من ذلك الورق حتى تغتذي منه؟ ومن ألهمها إلى غزل أجسادها حريراً حتى يفنى جسمها فيما غزلته؟ ومن ربى لها أجنحة؟ وقلب صورتها حتى صارت على هيئة يمكن فيها اجتماع الذكر والأنثى لتناسلها؟ ولو بقيت على صورتها الأولى لم يأت منها تناسل ولا هذا الاجتماع.

ثم انظر ما يسره الباري سبحانه من عمل ما غزلته هذه الدودة على من يعمله من بني آدم، حتى يكون منه أموال كثيرة، وملابس عظيمة وزينة. وانظر هذا التسخير العجيب في هذا الحيوان اللطيف،

صفحة 93

وما أظهر فيه سبحانه من بارع الصنع وعجيب العقل، وعظيم الاعتبار، وما جعل فيه من البرهان والآيات على بعث الأموات وإعادة العظام للرُّفات، سبحانه لا إله إلا هو العلي العظيم.

ثم انظر إلى الذبابة وما أُعينت به لنيل قوتها، فإنها خُلقت بأجنحة تسرع بها إلى موضع تنال فيه قوتها، وتهرب بها عما يهلكها ويضر بها، وخلق لها ستة أرجل، تعتمد على أربع، وتفضُل منها اثنتين، فإن أصابها عثار مسحته بالرجلين اللتين تليهما، وذلك لرقة أجنحتها، ولأن عينيها لم يخلق لها أهداب، لأنهما بارزتان عن رأسها. وجعل هذا الحيوان وما جرى مجراه مما يتعلق ببني آدم ويقع عليهم دائماً، ويُنغص عليهم عيشهم، ليعرفهم الباري سبحانه هوان الدنيا، حتى تصغُر عندهم ويهون أمر فراقها، وهو وجه من وجوه الحكمة لهم.

تأمّل كثيراً من الحيوان الصغير عندما تلمسه يعود كأنه جماد لا حراك به، ويبقى على ذلك ساعة، ثم يتحرك ويمشي، وهل ذلك إلا لأن ما يُصطاد إنما يُصطاد إذا دلت هيئته على حياته، فإذا كان شبيهاً بالجماد تُرك كما تُترك سائر الحجارة.

تأمل العُقاب عندما يصطاد السلحفاة، يجدها كأنها حجر، ولا يجد فيها موضعاً لأكله، فيصعد بها في مخالبه، حتى إذا ابتعد من الأرض اعتدل بها على جبل أو حجارة وأرسلها، فتهشمها الوقعة فيسقط عليها فيأكلها. فانظر كيف أُلهم الطريق في نيل قوته من غير عقل ولا روية.

صفحة 94

انظر إلى الغراب لما كان مكروهاً، خلق في طبعه الحذر لصيانة نفسه، حتى كأنه يعلم الغيب ممن يقصده، وألهم الاحتيال في إخفاء عشه لصون فراخه، وقل احتفاله بالأنثى خشية أن تشغله عن شدة حذره، ولذلك قل أن يُرَى مجتمعاً مع أنثى، فهذا أبداً دأبه وحاله مع من له عقل وفطنة، وتراه مع البهائم على خلاف ذلك، فيقف على ظهورها، ويأكل من دم البعير، ومن أرواث الدواب وقت تبرزها، وإذا وجد شيئاً من قوته وأكل منه وشبع دفن باقيه حتى يعاوده وقتاً آخر، فما خَلَقَ هذا في طبعه، ودبَّره بهذا التدبير العجيب إلا الله، لأنه [أي الغراب] لا علق له ولا روِيَّة.

انظر إلى الحدأة لما كانت مكروهة حفظت نفسها بقوة طيرانها وتعاليها، وحفظت في أمر قوتها بقوة بصرها، فإنها ترى ما تقتات به في الأرض مع علوها في الجو فتحطّ نحوه بسرعة، وألهمت معرفة من هو مقبل ومن هو مدبر، فتخطف ما تخطفه من الناس من ورائهم، ولا تخطف مما يستقبلها لئلا يمنعها المستقبل بيديه، وأعينت – لما كان غذاؤها من هذه الوجوه – بأن جعلت لها مخالب كأنها السنانير، فلا يكاد يسقط منها ما ترفعه، فسبحان المدبر الحكيم.

