الكتاب

صفحة 1

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي خلق في كل موجود دليلاً على وجوب وجوده، وآياتٍ على تفرد أفعاله، فهو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي افتقرت له الأرض والسماوات، وذلت لعظمته البحار والجبال الراسيات، أحمده حمد المتفقر إليه، الطالب دوام ستره ونعمته عليه، وأصلي وأسلم على مُخرِج الناس من ظلمات الجهل إلى أنوار العلم، ومن أوهام الباطل، إلى يقين الحق، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واهتدى بهديه.

وبعد:

فإن هذه المنظومة (الخريدة البهية) قد حوت اعتقاد أهل السنة والجماعة على طريقة إمامهم أبي الحسن الأشعري -رحمه الله-، بكلمات قليلة، وعبارات بليغة، فكانت من خير الكتب للطالب المبتدئ في هذا العلم.

ولما كانت الشروح عليها لا تناسب المبتدئ؛ لطول ممل، أو اختصار مخل، في زمان بعُد فيه الناس عن العلوم الشرعية، وانغلقت عليهم عباراته، رأيت أن أضع عليها شرحاً للمبتدئين، أوضح فيه معانيها، وأبين قواعد مذهب أهل السنة والجماعة، بعبارات قريبة سهلة، متكلة بذلك على توفيق الله تعالى، ومستعينة بما
استقيته من كتب أئمتنا -رضوان الله عليهم-، ودروس مشايخ أهل السنة والجماعة في زماننا وكتبهم -حفظهم الله تعالى-.

والله أسأل أن ينير بها بصائر أناس قد عموا عن الحق، ويهدي بها أناساً قد فارقوا جماعة المسلمين، فضلوا في عقائدهم و أضلوا، وأن يتقبلها مني ويجعلها خالصة لوجهه الكريم.

يقول راجي رحمةَ القديرِ … أي أحمد المشهور بالدردير

مؤلف هذه المنظومة هو: الإمام العلامة أحمد بن محمد العدوي المالكي الأزهري الخلوتي، المعروف بالدردير.

ولد سنة 1127هـ وأمضى حياته في طلب العلم وبذله، وصنف في علوم شتى من علوم الشريعة، وتلقى الناس كتبه بالقبول، فمن تآليفه في الفقه: ((شرح مختصر خليل))، و((أقرب المسالك إلى مذهب مالك)) وصارت كتبه من الكتب المعتمدة في المذهب المالكي، لكونه ذَكَرَ فيها الراجحَ في المذهب.

وفي العقيدة: ((الخريدة البهية))، وشرحها.

وفي التصوف: ((تحفة الإخوان في آداب أهل العرفان)).[1]

وغيرها كثير، وتوفي سنة 1201هـ.

الحمد لله العلي الواحدِ … العَالِمِ الفرد الغني الماجدِ

وأفضل الصلاة والتسليمِ … على النبي المصطفى الكريمِ

وآله وصحبِه الأطهارِ … لا سيما رفيقُه في الغارِ

صفحة 2

وهذه عقيدة سنيةْ … سميتُها الخريدةَ البهيةْ

لطيفةٌ صغيرةٌ في الحجمِ … لكنها كبيرةٌ في العلمِ

تكفيكَ علماً إن تُرِدْ أن تكتفي … لأنها بزبدةِ الفَنِّ تفي

واللهَ أرجو في قَبول العملِ … والنفعِ منها ثم غفرِ الزللِ

الخريدة البهية: اللؤلؤة التي لم تثقب.

وزبدة الشيء، هي خلاصته.

أول ما بدأ به الناظم -رحمه الله- ذكر الحكم العقلي، ولا بُدَّ من تقديم مقدمة في أسباب العلم وطرقه الصحيحة، وذلك لأن إثبات الأحكام ونفيها لا بُدَّ أن يكون تابعاً لطرق معرفية صحيحة معتبرة:

بين الله تعالى في كتابه العزيز أصول هذا المطلب في الآيات الكريمة الواردة، ومنها قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78].

فالإنسان يولد خالي الذهن من المعلومات، ثم يبدأ بتلقي المعلومات عن طريق الحواس الخمس التي خلقها له الله تعالى، وهي السمع، والبصر، واللمس، والشم، والذوق، وهذه الحواس بريد بين الإنسان والعالم الخارجي، فلولاها لما استطاع الإنسان أن يحس بما حوله، أو يعقله.

وهذه الحواس لا تحكم بشيء، وإنما تنقل فقط المعلومات للقلب والعقل، وهما اللذان يدركان ويحكمان، فهي واسطة الإدراك، وقد يقول بعض العلماء إن الإدراك يكون بها نفسها.

ثم إن كان الإدراك لشيء مفرد مجرد عن أي نسبة لشيء آخر، فهذا الإدراك يسمى تصوراً.

وذلك كإدراك مفهوم الإنسان دون نسبته أو الحكم عليه بأي شيء، وإدراك الحركة دون نسبتها أو الحكم عليها بأي شيء.

