الباب التاسع: حكمة خلق الإنسان

صفحة 45

الباب التاسع: في حكمة خلق الإنسان

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ . ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ . ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ}.[1]

اعلم وفقك الله تعالى: أن الله عز وجل لمّا سبق في علمه خَلْقُ بني آدم، وبثُّهم في هذه الدار، وتكليفهم فيها للبلوى والاختبار، خلقهم سبحانه متناسلين بعضهم من بعض، فخلق سبحانه الذكر والأنثى، وألقى في قلوبهم المحبة والدواعي، حتى عجزوا عن الصبر، وَعُدِمُوا الحيلةَ في اجتناب الشهوة، فساقتهم الشهوة المفطورة في خلقهم إلى الاجتماع، وجعل الفكرة تحرك عضواً مخصوصاً به إلى إيداع الماء

صفحة 46

في القرار المكين، الذي يخلق فيه الجنين، فاجتمعت فيه النطفة من سائر البدن، وخرجت مَاءً دافقاً مندفعاً بين الصلب والترائب بحركة مخصوصة، فانتقلت بسبب الإفلاج من باطن إلى باطن، فكانت مع انتقالها باقية على أصلها، لأنها ماء مهين، أدنى شيء يباشرها يفسدها، ويغير أصلها ومزاجها، فهي ماء يختلط جميعه بنسب تستوي فيه أجزاؤه، لا تفاوت فيها بحال، فخلق سبحانه منه الذكر والأنثى بعد تقلبه من النطفة إلى العلقة، إلى المضغة إلى العظام، ثم كساها اللحم، وشدها بالأعصاب والأوتار، ونسجها بالعروق، وخلق الأعضاء وركّبها: فدوّر سبحانه الرأس، وشق فيها السمع والبصر، والأنف والفم، وسائر المنافذ:

فجعل للعين البصر، ومن العجائب سِرُّ كونها مبصرة للأشياء، وهو أمر يُعجَز عن شرح سره، وركبها من سبع طبقات، لكل طبقة صفة وهيئة مخصوصة بها، فلو فقدت طبقة منها أو زالت لتعطلت عن الإبصار. وانظر إلى هيئة الأشفار التي تحيط بها، وما خلق فيها من سرعة الحركة لتقي العين مما يصل إليها مما يؤذيها من غبار وغيره، فكانت الأشفار بمنزلة باب يفتح وقت الحاجة، ويغلق في غير وقتها، ولما كان المقصود من الأشفار جمال العين والوجه جعل شعرها على قدر لا يزيد زيادة تضر بالعين، ولا تنقص نقصاً يضرّ بها. وخلق في مائها مُلوحة لتقطيع ما يقع فيها، وجعل طرفيهما منخفضين عن وسطهما قليلاً، لينصرف ما يقع في العين لأحد الجانبين. وجعل الحاجبين جمالاً للوجه، وستراً للعينين، وشعرهما يشبه الأهداب في عدم الزيادة المشوهة.

صفحة 47

وجعل شعر الرأس واللحية قابلاً للزيادة والنقص، فيفعل فيهما ما يقصد به الجمال من غير تشويه.

ثم انظر إلى الفم واللسان، وما في ذلك من الحِكَمِ، فجعل الشفتين ستراً للفم، كأنها باب يغلق وقت ارتفاع الحاجة إلى فتحه، وهو ستر على اللثة والأسنان، مفيد للجمال، فلولاهما لتشوهت الخلقة، وهما معينان على الكلام، واللسان للنطق والتعبير عما في ضمير الإنسان، وتقليب الطعام، وإلقائه تحت الأضراس حتى يستحكم مضغه، ويسهل ابتلاعه.

ثم جعل الأسنان أعداداً متفرقة، ولم تكن عظماً واحداً، فإن أصاب بعضها ثلمٌ انتفع بالباقي، وجمع فيها بين النفع والجمال، وجعل ما كان منها معكوساً زائدَ الشُّعَبِ حتى تطول مدته مع الصنف الذي تحته، وجعلها صلبة ليست كعظام البدن لدعاء الحاجة إليها على الدوام، وفي الأضراس كبر وتسريف لأجل الحاجة إلى درس الغذاء، فإن المضغ هو الهضم الأول، وجعلت الثنايا والأنياب لتقطيع الطعام، وجمالاً للفم، فأَحكم أصولها، وَحَدَّدَ ضروسها، وَبَيَّضَ لونَها مع حمرة ما حولها، متساوية الرؤوس، متناسبة التركيب، كأنها الدر المنظوم.

ثم انظر كيف خلق في الفم نداوة محبوسة، لا تظهر إلا في وقت الحاجة إليها، فلو ظهرت وسالت قبل ذلك لكان تشويها للإنسان، فجعلت ليبل بها ما يمضغ من الطعام حتى يسهل تسويفه من غير عنت ولا ألم، فإذا فقد الأكل عدمت تلك النداوة الزائدة التي خلقت

صفحة 48

للترطيب، وبقي منها ما يبل اللهاة والحلق، لتصوير الكلام، ولئلا [يجف] الفم، فإن جفافه مهلك للإنسان.

ثم انظر إلى رحمة الله ولطفه، إذ جعل للآكل لذة الأكل، فجعل الذوق في اللسان وغيره من أجزاء الفم، ليعرف بالذوق ما يوافقه ويلائمه من الملذوذ، فيجد في ذلك راحة في الطعام والشراب إذا دعت حاجة إلى تناوله، وليجتنب الشيء الذي لا يوافقه، ويعرف بذلك حد ما تصل الأشياء إليه في الحرارة والبرودة.

ثم إن الله تعالى شق السمع، وأودعه رطوبة مرة، يحتفظ بها السمع من ضرر الدود، ويقتل أكثر الهوام الذين يلجون السمع، وحفظ الأذن بصدفة لتجمع الصوت فترده إلى صماخها، وجعل فيها زيادة حس لتحس بما يصل إليها مما يؤذيها من هوام وغيرها، وجعل فيها تعويجات ليطّرد فيها الصوت، ولتكثر حركة ما يدب فيها، ويطول طريقه، فيتأثر وينتبه صاحبها من النوم.

