الباب الثامن: حكمة خلق النار

صفحة 42

الباب الثامن: في حكمة خلق النار

قال الله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ . أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ . نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ . فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}.[1]

اعلم وفقنا الله وإياك: أن الله خلق النار، وهي من أعظم النعم على عباده، ولمّا علم سبحانه وتعالى أن كثرتها وبثّها في العالم مفسدة، جعلها الله بحكمته محصورة، حتى إذا احتيج إليها وُجدت واستُعملت في كل أمر يُحتاج إليها فيه، فهي مخزونة في الأجسام، ومنافعها كثيرة لا تحصى، فمنها ما تصلحه من الطبائخ والأشربة التي لولاها لم يحصل فيها نضج ولا تركيب ولا اختلاط، ولا صحة هضم لمن لا يستعملها في أكل وشرب، فانظر لطف الباري سبحانه في هذا الأمر المهم.

صفحة 43

ثم انظر فيما يحتاج الناس إليه من الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والقزدير وغير ذلك، فلولاها لم يكن شيء من الانتفاع من هذه الأشياء، فبها يُذاب النحاس فتُعمل منه الأواني وغيرها، وقد نبه الله تعالى على مثل ذلك بأنها نعمة توجب الشكر، فقال تعالى: {عْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}.[2] وبها يلين الحديد، فيعملون به أنواعاً من المنافع والآلات للحروب، مثل الدروع والسيوف، إلى غير ذلك مما يطول مقداره، وقد نبه الله تعالى على مثل هذا فقال: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}،[3] وقال تعالى: {لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ ۖ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ}.[4] ومن الحديد يُعمل آلات للحرث والحصاد، وآلات لا تتأثر بالنار، وآلات يطرق بها، وآلات لقطع الجبال الصماء، وآلات لنجارة الأخشاب مما يكثر تعدادها، فلولا لطف الله سبحانه بخلق النار لم يحصل من ذلك شيء من المنافع، ولولاها لما كان يتهيأ للخلق من الذهب والفضة نقودٌ ولا زينةٌ ولا منفعةٌ، ولكانت هذه الجواهر معدودة من جملة الأتربة.

ثم انظر إلى ما جعل الله تعالى في النار من الفرح والتروُّح عندما تغشى ظلمةُ الليل، فيستضيئون بها، ويهتدون بنورها في جميع

صفحة 44

أحوالهم من أكل وشرب، وتمهيد مراقد، ورؤية ما يؤذيهم، ومؤانسة مرضاهم، والعمل عليها براً وبحراً، فيجدون بوجودها أنساً، حتى كأن الشمس لم تغب عن أفقهم، ويدفعون بها ضرر الثلوج، والرياح الباردة، ويستعينون بها في الحروب، ومقاومة حصون لا تُملك إلا بها، فانظر ما أعظم قدر هذه النعمة التي جعل سبحانه حكمها بأيديهم، إن شاءوا خزنوها وإن شاءوا أبرزوها.

  1. [1] الآيات 71-74/ من سورة الواقعة.
  2. [2] الآية 13/ من سورة سبأ.
  3. [3] الآية 25/ من سورة الحديد.
  4. [4] الآية 80/ من سورة الأنبياء.
الباب الثامن: حكمة خلق النار
 
Top