فإن نُسِبَتِ الحركة للإنسان، أي: تُصور أن الإنسان متحرك، وأُقر بهذه النسبة، سمي ذلك: حكماً، و تصديقاً.

فالحكم هو: نسبة أمر إلى أمر، أو نفيه عنه، والإذعان للنسبة هو التصديق.

وتصديقنا للأشياء وحكمنا عليها إما أن يكون على سبيل القطع، ويطلق عليه بالاصطلاح العلم، وهو: الإدراك الجازم المطابق للواقع، وتكون نسبته 100%.

فإن كان عن دليل قاطع سمي يقيناً.

وقولنا الإدراك الجازم يخرج الإدراك المتردد، فإذا كان عندنا أدنى تردد في الحكم على الشيء، لم يكن حكمنا يقينياً، وإن بلغ 99%.

وقولنا: المطابق للواقع، يخرج المخالف للواقع، فقول المسلم: الله واحد، يقين؛ لأنه جازم بشيء مطابق للواقع، فالله في واقع الأمر واحد.

صفحة 3

وأما قول النصراني: الله ثالث ثلاثة، فلا يسمى يقيناً؛ لأنه وإن كان جازماً فيه دون تردد، إلا أنه مخالف للواقع، فالله في الواقع واحد، والإدراك الجازم المخالف للواقع لا يسمى علماً، بل إيماناً واعتقاداً فاسداً.

وإن كان في الإدراك تردد بين أمرين أحدهما أرجح من الآخر، فالراجح يسمى ظناً، ونسبته من: 51% إلى: 99%.

والمرجوح يسمى وهماً، ونسبته من: 1%، إلى: 49%.

وذلك كأن يخبرنا إنسان واحد صادق بموت أمير البلاد، فخبره مهما كان صادقاً فإنه لا يبلغ اليقين، وإنما يتفاوت بدرجات الظن.

وكلما زادت نسبة الظن، انخفضت نسبة الوهم، فإن كان ظن صدقه يبلغ: 90%، كان وهم كذبه يبلغ: 10%، وإن كان ظن صدقه يبلغ: 75%، كان وهم كذبه يبلغ: 25%.

وإن كان الإدراك متردداً بين أمرين متساويين، لا يرجح أحدهما على الآخر، كان شكاً، ونسبته: 50%.

وذلك كأن رأى حيواناً يمشي على أربع من بعيد، فشك بين أن يكون حصاناً أو حماراً، ولم يرجح أحدهما على الآخر، فإدراكه لكون هذا الحيوان حصاناً أو حماراً، شك.

ثم إن حكمنا على الأمور بأن ننسب أمراً إلى أمر أو ننفيه عنه، يكون بواسطة:

1- الوضع ويندرج تحته الشرع.

2- أو العادة.

3- أو العقل.

فيسمى حكماً وضعياً، أو عادياً، أو عقلياً، بحسب الواسطة التي أوصلتنا إلى هذا الحكم.

الحكم الوضعي:

فالحكم الوضعي، إن نظرنا إليه من حيث إنه وضعي، فهو: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه بواسطة الوضع.

وهو ما تواضع عليه فئة معينة من الناس، والوضع: جعل شيء بإزاء شيء آخر بحيث يتبادر الثاني عند تبادر الأول، وذلك كوضع اللون الأحمر في الإشارة بإزاء منع المرور، فإن رئي اللون الأحمر، تبادر إلى الذهن منع المرور.

ثم إن مشى رجل في الطريق والإشارة حمراء، فإننا نحكم عليه بالمخالفة، وحكمنا هذا مستمد مما تواضع عليه منظمو المرور.

ومثله كل الأحكام القانونية، التي تُستمد من وضع فئة من الناس، ومن ذلك عادات الشعوب التي يتعارف عليها أهل البلاد.

وإن نظرنا إليه من حيث إنه شرعي فهو: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين.

وينقسم إلى إيجاب، وندب، وتحريم، وكراهة، وإباحة، والكلام فيه محله علم أصول الفقه.

صفحة 4

الحكم العادي:

والحكم العادي، هو: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه بواسطة التكرار.

وذلك كحكمنا على النار بأنها محرقة، فهذا الحكم مستمد من القوانين التي وضعها الله سبحانه وتعالى للكون، فهي من عادة الكون.

وتعرف بواسطة التكرار والتجربة، فالإنسان الذي لم يعرف النار في حياته، لا يمكنه أن يحكم بأن كل نار محرقة من أول مرة، بل لا بد له من أن يتكرر الأمر عنده كي يتمكن من الحكم بذلك.

وكذا لو كانت لديه قطعة زجاج رقيقة، ولم يعرف الزجاج في حياته، فأخذها ورمى بها بقوة على أرض صلدة، فانكسرت، فإنه لن يتمكن من الحكم بأن كل زجاج رقيق ينكسر بوقوعه بقوة على أرض صلدة، بل لا بد من تكرر هذا الأمر.

وينقسم الحكم العادي إلى واجب، ومستحيل، وجائز.

فطلوع الشمس من مشرقها، واجب عادي.

وإبصار الإنسان بيده، مستحيل عادي.