ثم انظر إلى إدراك المشمومات بواسطة ولوج الهواء، وذلك سر لا يعلم حقيقته إلا الباري سبحانه، إلى غير ذلك. ثم انظر كيف رفع الأنف فأحسن شكله، وفتح منخريه، وجعل فيهما حاسة الشم، ليستدل باستنشاقه على روائح مطاعمه ومشاربه، وليتنعَّم بالروائح العطرة، ويتجنب الخبائث القذرة، وليستنشق أيضاً روح الحياة غذاءً لقلبه، وترويحاً لحرارة باطنه.

ثم خلق الحنجرة، وهيأها لخروج الأصوات، ودوَّر اللسان في

صفحة 49

الحركات والتقطيعات، فيقطع الصوت في مجاري مختلفة، تختلف بها الحروف لتسع طرق النطق. وجعل الحنجرة مختلفة الأشكال في الضيق والسعة، والخشونة والملاسة، وصلابة الجوهر ورخاوته، والطول والقصر، حتى اختلفت بسبب ذلك الأصوات، فلم يتشابه صوتان، كما خلق بين كل صورتين اختلافاً، فلم تشتبه صورتان، بل يظهر بين كل صورتين فرقان، حتى يميز السامع بعض الناس عن بعض بمجرد الصوت، وكذلك يظهر بين كل شخصين فرقان، وذلك لسر التعارف، فإن الله تعالى لما خلق آدم وحواء خالف بين صورتيهما، فخلق منهما خلقاً جعله مخالفاً لخلق أبيه وأمه، ثم توالى الخلق كذلك لسر التعارف.

ثم انظر لخَلق اليدين، يهدين إلى جلب المقاصد ودفع المضارّ، وكيف عرَّض الكف وقسَّم الأصابع بأنامل، وجعل الأربعة في جانب والإبهام في جانب، فيدور الإبهام على الجميع، فلو اجتمع الأولون والآخِرون، على أن يستطيعوا بدقيق الفكر وجهاً آخر عن وضع الأصابع، سوى ما وُضعت عليه من بعد الإبهام عن الأربعة، وتفاوت الأربعة في الطول، وترتيبها في صف واحد لم يقدروا على ذلك، وبهذا الوضع صلح القبض والإعطاء، فإن بَسَطَهَا كانت طَبَقاً يضع عليه ما يريد، وإن جَمَعَهَا كانت آلة يضرب بها، وإن ضمها ضماً غير تام كانت مغرفة له، وإن بسطها وضم أصابعه كانت مجرفة.

ثم خلق الأظفار على رؤوسها زينةً للأنامل، وعماداً لها من ورائها، حتى لا تضعف، ويلتقط بها الأشياء الدقيقة التي لا تتناولها الأنامل لولاها، وليحك بها جسمه عند الحاجة إلى ذلك.

صفحة 50

فانظر أقلّ الأشياء في جسمه لو عُدِمَهَا وظهرت به حكّة لكان أضعف الخلق، وأعجزهم عن دفع ما يؤلمه، وجلب ما ينتفع به في ذلك، ولم يقم له غير الظفر مقامه في حك جسده، لأنه مخلوق لذلك ولغيره، فهو لا صلب كصلابة العظام، ولا رخو كرخاوة الجلد، يطول ويخلق ويُقصّ ويقصر لمثل ذلك. ثم جعله يهتدي به إلى الحك في حالة نومه ويقظته، ويقصد المواقع إلى جهتها من جسده، ولو احتاج إلى غيره واستعان به في حكها لم يعثر الغير على مواضع الحاجة إلا بعد طول وتعب.

ثم انظر كيف مَدَّ منه الفخذ والساقين، وَبَسَطَ القدمين، ليتمكن بذلك من السعي، وزيَّن القدمين بالأصابع، وجعلها زينة وقوة على السعي، وزيَّن الأصابع أيضاً بالأظفار، وقوَّاها بها.

ثم انظر كيف خلق الله هذا كله من نطفة مهينة، ثم خلق منها عظام جسده، فجعلها أجساماً قوية صلبة، لتكون قواماً للبدن وعماداً له، وقدرها تبارك وتعالى بمقادير مختلفة وأشكال متناسبة، فمنها صغير وطويل، ومستدير ومجوَّف، ومصمت وعريض ودقيق. ثم أودع في أنابيب هذه العظام المخ الرقيق، مصاناً لمصلحتها وتقويتها، ولما كان الإنسان محتاجاً إلى جملة جسمه وبعض أعضائه لتردده في حاجاته، لم يجعل الله سبحانه عظامه عظماً واحداً، بل عظاماً كثيرة وبينها مفاصل، حتى تتيسر بها الحركة، فقدَّر شكل كل واحد منها على قدر، وفْق الحركة المطلوبة بها، ثم وصل مفاصلها، وربط بعضها ببعض، بأوتار أثبتها بأحد طرفي العظم، وألصق الطرف الآخر كالرباط، ثم خلق في أحد طرفي العظم زوائد خارجة منها،

صفحة 51

ومن الآخر نقراً غائصة فيها، توافق لأشكال الزوائد لتدخل فيها وتنطبق، فصار الإنسان إذا أراد أن يحرك شيئاً من جسده دون غيره لم يمتنع عليه، فلولا حكمة خلق المفاصل لتعذر عليه ذلك.

ثم انظر كيف جعل خلق الرأس مركباً من خمسة وخمسين عظماً مختلفة الأشكال والصور، وألف بعضها إلى بعض، بحيث استوت كرة الرأس كما ترى، فمنها ستة تختص بالقحف،[2] وأربعة وعشرون لِلَّحْيِ الأعلى،[3] واثنان للحي الأسفل، والبقية من الأسنان بعضها عريض يصلح للطحن، وبعضها حاد يصلح للقطع.