انظر إلى الحيوان المسمى الحرباء وما فيه من التدبير، فإنه خلق بطيئاً في نهضته، وكان لا بد له من قوته، فخلق على صورة عجيبة، فخلقت عيناه تدور لكل جهة من الجهات حتى يدرك صيده من غير حركة في جسده ولا قصد إليه، ويبقى جامداً كأنه ليس من الحيوان، ثم أُعطي السكون، وهو أنه يتشكل مع لون الشجرة التي يكون عليها، حتى يكاد يختلط لونه بلونها، ثم إذا قرب منه

صفحة 95

ما يصطاده من ذباب أو غيره أخرج لسانه، فيخطف ذلك بسرعة خفوق البرق، ثم يعود على حالته كأنه جزء من الشجرة، وجعل الله لسانه بخلاف المعتاد، ليلحق به ما بعد عنه بثلاثة أشبار أو نحوه، فقد سخر له ما يصطاد به على هذه المسافة، وإذا رأى ما يريعه ويخيفه تشكَّل على هيئةٍ وشكل ينفر منه من يصطاد الحيوان ويكرهه. فانظر هذه الأشياء التي خلقت فيه لأجل قلة نهضته فأعين بها.

انظر إلى الحيوان الذي يسمى (سبع الذباب) وما أعطي من الحيلة والرفق فيما يقتات به، فإنك تجده يحس بالذباب قد وقع قريباً منه فيركد ملياً حتى كأنه ميت أو جماد لا حراك به، فإذا أحس أن الذباب قد اطمأن دب دبيباً رقيقاً حتى لا ينفره، حتى إذا صار قريباً منه بحيث يناله بوثبة وثب عليه فأخذه، فإذا أخذه اشتمل عليه بجسده كله خشية أن يتخلص منه الذباب، فلا يزال قابضاً عليه حتى يحس ببطلان حركته فيقبل عليه فيغتذي فيه بما يلائمه، فانظر إلى هذه الحيلة من فعله، وهي مخلوقة من أجل رزقه، فسبحان الباري الحكيم.

انظر إلى الذرّ والبعوض الذي أوهن الله قوَّتَها، وأصغر قدرها، وضرب بها المثل في كتابه، هل تجد فيها نقصاً عما فيه صلاحها من جناح تطير به، ورجل تعتمد عليها، وبصر تقصد به موضعاً تنال فيه قوتها، وآلة لهضم غذائها وإخراج فضلته. وانظر هل يمكن أن تعيش من غير قوت؟ وهل يمكن أن يكون القوت في غير محل واحد؟ وأخراجه فضلته من غير منفذ، ثم انظر كيف دبرها العزيز الحكيم فسواها، وقدر أعضاءها، واستودعها العلم والمعرفة بمنافعها ومضارها،

صفحة 96

وكله دليل على علمه وقدرته وحكمته البالغة، فهي بعوضة صغرت في النظر، ومع هذا فلو أن أهل السماوات والأرض ومن الملائكة فمن دونهم من العالمين وسائر الخلق أجمعين، أرادوا أن يعرفوا كيف قسم الخالق سبحانه أجزاءها، وحسن اعتدال صورتها في أعضائها، لما قدروا على ذلك إلا تظاهراً لمنظر العجز منهم على عدم علم حقيقة الخبر، ولو اجتمعوا ثم تفكروا كيف ركبت معرفتها حتى عرفت أن ما بين الجلد واللحم دماً، وهو الذي فيه غذاؤها، ولولا معرفتها به لم تدم على مصه حتى تطعمه، وكيف همتها التي قصدت بها أن تطير إلى الموضع الذي ألهمها ربها أن فيه غذاءها، وكيف خرق سمعها، وكيف سمعت حسّ من يقصدها، فلن يدرك ذلك منها الخلائق أجمعون. ولو جزؤوها ما ازدادوا في أمرها إلا عمىً وبعداً عن المعرفة، فهذه الحكمة والقدرة في بعوضة، فما ظنك بجميع مخلوقاته؟ سبحانه وتعالى عُلُوّاً كبيراً.[4]

  1. [1] الآية 38/ من سورة الأنعام.
  2. [2] وذلك في قوله تعالى: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ . ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الآيتان 68 و69/ من سورة النحل.
  3. [3] ما بين القوسين [ ] زيادة من المحقق لتوضيح السياق.
  4. [4] وقد ضرب الله مثلاً في القرآن فقال:

    {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ . مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}. الآيتان 73، 74/ من سورة الحج.

الباب الثاني عشر: حكمة خلق النحل والنمل والعنكبوت ودود القز والذباب وغير ذلك
 
Top