الباب الثاني: حكمة خلق الشمس

صفحة 18

الباب الثاني: حكمة خلق الشمس

قال سبحانه وتعالى: {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا}[1] وقال: {وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا}.[2]

اعلم أن الله سبحانه وتعالى خلق الشمس لأمور لا يستكمل علمها إلا الله وحده، فالذي ظهر من حكمته فيها: أن جعل حركاتها لإقامة الليل والنهار في جميع أقاليم الأرض، ولولا ذلك لبطل أمر [الدنيا] والدين، أو لولاه كيف كان يكون الناس يسعَون في معايشهم؟ ويتصرفون في أمور لهم والدنيا مظلمة عليهم؟ وكيف كانوا يتهنَّون بالعيش مع فقدهم لذة النور ومنفعته؟ ولولا ضياء نورها ما انتُفع بالأبصار ولم تظهر الألوان.

وتأمَّل غروبَها وغيبتها عمن طلعت عليهم وما في ذلك من الحكمة، ولولاه لم يكن للخلق هدوء ولا قرار مع شدة حاجتهم إلى الهدوء، وراحة أبدانهم، وخمود حواسهم، وانبعاث القوة الهاضمة لهضم

صفحة 19

طعامهم، وتفنيد الغذاء. ثم كان [به] الحرص لحملهم على مداومة العمل ومطاولته على ما يعظم مكانته في أبدانهم، فإن أكثر الحيوانات لولا دخول الليل ما هدأوا ولا قَرُّوا، من حرصهم على نَيل ما ينتفعون به. ثم كانت الأرض تحمى بدوام شروق الشمس واتصاله حتى يحترق كل ما عليها من الحيوانات والنباتات، فهي بطلوعها في وقت وغروبها في وقت، بمنزلة سراج لأهل بيت، يُستضاء به ليهتدوا ويقروا.

وهي في حرها بمنزلة نار يَطبخ بها أهل الدار، حتى إذا كمل طبخهم واستغنوا عنها، أخذها من جاورهم وهو يحتاج إليها فينتفع بها، حتى إذا قضى حاجته [منها] سلمها لآخرين، فهي أبداً منصرفة في منافع أهل الأرض بتضادِّ النور والظلمة، على تضادِّهما متعاونين على ما فيه صلاح العالم وقوامه، وإلى هذه القضية الإشارة بقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ . قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}.[3]

صفحة 20

ثم بتقدمها وتأخرها تستقيم الفصول، فيستقيم أمر النبات والحيوان. ثم انظر إلى مسيرها في فلكها في مدة سنة، وهي تطلع كل يوم وتغرب بسير آخر سُخِّرَ لها بتقدير خالقها، فلولا طلوعها وغروبها لما اختلف الليل والنهار، ولما عُرِفَتِ المواقيت. ولو انطبق الظلام على الدوام لكان فيه الهلاك لجميع الخلق، فانظر كيف جعل الله الليل سكناً ولباساً، والنهار معاشاً.[4] وانظر إلى إيلاجه الليل في النهار والنهار في الليل، وإدخاله الزيادة والنقصان عليهما على الترتيب المخصوص.[5] وانظر إلى إمالة سير الشمس حتى اختلف بسبب ذلك الصيف والشتاء، فإذا انخفضت من وسط السماء برد الهواء وظهر الشتاء، وإذا استوت وسط السماء اشتد العَيظ، وإذا كانت فيما بينهما اعتدل الزمان، فيستقيم بذلك أمر النبات والحيوان بإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة.

وأما ما في ذلك من المصلحة: ففي الشتاء تعود الحرارة في الشجر والنبات، فتتولَّد فيه مواد الثمار، ويستكشف الهواء فينشأ منه السحاب والمطر، وتشتد أبدان الحيوان، وتقوى أفعال الطبيعة. وفي الربيع تتحرك الطبائع في المواد المتولدة في الشتاء، فيطلع

صفحة 21

النبات بإذن الله، وينوِّر الشجر، وتهيج أكثر الحيوانات للتناسل. وفي الصيف يخمد الهواء فينضج الثمار، وتنحلَّ فضول الأبدان، ويجف وجه الأرض، فتتهيأ لما يصلح لذلك من الأعمال. وفي الخريف يصفو الهواء، فترتفع الأمراض، ويمتد الليل فيعمل فيه بعض الأعمال، وتحسن فيه الزراعة، وكل ذلك يأتي على تدريج وبقدر، حتى لا يكون الانتقال دفعة واحدة، إلى غير ذلك مما يطول لو ذُكِرَ.