ثم جعل الرقبة مركز الرأس، فركَّبها من سبع خرزات محوقات مستديرات، وزيادات ونقصان، لينطبق بعضها على بعض، ويطول ذكر الحكمة فيها. ثم ركَّب الرقبة على الظهر من أسفل الرقبة إلى منتهى عظم العجز من أربعة وعشرين خرزة، وعظم العجز ثلاثة أخرى مختلفة، ووصل به عن أسفله العصعوص، وهو مؤلف من ثلاثة أخرى، ثم وصل عظام الظهر بعظام الصدر وعظام الكتف، وعظام اليدين، وعظام العانة، وعظام العجز، وعظام الفخذين والساقين، وأصابع الرجلين. فجعل جملة عدد العظام في بدن الإنسان مائتي عظم وثمانية وأربعين عظماً، سوى العظام الصغيرة التي حشى بها خلل المفاصل.

صفحة 52

فانظر كيف خلق الباري سبحانه وتعالى ذلك كله من نطفة رقيقة سخيفة، والمقصود من ذكر أعدادها تعظيم مدبرها وخالقها، وكيف خلقها وخالف بين أشكالها، وخصها بهذا القدر المخصوص، بحيث لو ازداد فيها عظم واحد لكان وبالاً، واحتاج الإنسان إلى قلعه، ولو نقص منها واحد لاحتاج الإنسان إلى جبره، وجعل سبحانه وتعالى في هذا الخلق عبرة لأولى الأبصار، وآيات بينات على عظمته وجلاله، بتقديرها وتصويرها.

ثم انظر كيف خلق سبحانه آلات لتحريك العظام، وهي العضلات، فخلق في بدن الإنسان خمسمائة وتسعة وعشرين عضلة، والعضلة مركبة من لحم وعصب، ورباط وأغشية، وهي مختلفة المقادير والأشكال، بحسب اختلاف مواضعها وحاجاتها، فأربعة وعشرون منها لحركة العين وأجفانها، بحيث لو نقصت منها واحدة اختل أمر العين، وهكذا لكل عضو عضلات بعدد يخصُّه وَقَدْرٍ يوافقه.

وأما أمر الأعصاب والعروق والأوردة والشرايين، ومنابشها وسعتها، فأعجَب من هذا، وشرحه يطول. ثم عجائب ما فيه من المعاني التي لا تُدرَك بالحواس أعظم.

ثم انظر إلى ما شُرِّفَ به (الإنسان) وَخُصِّصَ في خلقه، بأنه خُلق ينتصب قائماً، ويستوي جالساً، ويستقبل الأمور بيديه وجوارحه، ويمكنه العلاج والعمل، ولم يخلق مكبوباً على وجهه كعدة من الحيوانات، إذ لو كان كذلك لما استطاع هذه الأعمال.

صفحة 53

ثم انظر من حيث الجملة إلى ظاهر الإنسان وباطنه، فتجده مصنوعاً صنعة بحكمة تقضي منها العجب، وقد جعل سبحانه أعضاءه تامة بالغذاء، والغذاء متوالٍ عليها، لكنه تبارك وتعالى قدَّرها بمقادير لا يتعدَّاها، بل يقف عندها ولا يزيد عليها، فإنها لو تزايدت بتوالي الغذاء عليها لعظمت أبدان بني آدم، وثقلت عن الحركة، وَعُطِّلَتْ عن الصناعات اللطيفة، ولا تناولت من الغذاء ما يناسبها، ومن اللباس كذلك، ومن المساكن مثل ذلك، وكان من بليغ الحكمة وحسن التدبير وقوفها على هذا الحد المقدر، رحمة من الله ورفقاً بخلقه، فإذا وجدتَ هذا كله صنعة الله من قطرة ماء، فما ظنك بصنعته في ملكوت السماوات والأرض، وشمسها وقمرها وكواكبها؟ وما حكمته في أقدارها وأشكالها؟ وأعدادها وأوضاعها؟ واجتماع بعضها وافتراق بعضها، واختلاف صورها، وتفاوت مشارقها ومغاربها؟ فلا تظن أن ذرة في السماوات والأرض، وسائر علم الله ينفكّ عن حِكَمٍ، بل ذلك مشتمل على عجائب وحكم لا يحيط بجميعها إلى الله سبحانه وتعالى، ألم تسمع قوله سبحانه وتعالى: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا}[4] إلى آخر ما نبَّه به تعالى.[5]

وتأمّل لو اجتمع الإنس والجن على أن يخلقوا للنطفة سمعاً وبصراً

صفحة 54

وحياة لم يقدروا على ذلك، فانظر كيف خلقها سبحانه في الأرحام، وشكلها فأحسن تشكيلها، وقدرها فأحسن تقديرها، وصورها فأحسن تصويرها، وقسم أجزاءها المتشابهة إلى أجزاء مختلفة، فأحكم العظام في أرجائها، وحسن أشكال أعضائها، ورتب عروقها وأعصابها، ودبر ظاهرها وباطنها، وجعل فيها مجرى لغذائها، ليكون ذلك سبباً لبقائها مدة حياتها، ثم كيف رتب الأعضاء الباطنة، من القلب والكبد، والمعدة والطحال، والرئة والرحم، والمثانة والأمعاء، وكل عضو بشكل مخصوص، ومقدار مخصوص لعمل مخصوص، فجعل المعدة لنضج الغذاء عصباً متيناً شديداً لحاجتها إلى ذلك، وبذلك يمكن تقطيعه وطحنه، وجعل طحن الأضراس أولاً معيناً للمعدة على جودة طحنه وهضمه، وجعل الكبد لإحالة الغذاء إلى الدم، فيجذب منه إلى كل عضو من الغذاء ما يناسبه، فغذاء العظم خلاف غذاء اللحم، وغذاء العروق خلاف غذاء الأعصاب، وغذاء الشعر خلاف غذاء غيره، وجعل الطحال والمرارة والكِلية لخدمة الكبد، فالطحال لجذب السوداء، والمرارة لجذب الصفراء، والكلية لجذب الماء عنه، والمثانة لقبول الماء عن الكلية، ثم يخرجه في مجرى الإحليل، والعروق لاتصال الدم منها إلى سائر أطراف البدن، وجعل جوهرها أتقن من جوهر اللحم، لتصون الدم وتحصره، فهي بمنزلة الظروف والأوعية.

