الباب الأول: التفكر في خلق السماء وفي هذا العالم

صفحة 15

الباب الأول: التفكر في خلق السماء وفي هذا العالم

قال الله تعالى: {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ}[1] وقال سبحانه: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}.[2]

اعلم رحمك الله: أنك إذا تأملت هذا العالم بفكرك وجدته كالبيت المبني، المُعَدِّ فيه جميع ما يُحتاج إليه، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منصوبة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وكل شيء من ذلك معد مهيأ لشأنه، والإنسان كالملك للبيت، المخوَّل لما فيه، فضروب النبات لمَآربه، وأصناف الحيوانات مصرَّفة في مصالحه، فخلق سبحانه السماء، وجعل سبحانه لونها أشد الألوان موافقةً للأبصار وتقوية لها، ولو كانت

صفحة 16

أشعة وأنواراً لأضرت الناظر إليها، فإن النظر إلى الخضرة والزرقة موافق للأبصار، وتجد النفوس عند رؤية السماء في سعتها نعيماً وراحة، لا سيما إذا انفطرت نجومها وظهر نور قمرها.

والملوك تجعل في سقوف مجالسها من النقش والزينة ما يجد الناظر إليه به راحة وانشراحاً، لكن إذا داوم الناظر إليه نظره وكرره ملَّه، وزال عنه ما كان يجده من البهجة والانشراح، بخلاف النظر إلى السماء وزينتها، فإن الناظر إليها من الملوك فمَن دونهم إذا ضجروا من الأسباب المضجرة لهم يلجأون إلى ما يشرحهم من النظر إلى السماء وسعة الفضاء، وقد قالت الحكماء: يحذوك عندك من الراحة والنعيم في دارك بمقدار ما عندك فيها من السماء.[3]

وفيها أنها حاملة لنجومها المرصعة ولقمرها، وبحركتها سير الكواكب فيهتدي بها أهل الآفاق، وفيها طرق لا تزال توجد آثارها من المغرب والمشرق. ولا توجد مجردة ولا مقبلة في صورة نور، وقيل إنها [أي الكواكب] أنجم صغار متكاثفة مجتمعة، يهتدي بها على السير من ضل، وينظر في أي جهة كانت فيقصدها، وقيل: إنها المشار إليها في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ}[4] قيل: الحُبُكُ الطرق، وقيل: ذات الزينة. فهي دلائل واضحة تدل على فاعلها، وصنعته محكمة صَمديَّة تدل على سعة علم بارئها، وأمور ترتيبها

صفحة 17

تدل على إرادة منشئها، فسبحان القادر العالِم المريد.

وقيل: في النظر إلى السماء عشر فوائد: تُنقِص الهم، وتقلِّل الوسواس، وتزيل وهم الخوف، وتذكر بالله، وتنشر في القلب التعظيم لله، وتزيل الفكر الرديئة، وتنفع لمرض السوداء، وتسلّي المشتاق، وتؤنِس المحبين، وهي قبلة دعاء الداعين.

  1. [1] الآية 6/ من سورة ق.
  2. [2] الآية 12/ من سورة الطلاق.
  3. [3] وفي ذلك يقول الله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} الصافات/ 6، ويقول تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} الحجر/ 16.
  4. [4] الآية 7/ من سورة الذاريات.
الباب الأول: التفكر في خلق السماء وفي هذا العالم
 
Top