فهذا مما يدلك على تدبير الحكيم العليم وسعة علمه، ثم تفكر في تنقل الشمس في هذه البروج لإقامة دورة السنة، وهذا الدور هو الذي يجمع الأزمنة الأربعة: الشتاء، والصيف، والربيع، والخريف، وتسير على التمام. وفي القدر من دوران الشمس تدرك الغلات والثمار وتنتهي غاياتها، ثم تعود فتستأنف وقت السير، وبمسيرها تكمل السنة، ويقوم حساب السنة – على الصحة – على التاريخ بتقدير الحكيم العليم.

تأمل إشراق الشمس على العالم كيف دبره تبارك وتعالى، فإنها لو بزغت في موضع واحد لا تعدوه لما وصل شعاعها إلا إلى جهة واحدة، وخلت عنها جميع الجهات، فكانت الجبال والجدران تحجبها عنها، فجعلها سبحانه تشرق بطلوعها أول النهار من المشرق، فيعم شروقها ما يقابلها من جهة المغرب، ثم لا تزال تدور وتغشى جهة بعد جهة حتى تنتهي إلى الغرب على ما استتر عنها أول النهار، فلا يبقى موضع حتى يأخذ بقسطه منها.

ثم انظر إلى مقدار الليل والنهار، كيف وقتهما سبحانه على ما فيه

صفحة 22

صلاح العالم، فصارا بمقدارٍ لو تجاوزاه لأضرّا بكل ما على وجه الأرض من حيوان ونبات، أما الحيوان فكان لا يهدأ ولا يقر ما دام يجد ضوء النهار، وكانت البهائم لا تمسك عن الرعي فيؤول أمرها إلى تلفها، وأما النبات فتدوم عليه حرارة الشمس وتوهجها فيجف ويحترق، وكذلك الليل لو امتد مقداره أيضاً لكان معوِّقاً لأصناف الحيوان عن الحركة والتصرف في طلب المعاش، وتجمدت الحرارة الطبيعية من النبات فيعفن ويفسد، كالذي يحدث إذا كان الموضع لا تقع الشمس عليه.[6]

  1. [1] الآية 16/ من سورة نوح.
  2. [2] الآية 13/ من سورة النبأ.

    ومما جاء في ذكر الشمس أيضاً في القرآن قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} فصلت/ 17، وقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} إبراهيم/ 33، وقوله تعالى: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} الرعد/ 2.

  3. [3] الآيتان 71/ 72/ من سورة القصص.
  4. [4] وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا . وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا . وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا} النبأ/ 10-12
  5. [5] وفي ذلك يقول تعالى: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۚ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} الآية 13/ من سورة فاطر، ويقول: {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} يونس/ 6.
  6. [6] الشمس جرم سماوي مستعر، شأنها في ذلك شأن سائر النجوم، يزيد قطرها على مليون كيلومتر، أي أن قطر الشمس أكبر من قطر الأرض مائة مرة، وتبلغ درجة حرارة سطح الشمس الخارجي نحو ستة آلاف درجة مطلقة، وتزداد هذه الحرارة بازدياد القرب من المركز حيث تصل إلى أكثر من عشرين مليون درجة، وذلك نظراً لما تعانيه مكونات المركز من الضغوط العالية، وتندلع من الشمس نافورات من غازات ملتهبة تصل إلى ارتفاعات عظيمة جداً من سطحها، ومن هذه النافورات ما يعرف باسم البقع الشمسية، وهي أعاصير جبارة في جو الشمس، وقد يبلغ قطر الإعصار منها نحو خمسين ألف كيلو متر. (راجع كتاب الكون بين العلم والدين للدكتور محمد جمال الدين الفندي/ 66، طبعة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة).
الباب الثاني: حكمة خلق الشمس
 
Top