ثم انظر كيف دبّره في الرحم، ولطف به ألطافاً يطول شرحها، ولا يستكمل العلم بجملتها إلا خالقها، ويعجز الواصف عن وصف ما وصل إليه نظره من ذلك، فمن ذلك جعله فيه لا يحتاج إلى استدعاء،

صفحة 55

ولا يحتاج المولود إلى ما يبيِّن له ذلك، لا بوعظ ولا تنبيه، بل ذلك في الطباع إلى وقت حاجة المولود إلى الإغاثة في غذائه، ولولا ذلك لنفرت الأمهات عنه من شدة التعب، وكلفة التربية. حتى إذا اشتد جسمه وقويت أعضاؤه الظاهرة والباطنة لهضم الغذاء، فحينئذ أنبت له الأسنان عند الحاجة إليها لا قبل ذلك ولا بعده.

ثم انظر كيف خلق الله فيه التمييز والعقل على التدريج إلى حين كماله وبلوغه، وانظر وفكِّر في سر كونه يولد جاهلاً غير ذي عقل وفهم، فإنه لو كان وُلد عاقلاً فيهما لأنكر الوجود عند خروجه إليه، حتى يبقى حيراناً تائه العقل، إذ رأى ما لا يعرف، وورد عليه ما لم يره ولم يعهد مثله. ثم كان يجد غضاضة أن يرى نفسه محمولاً وموضوعاً معصباً بالخرق، ومسجّى في المهد، مع كونه لا يستغني عن هذا كله، لرقة بدنه ورطوبته حين يولد. ثم كان لا يوجد له من الرقة والحلاوة والمحبة في القلوب ما يوجد للصغير، لكثرة اعتراضه بعقله، واختياره لنفسه، فتبيَّن أن زيادة العقل والفهم فيه على التدريج أصلح به.[6] أفلا يرى كيف أقام الله كل شيء فيه من الخلقة على غاية الحكمة وطريق الصواب؟ وأعلمه تقلب الخطأ في دقيقه وجليله؟

ثم انظر فيما إذا اشتد، خَلَقَ فيه طريقاً وسبباً للتناسل، وخلق في وجهه شعراً ليميزه عن شبه الصبيان والنسوان، ويجمله ويستر به

صفحة 56

غضون وجهه عند شيخوخته، وإن كانت أنثى أبقى وجهها نقياً من الشعر، لتبقى لها بهجة ونضارة تحرك الرجال، لما في ذلك من بقاء النسل.

فكر الآن فيما ذكرناه ودبَّره سبحانه في هذه الأحوال المختلفة، هل ترى مثل هذا يمكن أن يكون مُهْمَلاً؟ أرأيت لو لم يجر له الدم غذاءً وهو في الرحم؟ ألم يكن يذوي ويهلك ويجف النبات إذا انقطع عنه الماء؟ ولو لم يزعجه المخاض عند استكماله، ألم يكن يهلك ببقائه في الرحم هو وأمه؟ ولو لم يوافقه اللبن عند ولادته، ألم يكن يموت جوعاً وعطشاً؟ أو يغذى بما لا يوافق ولا يصلح عليه بدنه؟ ولو لم يخلق له الأسنان في وقتها، ألم يكن يمتنع عليه مضغ الطعام وازدراده؟ ويقيم على الرضاع ولا يشتد جسمه؟ ولو لم يخرج له شعر الوجه لبقي في هيئة النساء والصبيان؟ فلا ترى له هيبة ولا جلالاً ولا وقاراً؟ ومن ذا الذي يرصده حتى يوفيه بكل هذه المآرب في وقتها إلا الذي أنشأه بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً؟[7] وتفضّل عليه، وَمَنَّ عليه بكل هذه النعم؟

فكر في شهوة الجماع الداعية لإحيائه، والآلة الموصلة إلى الرحم النطفة، والحركة الموجبة لاستخراج النطفة، وما في ذلك من التدبير المحكم. ثم فكر في جملة أعضاء البدن، وتهيئة كل عضو فيها للأرِب[8]

صفحة 57

الذي أريد منها، فالعينان للاهتداء بالنظر، واليدان للعلاج والحذف والدفع، والرجلان للسعي، والمعدة لهضم الطعام، والكبد للتخليص والتمييز، والفم للكلام ودخول الغذاء، والمنافذ لدفع الفضلات، وإذا تأملت كذلك مع سائر ما في الإنسان وجدته قد وُضع على غاية الحكمة والصواب.

فكِّر في وصول الغذاء إلى المعدة حتى تنضجه، وتبعث صفوه إلى الكبد في عروق دقاق قد جعلت كالمصفاة للغذاء، ولكيلا يصل إلى الكبد منه شيء غليظ خشن فَيَنْكؤها، فإنها خلقت دقيقة لا تحمل الغث، فتقلبُه بإذن الله دماً، وتنفذ به إلى سائر البدن في مجارٍ مهيأة لذلك، فيصل إلى كل شيء من ذلك ما يناسبه، من يابس ورخو وغير ذلك {فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}.[9] ثم ينفذ ما يكون من خَبَثٍ وفضول إلى [أوعية][10] وأعضاء أُعِدَّتْ لذلك كما ذكرنا قبل هذا، فكوَّنها كالأوعية لتحمل هذه الفضلات، لكيلا تنتشر في البدن فتُسقِمه.

ثم انظر هل تجد في خلق البدن شيئاً لا معنى له؟ هل خُلِقَ البصر إلى ليدرك الأشياء والألوان؟ فلو كانت الألوان ولم يكن بصرٌ يدركها، هل كان في الألوان منفعة؟ ولو لم يكن لخلق الأبصار نور خارج عن نورها ما كان يُنتفع بالبصر. وهل خُلق السمع إلا ليدرك الأصوات؟ فلو كانت الأصوات ولم يكن سمع يدركها لم يكن في الأصوات منفعة، وكذلك سائر الحواس.

صفحة 58

فكِّر في أشياء جعلت بين الحواس والمحسوسات لا يتم الحس إلا بها، منها: الضياء والهواء، فلو لم يكن ضياء تظهر فيه المبصرات لم يدركها البصر، ولو لم يكن هواء يوصل الصوت إلى السمع لم يكن السمع يدرك الصوت.

