الباب الثالث عشر: حكمة خلق السمك وما تضمن خلقها من الحِكَم

صفحة 97

الباب الثالث عشر: في حكمة خلق السمك وما تضمن خلقها من الحِكَم

قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا}.[1]

انظر واعتبر بما خلق الله تعالى في البحار والأنهار من الحيوان المختلف الصور والأشكال، وما فيه من الآيات البينات، فإنه تعالى لما جعل مسكنه في الماء لم يخلق له قوائم، ولم يخلق فيه رئة، لأنه لا يتمشى وهو منغمس في لجة الماء، وخَلق له مكان القوائم أجنحة شداد، يحركها من جانبه فيسير بها حيث شاء، وكسا جلده كسوة متداخلة صلبة تخالف لحمه، متراصة كأنها درع، لتقيه ما يعتدي عليه وما يؤذيه، وما لم يخلق له من السمك تلك الكسوة – وهي القشر المتداخل المخلوق على ظاهره – خلق له جلداً غليظاً متقناً يقوم له مقام تلك الكسوة لغيره، وخلق له بصراً وسمعاً وشماً، ليستعين بذلك على نيل قوته والهرب مما يؤذيه، ثم انظر كيف أُعطي في قعر البحر ما يناسبه في نيل القوت والهرب مما يضره.

صفحة 98

ولما علم الله سبحانه أن بعضه غذاء لبعض كثَّره، وجعل أكثر أصنافه يحمل، ولم يجعل الحمل منه مخصوصاً بالأنثى دون الذكر كحيوان البرية، بل جعل الذكر والأنثى جنساً واحداً، يخلق في بطونها مرة واحدة في وقت معلوم، ذريعة مجتمعة مشتملة على عدد لا ينحصر، فيخلق من جوف واحدة عدداً لا يحصى، وذلك من كل بزرة حوتاً من الجنس، ومن جنس آخر يخلق في الأنهار وغيرها بغير توالد، فيخلق منها أعداداً لا تحصى دفعة واحدة، ومنه صنف يتوالد بالذكر والأنثى، وهذا الجنس يخلق له يدان ورجلان مثل السلحفاة والتمساح، وما شاكلها فيتولد منها بيض، فإذا فقس البيض بحرارة الشمس خرج من كل بيضة واحد من الجنس.

ولما علم سبحانه وتعالى أن السمك في البحر لا يمكن أن يحضن ما يخرج من بزره، ألقى الروح في البزر جميعه عندما يولد، فيجد فيه جميع ما يحتاجه من الأعضاء عند إلقاء الروح فيه، فيستقل ولا يفتقر إلى أحد في كمال خلقه، فانظر هذه الحكمة واللطف، حيث لم يمكن حضانته في البحر، ولا تربيته ولا معونته البتة، جعله مستقلاً بنفسه، مستغنياً عن ذلك كله، ثم إن الله سبحانه كثَّره لأن منه قوت جنسه، وقوتاً لبني آدم والطير، فلذلك كان كثيراً.

ثم انظر إلى سرعة حركته، وإن لم تكن له آلة كغيره من الحيوان. وانظر إلى حركة ذنبه وانقسامه، وكيف يعتدل بذلك في سيره كما تعتدل السفينة برجلها في سيرها، وخلقت أرياشه ألواحاً من جانبيه ليعتدل بهما أيضاً في سيره فهو بمنزلة المركب.

وانظر إلى عظامه كيف خلقت مثل العمد يبنى عليها، ففي كل

صفحة 99

موضع منه ما يليق به من صورة العظم المشاكل لذلك العضو، فهو كإنشاء المركب، يمتد فيه العظم الجافي الذي هو قوّته، ويخرج من الأضلاع إلى مراقي البطن والظهر وعظام الرأس مما يحتاج إليه من الأمر وبه قوامه.

وانظر إلى ما كان منه كاسراً كيف أُعين على نيل قُوته، لصلابة اللحم، وقوة النهضة، وكثرة الأسنان، حتى أنه لكثرة أسنانه تكون العضة الواحدة كافية وتجزيه عن المضغ.

انظر إلى ما خلق الله في البحر ضعيفاً قليل الحركة، مثل أصناف الصدف والحلزون، كيف حفظه بأن خلق عليه ذلك الحصن الذي هو صلب كالرخام ليصونه ويحفظه، وجعل له بيتاً وسكناً، وجعل ما يوالي جسده ناعماً أنعم ما يكون، وربما ضيَّق بيت بعض أصناف الحلزون، حتى لا يكون فيه مطمع البتة، وأصناف منه خلقت في محائر مفتوحة لا يمكن صيانتها لنفسها لِتَغْلُقَهَا، ولا يضيق مسلكها، فجعل الله لها من الجبال والحجارة مغطاً، وجعل لها أسباباً تلتصق بها في الجبل، فلا يستطاع إخراجها إلا بغاية الجهد، وجعل لها قوتاً من رطوبة الجبل تأتي حياتها بها.

وأما الحلزون الذي ببيته كأنه كوكب فإنه يخرج رأسه ويرعى، فإذا أحس بما يؤذيه أدخل رأسه في بيته، وختم عليه بطابع صلب، يقرب من صلابة بيته فيغيب أثره بالجملة. فانظر هذا اللطف وأن الله لم يهمل شيئاً، واعلم أن الله حافظ لما في البحار وما في الآكام والجبال،

صفحة 100

فتبارك الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.[2]

وانظر إلى أنواع من السمك يرعى قرب البر الصغيرُ منها، والكبيرُ في الأعماق، وخلق الله في جوفه صبغاً كأنه حبر، وهو يُخلق له فيه من فضلة غذائه كما يخلق اللبن في الضرع، فإذا أحس بما يؤذيه أخرج من جوفه ما يعكر موضعه، ثم يذهب في الماء الذي تغيّر، فلا يُعرف كيف ذهب ولا كيف طريقه من تغير الماء، فعل الله ذلك له وقاية لنفسه، وجعل فيه مصالح أخرى لا يعلمها إلى خالقها.

انظر إلى نوع آخر من السمك أُعين بأجنحة مثل أجنحة الخفاش، ينتقل بها عند وقوع الأنواء من موضع إلى موضع في الهواء من وجه الماء، ويظهر لمن لا يعرف ذلك أنه من طيور البر.

انظر إلى نوع آخر من أنواع السمك ضعيف، وكثيراً ما يكون في الأنهار، وجعل الله فيه خاصية تصونه إذا اقتربت منه يد من يأخذه، وفيه الروح تخدر البدن واليد فيعجز قاصده عن أخذه بذلك السبب. فلو ملئت الكتب بعجائب حكم الله في خلق واحد لامتلأت الكتب، وعجز البشر عن استكمالها، وما هو المذكور في كل نوع إلا تنبيه يشير إلى أمر عظيم.

  1. [1] الآية 14/ من سورة النحل.
  2. [2] في هذه العبارة اقتباس من جواب موسى عليه السلام حين سأله فرعون: {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ . قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} الآيتان 49-50/ من سورة طه.
الباب الثالث عشر: حكمة خلق السمك وما تضمن خلقها من الحِكَم
 
Top