الباب الثالث: حكمة خلق القمر والكواكب

صفحة 23

الباب الثالث: في حكمة خلق القمر والكواكب

قال الله سبحانه وتعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا}.[1]

اعلم أن الله سبحانه وتعالى لما جعل الليل لبرد الهواء، وهدوء الحيوان وسكونه، لم يجعله سبحانه ظلمة داجية لا ضياء فيها البتة، إذ لا يمكن أن يعمل عملاً فيه، وربما احتاج الناس إلى بعض أعمالهم في الليل، إما لضرورة أو لضيق وقت عليهم من النهار، وقد يقع ذلك لشدة حرارة، أو لغيره من الأسباب، فكان ضوء القمر في الليل من جملة ما نحتاج إليه في المعونة على ذلك، فجعل طلوعه في بعض الليالي، وينقص نوره عن نور الشمس وحرها، لئلا ينشط الناس في العمل نشاطهم في النهار، فينعدم ما به ينعمون من الهدوء والقرار، فيضر ذلك بهم.

وجعل في الكواكب جزءاً من النور يُستعان به إذا لم يكن ضوء

صفحة 24

القمر، وجعل الكواكب زينة السماء، وأُنساً وانشراحاً لأهل الأرض، فما ألطف هذا التدبير! وجعل للظلمة دولةً ومدةً للحاجة إليها، وجعل خلالها النجوم، فأنظَرَ من النور ليكمل به ما احتيج إليه. ثم في القمر علم الشهور والسنين، وهو صلاح ونعمة من الله.[2]

ثم في النجوم مآرب أخرى، فإن فيها دلائل وعلامات على أوقات كثيرة لعمل من الأعمال، كالزراعة والغراسة، والاهتداء بها في السفر في البر والبحر، وأشياء مما تحدث الأنواء والحر والبرد، وبها يهتدي السَّيارون في ظلمة الليل، وقطع القفار الموحشة، واللُّجَجِ السائلة، كما قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}[3] مع ما في ترددها في السماء مقبلة ومدبرة، ومشرقة ومغربة من البهجة والنضارة.

في تصريف القمر، خاصة استهلاله ومحاقه، وزيادته ونقصانه، واستنارته وكسوفه، كل ذلك دلالات على قدرة خالقها المصرف لها هذا التصرف لإصلاح العالم.[4]

صفحة 25

ثم انظر دوران الفلك بهذه الكواكب في كل يوم وليلة دوراناً سريعاً، وسيرها معلوم مشاهد، فإنا نشاهدها طالعة وغاربة، ولولا سرعة سيرها لما قطعت هذه المسافة البعيدة في أربع وعشرين ساعة، فلولا تدبير الباري سبحانه بارتفاعها، حتى خفي عنا شدة مسيرها في فلكها، لكانت تتخطَّف بتوهجها الأبصار لسرعة حركتها، كالذي يحدث أحياناً من البروق إذا توالت في الجو، فانظر لطف (الباري) سبحانه في تقدير سيرها في البعد البعيد، كيلا يحدث من سيرها حادث لا يحتمل، مقدرة في جميع الأحوال على قدر الحاجة.

وانظر في هذه التي تظهر في بعض السنة، وتحتجب في بعضها، مثل الثريا والجوزاء والشعرى، فإنها لو كانت كلها تظهر في وقت واحد لم يكن لشيء منها دلالة على جهالة تعرفها الناس ويهتدون بها، فكان في طلوع بعضها في وقت واحد دون الآخر ما يدل على ما ينتفع به الناس عند طلوعه مما يصلحهم، ولذلك جُعِلَتْ بناتُ نعش ظاهرة لا تغيب لضرب من المصلحة، فإنها بمنزلة الأعلام التي يهتدي بها الناس للطرق المجهولة في البر والبحر، فإنها لا تغيب ولا تتوارى.

ثم انظر لو كانت واقفة لبطلت الدلالات التي تكون، من تنقلات المتنقلة منها ومصيرها في كل واحد من البروج، كما يستدل على أشياء تحدث في العالم بتنقل الشمس والقمر في منازلهما، ولو كانت متنقلة كلها لم يكن لمسيرها منازل تعرف ولا رسم يقاس عليه، لأنه إنما يعرف مسير المتنقلة منها بتنقلها في البروج الدانية، كما يعرف سير السائر في الأرض بالمنازل التي يجتاز عليها، فقد صار هذا الفلك شمسه

صفحة 26

وقمره، ونجومه وبروجه، تدور على هذا العالم بهذا دوراناً دائماً في الفصول الأربعة من السنة، لصلاح ما فيه من حيوان ونبات وغير ذلك بتقدير العزيز العليم.

ومن عظيم الحكمة خلق الأفلاك التي بها ثبات هذا العالم، على نهاية من الإتقان لطول البقاء وعدم التغير، فقد كُفِيَ الناسُ التغيرَ في هذا الأمر الجليل، الذي ليس قدرة ولا حيلة في إصلاحه، ولو نزل به تَغَيُّرٌ يوجب ذلك التغير أمراً في الأرض، إذ قوام الأرض مرتبط بالسماء، فالأمر في جميع ذلك مَاضٍ على قدرة الباري سبحانه، لا يختل ولا يعتل، ولا يتخلف منه شيء عن ميقاته لصلاح العالم، فسبحان العليم القدير.

  1. [1] الآية 61/ من سورة الفرقان.
  2. [2] ومنه قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} يونس/ 5، وأيضاً قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} الإسراء/ 12
  3. [3] الآية 97/ من سورة الأنعام.
  4. [4] القمر هو أقرب أجرام السماء إلينا ولا يزيد بعده عنا على 380 ألف كيلو متراً، وأوجه القمر هي التي مكنت الإنسان منذ القدم من التعرف على الشهور وتقسيم السنة إلى اثني عشر شهراً، وفي ذلك يقول الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} البقرة/ 189 (الكون بين العلم والدين للدكتور جمال الدين الفندي/ 69).
الباب الثالث: حكمة خلق القمر والكواكب
 
Top