فكر فيمن عُدِمَ البصر والسمع وما يناله من الخلل، فإنه لا ينظر أين يضع قدمه، ولا يدري ما بين يديه، ولا يفرق ما بين الألوان، ولا يدري بهجوم آفة أو عدو، ولا سبيل له أن يتعلم أكثر الصناعات، وأما من عدم السمع فإنه يفقد روح المخاطبة والمحاورة، ويعدم لذة الأصوات المستحسنة، والألحان المطربة، وتعظيم المؤونة على من يخاطبه حتى ينصرم منه، ولا يسمع شيئاً من أخبار الناس وأحاديثهم، حتى يصير كالغائب وهو شاهد، وكالميت وهو حي، وأما من عدم العقل فهو أشر من البهائم.

فانظر كيف صارت هذه الجوارح، وهذه الأوصاف التي بها صلاح الإنسان محصِّلة ومبلِّغة لجميع مآربه، ومتمِّمة لجميع مقاصده، وإذا فقد شيئاً اختل أمره وعظم مصابه، ومن بُلي بفقد شيء منها فهو تأديب وموعظة، وتعريف بقدر نعمة الله في حقه وحق أمثاله، وينال بصبره على ذلك حظاً في الآخرة. فانظر إلى رحمة الله كيف توجد في العطاء والمنع.

ثم فكر في الأعضاء التي خلقت أفراداً وأزواجاً، وما في ذلك من الحكمة والصواب، فالرأس مما خلق فرداً، وإن كثيراً من الحواس قد حوتها رأس واحدة، ولو زاد عليه شيء كان ثقيلاً لا يحتاج إليه، فإن كان قسمين: فإن تكلم واحدهما بقي الآخر معطلاً لا حاجة إليه،

صفحة 59

وإن تكلم منهما جميعاً بكلام واحد كان أحدهما فضلة لا يحتاج إليها، وإن تكلم من أحدهما بخلاف ما يتكلم به من الآخر لم يدر السامع مراده من ذلك، وأما الذي يأخذ به السامع فهو ما كان واضحاً.

واليدان خُلقتا أزواجاً، ولو لم يكن للإنسان خير في أن يكون يلم بيد واحدة، لاختلَّ ما يعالجه من الأمور، فإنك ترى من شُلَّتْ إحدى يديه ما يكون عنده من النقص، وإن يكلف بشيء لم يُحكِمه، ولا يبلغ فيه ما يبلغ صاحب اليدين، وحكمة الرجلين ظاهرة.

فكر في تهيئة آلات الصوت، فالحنجرة كالأنبوبة لخروج الصوت، واللسان والشفتان والأسنان لإصاغة الحروف، والفم؟ ألا ترى أن من سقطت أسنانه أو أكثرها كيف يحصل الخلل في كلامه؟ ثم انظر إلى ما في الحنجرة من المنفعة لسلوك النسيم منها إلى الرئة، فتروح على الفؤاد بهذا النفس المتتابع. وما في اللسان من تقليب الطعام، وإعانته على تسويغ الطعام والشراب. وما في الأسنان من المعونة أيضاً، ثم هي كالمسند للشفتين، تمسكهما وتدعهما من داخل الفم، وبالشفتين يُرتشف الشراب حتى يكون ما يدخله إلى الجوف بقصد، وبقدر ما يخشاه الإنسان، ثم هما على الفم كالباب.

فقد تبين لك أن كل عضو من هذه الأعضاء ينصرف إلى وجوه من المآرب، وضروب من المصالح، وإن زاد أفسد، وإن نقص أفسد، فذلك تقدير العزيز العليم.

فكر في الدماغ، إذا كُشف عنه فإنك تجده قد لَفَّ بعضه فوق بعض، ليصونه من الأعراض، وأطبقت عليه الجمجمة، والشعر

صفحة 60

ستر لها وجمال، ويبعد عنها ما يؤذيها من حر وبرد وغير ذلك، فحصَّن سبحانه وتعالى الدماغ هذا التحصين لعلمه بأنه مهم وأنه مستحق لذلك، لكونه ينبوع الحس.

ثم انظر كيف غَيَّبَ الفؤاد في جوف الصدر، وكساه المدرعة التي هي غشاؤه وأتقنها، وحصَّنه بالجوانح وما عليها من اللحم والعصب لشرفه، وإن ذلك هو اللائق به. ثم انظر كيف جعل في الحلق منفذَين: أحدهما للصوت، وهو الحلقوم الواصل إلى الرئة، والآخر للغذاء وهو المريء الواصل إلى المعدة، وجعل على الحلقوم طبقاً[11] يمنع الطعام أن يصل إليه، ثم جعل الرئة مروحة الفؤاد لا تُغيّر ولا تُخَلّ، تأخذ وترد بغير كلفة، لئلا تنحصر الحرارة في القلب فتؤدي إلى التلف، ثم ملأ الجو هواء لهذه المصلحة ولغيرها.

ثم انظر كيف جعل لمنافذ البول والغائط سراحاً يضبطها، لكي لا يجري جرياناً دائماً فيفسد على الإنسان عيشه، ثم انظر كيف جعل لحم الفخذين كثيراً كثيفاً، ليقي الإنسان من ألم الجلوس على الأرض، كما يألم من الجلوس من نحل جسمه وقل لحمه إذا لم يكن بينه وبين الأرض حائل.

انظر لو كان ذكر الرجل مسترخياً أبداً، كيف يصل الماء إلى موضع الخلق، ولو كان مُنعظاً أبداً كيف يكون حاله في تصرفاته وهو كذلك؟ بل جعله مستوراً كأن لم تخلق له شهوة. ثم انظر أليس

صفحة 61

أنه من حسن التدبير في البناء أن يكون الخلاء في أستر موضع في الدار؟ فلها اتُّخذ المنفذ المهيأ لقضاء حاجة الإنسان في أستر موضع من جسده، مغيَّب فيه تلتقي عليه فخذاه بما عليهما من اللحم فتواريه به، ويخفى ذكره، وذلك مخصوص بالإنسان لشرفه.

ثم انظر في خلق الشعر والأظفار لما كانا يطولان، وفي تقصيرهما مصلحة، جعلا عديمَي الحس حتى لا ينال الإنسان ألم عند التزيُّن بقصِّهما، ولولا هذه الحكمة لكان بين أمرين: إما أن يدعهما على حالهما فيتشوّه خلقه، أو يزيل ذلك فيتألم بإزالته، ثم تفكر في الشعور لو نبتت في الأعين لأعمت البصر، أو في الفم لنغّصت الأكل والشرب، أو في راحة الكف لنفدت لذة اللمس وبعض الأعمال، أو في الفرج لكدرت لذة الجماع، مع قبول هذه المواضع لنباتها فيها. فسبحان المُدبِّر المُنعم بهذه النعم.

فانظر كيف قُصِدَ بهذا الخلق طريق الصواب وتجنب الخطأ والضرر، ثم فيما جُبل عليه الإنسان من الاحتياج إلى المطعم والنوم والجماع، وما في ذلك من التدبير المحكم، فقد جعل في طبعه محركاً يقتضيه ويستحثه، فالجوع والعطش يقتضي طلب الطعام الذي به حياته، وكذلك الشراب الذي به قوامه، والنوم فيه راحة للبدن وعموم القوى، والشبق يقتضي الجماع الذي به دوام النسل وبقاؤه. فلو كان الإنسان إنما يتناول الطعام والشراب لمعرفته بالحاجة إليه، ولم يجد من طباعه ما يلجئه إليه، لاشتغل بأسباب ضرورته، فتنحل قواه ويهلك، كما أنه قد يحتاج إلى دواء يكرهه وفيه صلاحه، وليس في جبلته داعية له فيدافع عن تناوله، فيمرض أو يموت. فكذلك

صفحة 62

لو كان يفعل بالنوم ويدخله على جسمه باختياره، لتشاغل عنه ببعض مهماته فيهلك جسمه بالتعب والنَّصَبِ. وكذلك لو كان إقدامه على الجماع إنما هو لرغبة حصول الولد لانقطع النسل، لما يعارضه من الأسباب المشغلة، فانظر كيف جعل فيه بالطبع ما يضطره إلى حصول هذه الفوائد.

ثم انظر كيف رُتِّبَتْ هذه القوى بهذا الترتيب المحكم العجيب، فصار البدن بما فيه بمنزلة دار لملك فيها حشم، وقوم موكلون بالدار: فواحدٌ لإمضاء حوائج الحشم وإيراد ماء لهم، وآخر لِكَسْحِ ما في الدار من الأقذار وإخراجه، فالملك في هذا المثل هو الخالق العليم سبحانه، والدار هي البدن، والحشم هي الأعضاء، والقوم في هذه القوى الأربع هي النفس، وموقعها من الإنسان بمعنى الفكر والوهم، والعقل والحفظ، والغضب وغير ذلك. أرأيت لو نقص من الإنسان من هذه الصفات الحفظ وحده؟ كيف يكون حاله؟ وكان لا يحفظ حينئذ ما له وما عليه، وما أصدر وما أورد، وما أعطى وما أخذ، وما رأى وما سمع، وما قال وما قيل له، ولم يذكر من أحسن إليه ولا من أساء له، ولا من نفعه ممن ضرّه، وكان لا يهتدي الطريق لو سلكه، ولا لعلم ولو درسه، ولا ينتفع بتحريره، ولا يستطيع أن يعتبر بمن مضى.

فانظر إلى هذه النعم، كيف موقع الواحدة منها؟ فكيف جميعها؟ وأعجب من نعمة الحفظ نعمة النسيان، فلولا النسيان ما سَلا الإنسان عن مصيبته، فكان لا ينقص له حسرة، ولا يذهب عنه حقد، ولا يستمتع بشيء من لذات الشهوات الدنيوية مع تذكر الآفات

صفحة 63

والفجائع المغضبات، وكان لا يمكن أن يتوقع غفلة من ظالم، ولا فترة ولا ذهولاً من حاسد أو قاصد مضرة، فانظر كيف جعل الله فيه سبحانه الحفظ والنسيان وهما متضادان، وجعل للإنسان في كل منهما ضروباً من المصالح.

ثم انظر إلى ما خصه به دون غيره من الحيوان من الحياء، فلولاه لم تقبل العثرات، ولم تقض الحاجات، ولم يُقْرَ الضيف، ولم يثمر الجميل فيفعله، ولا يتجافى عن القبح فيتركه، حتى إن كثيراً من الأمور الواجبة إنما تفعل لسبب الحياء من الناس، فترد الأمانات، وتراعى حقوق الوالدين وغيرهما، ويعف عن فعل الفواحش، إلى غير ذلك من أجل الحياء، فانظر ما أعظم موقع هذه النعمة في هذه الصفة.

وانظر ما أنعم الله به من النطق الذي يميز به عنه البهائم، فيعبر بما في ضميره، ويفهم عن غيره ما في نفسه، وكذلك نعمة الكتابة التي تفيد أخبار الماضين للباقين، وأخبار الباقين للآتين، وبها تخلد في الكتب العلوم والآداب، ويعلم الناس ذكر ما يجري بينهم في الحساب والمعاملات، ولولا الكتابة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عن بعض، ودرست العلوم، وضاعت الفضائل والآداب، وعظم الخلل الداخل على الناس في أمرهم بسبب عدمها. فإن قلت: إن الكلام والكتابة مكتسبة للإنسان، وليست بأمر طبيعي، ولذلك تختلف الخطوط بين عربي وهندي ورومي إلى غير ذلك، وكذلك الكلام هو شيء تصطلح عليه فلذلك اختلف، قلنا: ما به تحصل الكتابة من اليد والأصابع والكف المهيأ للكتابة، والذهن والفكر الذي يُهتدى به ليس بفعل الإنسان، ولولا ذلك لم يكن ليكتب أبداً، فسبحان

صفحة 64

المنعم عليه بذلك. وكذلك لولا اللسان والنطق الطبيعي فيه، والذهن المركب فيه لم يكن ليتكلم أبداً، فسبحان المنعم عليه بذلك.

ثم انظر إلى حكمة الغضب المخلوق فيه، يدفع عن نفسه به ما يؤذيها، وما خلق فيه من الحسد، فبه يسعى في جلب ما ينتفع به، غير أنه مأمور بالاعتدال في هذين الأمرين،[12] فإن جاوز الحد فيهما التحق برتبة الشياطين، بل يجب أن يقتصر في حالة الغضب على دفع الضرر، وفي الحسد على الغبطة، وهي إرادة ما ينفعه من غير مضرة تلحق غيره.

ثم انظر ما أعطى وما منع، مما فيه أيضاً صلاحه، فمن ذلك الأمل، فبسببه تعمر الدنيا ويدوم النسل، ليرث الضعفاء عن الأقوياء منافع العمارة، فإن الإنسان أول ما يخلق ضعيف، فلولا أنه يجد آثار قوم أحلوا وعمروا لم يكن له محل يأوي إليه، ولا آلة ينتفع بها، فكان الأمل سبباً لعمل الحاضرين ما يقع به انتفاع الآتين، وهكذا يتوارث إلى يوم الدين.

ومنعَ الإنسان من علم أجله ومبلغِ عمره لمصلحة، فإنه

صفحة 65

لو علم مدة حياته وكانت قصيرة لم تهنأ حياته، ولم ينشرح لوجود نسل، ولا لعمارة أرض، ولا لغير ذلك، ولو علمها وكانت طويلة لانهمك في الشهوات وتعدى الحدود، واقتحم المهلكات، ولعجز الوعاظ عن إيقافه وزجره عما يؤدي إلى إتلافه، فكان في جهله بمدة عمره حصول الخوف بتوقع هجوم الموت، ومبادرة صالح الأعمال قبل الفوات.

ثم انظر إلى ما ينتفع به مما فيه مصالحه وملاذه من أصناف الأطعمة على اختلاف طعومها، وأصناف الفواكه مع اختلاف أنواعها وبهجتها، وأصناف المراكب ليركبها ويحصّل منافعها، وطيور يلتذّ بسماعها، ونقود وجواهر يقتنيها، ويصل بها إلى أغراضه، ويجدها في مهماته، وعقاقير يستعملها لحفظ صحته، وبهائم لمأكله ولغير ذلك من أموره من حرث وحمل وغير ذلك، وأزهار وغيرها من العِطريات يتنعم بروائحها وينتفع بها، وأصناف من الملابس على اختلاف أجناسها، وكل ذلك ثمرة ما خلق فيه من العقل والفهم، فانظر ماذا ركّب الله فيه من العجائب.

ومن الحكمة البالغة اختلاف العباد في تملُّك ما ينتفع به بنو آدم، ليتميز منهم الفقير من الغني، فيكون ذلك سبباً لعمارة هذه الدار، ويشتغل الناس بسبب ذلك عما يضرهم في غالب الأحوال، فمثالهم فيما اشتغلوا به مثال الصبي، فإنه يشتغل لنقص عقله فيما يضرّ به نفسه، ولا يتفرغ فيكون فراغه وبالاً عليه.

وكم عسى أن يَعُدَّ العَادُّ الحِكَمَ واللطائف التي يقصد بها قوام

صفحة 66

العالم وعمارته إلى الأجل المعلوم، وهي مما لا تدخل تحت حد، ولا يحصرها عد، ولا يعلم منتهى حقائقها، وإحصاء جملتها إلا الحكيم العليم، الذي وَسِعَتْ رحمته وعلمه كل شيء، وأحصى كل شيء عدداً.

خاتمة لهذا الباب

في تكريم الإنسان

اعلم أن الباري سبحانه وتعالى شرّف هذا الأدمي وكرمه، فقال سبحانه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}.[13] فكان من أعظم ما شرّفه به وكرمه العقل، الذي تنبّه به على البهجة، وألحقه بسببه بعالم الملائكة، حتى تأهّل به لمعرفة بارئه ومُبدعه بالنظر في مخلوقاته، واستدلاله على مخلوقاته، واستدلاله على معرفة صفاته، بما أودَعه في نفسه من حكمة وأمانة، قال الله العظيم: {وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}.[14] فكان نظر الإنسان في نفسه، وفيما أودع البارئ سبحانه فيه من العقل – الذي يقطع بوجوده فه ويعجز عن وصفه – من أعظم الدلالات عنده على وجود بارئه ومدبره وخالقه ومصوره، فإنه ينظر في العقل

صفحة 67

كيف فيه التدبير، وفنون العلم، ومستقر المعرفة، وبصائر الحكمة، والتمييز بين النفع والضرر، وهو مع القطع بوجوده (أي العقل) لا يرى له شخصاً، ولا يسمع له حساً، ولا يجس له مجساً، ولا يشم له ريحاً، ولا يدرك له صورة ولا طعماً، وهو مع ذلك آمِرٌ ومُطاع، وَرَاجٍ زيادة، ومفكر ومشاهد للغيوب، ومتوهم للأمور، اتسع له ما ضاق عن الأبصار، ووسع له ما ضاقت عنه الأوعية، يؤمن بما غيبته حجبُ الله سبحانه مما بين سماواته وما فوقها، وأرضه وما تحتها، حتى كأنه يشاهده أبيَن من رأي العين، فهو [أي العقل] موضع الحكمة، ومعدن العلم، كلما ازداد علماً ازداد سعة وقوة، يأمر الجوارح بالتحرك، فلا يكاد أن يميز بين الهم بالحركة، وبين التحرك بسرعة الطاعة، أيهما أسبق وإن كان الهم قبل. وهو مع تدبيره وعلمه وحكمته عاجز عن معرفة نفسه، إذ لا يمكنه أن يصف نفسه بصفة وهيئة أكثر من الإقرار بأنه مُسلِّم للذي وصفه العليم به، ومقر بالجهل بنفسه، وهو مع جهله بنفسه عالم حكيم، يميز بين لطائف التدبير، ويفرق بين دقائق الصنع، وتجري الأمور وقد تدبّرها، ويتوهم العواقب وقد تمثَّلها، ويدل على الأمور على اختلافها، فدلّ جهله بنفسه، وعلمه بما يدبِّر ويميّز أنه مركَّب مصنوع، مصوَّر مقهور، لأنه مع حكمته واتقاد بصيرته، عاجز مَهين، يريد أن يذكر الشيء فينساه، ويريد أن ينساه فيذكره، ويريد أن يُسَرَّ فيحزن، ويريد أن يغفل فيذكر، ويريد أن يتنبه ويتيقظ فيسهو ويغفل، دلالة على أنه مغلوب مقهور، جاهل بحقائق ما علم، وهو مع ما دبر لا يدري كم مدى مبلغ صوته، ولا كيف خروجه، ولا كيف اتِّساق حروف كلامه، ولا كم مدى مبلغ

صفحة 68

نظره، ولا كيف رُكِّبَ نوره، ولا كيف أدرك الأشخاص، ولا كم قدرُ قوته، ولا كيف تركَّبت إرادته وَهِمَّتُهُ؟ فاستدل بعلمه – عن حقيقة ما علم – أنه مصنوع بصنعة متقنة، وحكمة بالغة، تدل على الصانع الخالق، المريد العليم عز وجل.

ثم إنه خلق في الإنسان الهوى موافقاً لطباعه، فإن استعمل نور العقل فيما أمر به ورد مورد السلامة، وفاز غداً بدار الكرامة، وإن استعمله في أغراض نفسه وهواها حُجِبَ عن معرفة أمور لا يدركها غيره، مع ما هو متوقع له في الدار الآخرة من الثواب والحجاب[15] والعقاب.

وهو [أي العقل] الآلة في عمل الصنائع، وتقديرها على نحو ما قدرها ودبرها في ذهنه وتخيله، واستنباط ما يستنبط بدقيق الفكر، ومعرفة مكارم الأخلاق الموجودة في كل أمة وزمان، واستحسان ما يحسن في عوائد العقلاء والفضلاء، وتقبيح ما يقبح عندهم بحكم الاعتياد.

فانظر ما شرّف الله به هذا الإنسان، أن خلق فيه ما يفيده هذه المعارف، فإن الأواني تشرُف بشرف ما يوضع فيها، ولما كانت قلوب العباد هي محل للمعرفة بالله سبحانه شرفت بذلك. ولما سبق في علم البارئ سبحانه وإرادتِه وحكمتِه، بمصير الخلق إلى دار غير هذه الدار، ولم يجعل في قوة عقولهم ما يطَّلعون به على أحكام تلك الدار،

صفحة 69

كمّل سبحانه هذا النور الذي وهبهم إياه [وهو نور العقل] بنور الرسالة إليهم، فأرسل الأنبياء صلوات الله عليهم مبشرين لأهل طاعته، ومنذرين لأهل معصيته، فمدهم بالوحي وهيأهم لقبوله وتلقيه، فكانت أنوار ما جاء بالوحي من عند الله، بالنسبة إلى نور العقل، كالشمس بالإضافة إلى نور النجم، فدلّوا العباد على مصالح دنياهم فيما لا تستقل بإدراكه عقولهم، وأرشدوهم إلى مصالح أخراهم، التي لا سبيل للعباد أن يعرفوها إلا بواسطتهم، وأظهر لهم سبحانه من الدلائل على صدق ما جاءوا به ما أوجب الإذعان والانقياد لصدق أخبارهم، فتمت بذلك نعمة الله على عباده، وظهرت كرامته، وثبتت حجته عليهم.

فانظر ما أشرف الآدمي ونسله، الذين ظهر منهم هؤلاء الفضلاء، الذين هم قابلون لهذه الزيادات الفاضلة، ثم تضافرت أنوار الشرائع التي هي كالشمس، وأنوار العقول التي هي كالنجم، فتمت سعادة من سبق له من الله الحسنى، وشقاوة من كذب ولم يُرِدْ إلا الحياة الدنيا.[16]

ثم إن الله تبارك وتعالى مَنَّ على الإنسان بأن خصه برؤيا يراها في منامه، أو في عينه كشبه المنام، يمثل له فيها بأمثلة معهودة من جنس ما يعرفه، وهي مبشِّرة أو منذرة له لما يتوقعه بين يديه، وكل ذلك

صفحة 70

مواهب وكرامات من جود الله سبحانه، وجعل الله استقامته على الطاعة في قلبه وجوارحه سبباً لصدقها في غالب الأمر، لِيَتَّعِظَ أو يقدم على الأمور أو يحجم عنها، وهي الأمور التي انفرد الله بعلم العاقبة فيها، وأطْلع على بعض الأمور منها من شاء من عباده.

  1. [1] الآيات 12-16/ من سورة المؤمنون.
  2. [2] القحف: أعلى الدماغ (المصباح المنير للمقري 2/ 64).
  3. [3] اللحي: عظم الحنك، وهو الذي عليه الأسنان (المصباح المنير للمقري 2/ 93).
  4. [4] الآية 27/ من سورة النازعات.
  5. [5] الآيات الكريمة: {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا . رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا . وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا . وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا . أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا . وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا . مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}.

    النازعات/ 27-33.

  6. [6] وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل/ 78).
  7. [7] قال تعالى: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا . إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا . إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} الإنسان/ 1-3.
  8. [8] الأرب: الحاجة (المصباح المنير للمقري 1/ 7).
  9. [9] الآية 64/ من سورة غافر.
  10. [10] في الأصل [معابض] ولم أجدها في المصباح المنير.
  11. [11] طبقاً أي لهاة على باب الحلقوم تمنع الماء والطعام من الوصول إلى مجرى التنفس.
  12. [12] أي مأمور بالاعتدال في الغضب والحسد، أما الاعتدال في الغضب: فالمراد به ضبط النفس عند الغضب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) رواه البخاري (الترغيب والترهيب للمنذري 5/ 116)، وأما الاعتدال في الحسد فالمراد به هنا الغبطة، وهي تمني مثل ما ناله الغير أو كان عنده، من غير أن تتمنى زواله عنه لما أعجبك منه وعظم عندك، فهذا جائز وليس بحسد، فإن تمنيت زواله عن الغير وكرهته لغيرك ليكون لك فهو الحسد (المصباح المنير للمقري/ 42، 63).
  13. [13] الآية 70/ من سورة الإسراء.
  14. [14] الآية 21/ من سورة الذاريات.
  15. [15] وإليه الإشارة في قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} المطففون/ 15.
  16. [16] اقرأ ثم فكر في قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَىٰ} النجم/ 29-30.
الباب التاسع: حكمة خلق الإنسان
 
Top