وولادة الحامل لستة أشهر، جائز عادي.

ويدخل في الأحكام العادية غالب علم الكيمياء، والفيزياء، ونحو ذلك من العلوم التي تخص القوانين الكونية.

والأسباب العادية ليس لها تأثير، وإنما المؤثر فيها هو الله تعالى، فالله تعالى إن أراد لها التأثير، خلق فيها القدرة على التأثير عند وجودها.

وذلك كالدواء، فإن وجد الدواء، وأراد له الله تعالى أن يشفي، جعل فيه القدرة على الشفاء عند تناوله.

وهكذا النار إن أراد لها أن تحرق، والسحر إن أراد له أن يضر، وكل سبب عادي.

ومع هذا فإننا مكلفون بالسير على القوانين والأسباب العادية، فلا يجوز لنا أن نلقي أنفسنا في النار لأنها لا تحرق إلا بإرادة الله تعالى؛ لأننا مكلفون شرعاً بالأخذ بالأسباب العادية، والسير على القوانين التي وضعها الله للكون، ومنها اجتناب النار.

ولكننا مع أخذنا بالسبب العادي نعتقد أنه إنما يحصل بإرادة الله، وخلقه.

والواجب والمستحيل العاديان يمكن أن يتخلفا خرقاً للعادة، وخوارق العادات ستة: المعجزة، والإرهاص، والكرامة، والمعونة، والاستدراج، والإهانة، وسيأتي بيانها والكلام عليها في مبحث النبوات.

الحكم العقلي:

والحكم العقلي هو: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه بواسطة العقل. أي بأن لا يتوقف العقل في حكمه على إثبات أمر أو نفيه على وضع واضع أو تكرر أو مشاهدة وتجربة.

وقد ذكره الناظم فقال:

صفحة 5

أقسامُ حكمِ العقلِ لا محالةْ … هي الوجوبُ ثم الاستحالةْ

ثم الجوازُ ثالثُ الأقسامِ … فافهمْ مُنحتَ لذةَ الأفهامِ

وواجبٌ شرعاً على المُكَلَّفِ … معرفةُ الله العليِّ فاعرفِ

أي يعرفَ الواجبَ والمُحالا … مع جائزٍ في حقه تعالى

ومثلُ ذا في حق رسلِ الله … عليهمُ تحيةُ الإلهِ

فالواجبُ العقليُّ ما لم يَقبلِ … الانتفا في ذاته فابتهلِ

والمستحيلُ كُلُّ ما لم يقبلِ … في ذاته الثبوتَ ضِدُّ الأولِ

وَكُلُّ أمرٍ قابلٍ للانتفا … وللثبوتِ جائزٌ بلا خفا

فالواجب العقلي هو: ما لا يقبل الانتفاء لذاته، وذلك كأخذ الجسم حيزاً من الفراغ، فهذا واجب عقلي، يستحيل أن ينتفي بأن يوجد جسم لا يأخذ حيزاً من الفراغ؛ لأن كون الجسم ذا حيز هو أمر ذاتي له، فلا يتصور العقل جسماً دون أن يكون له حيز.

وكنتائج المسائل الحسابية، فحاصل جمع واحد مع واحد يجب أن يكون اثنين، ولا يمكن انتفاء هذا الحكم، أو انخراقه بأن يساوي ثلاثة مثلاً؛ لأنه غير قابل لذلك.

فالواجب العقلي نجزم بثبوته، ونقطع باستحالة انتفائه، فالجزم فيه من جهة الثبوت والانتفاء، بخلاف الحكم العادي الذي غاية ما فيه الجزم بالثبوت، ولكن ليس فيه الجزم باستحالة الانتفاء، ففرض عدمه ممكن عقلاً.

والمستحيل العقلي هو: ما لا يقبل الثبوت بذاته، وذلك كاجتماع النقيضين، بأن يكون الشيء موجوداً ومعدوماً في الوقت نفسه، فهذا مستحيل عقلاً، غير قابل لأن يوجد.

والجائز العقلي هو: ما يقبل الوجود والعدم بذاته، وذلك كوجود أي إنسان، فإن وجوده وعدمه ممكنان عقلاً.

وكقدرة فاقد العين على الإبصار، فإنه وإن كان مستحيلاً عادة، إلا أنه جائز عقلاً.

وكطلوع الشمس من جهة المشرق، فهو واجب عادة، جائز عقلاً.

وكانقلاب العصا إلى ثعبان، ووجود ولد بلا والد، ونحو ذلك من معجزات الأنبياء -صلوات ربي وسلامه عليهم- فإنها لا تخرق الأحكام العقلية؛ لأنها غير قابلة للانخراق، وإنما تخرق الأحكام العادية.

وكل من الواجب والجائز والمستحيل ينقسم إلى: ضروري، وهو: ما لا يحتاج إلى نظر أو استدلال، فيحكم الإنسان العاقل عليه بالوجوب، أو الجواز، أو الاستحالة بمجرد تصوره، وذلك كالحكم بأن الجسم الصغير لا يحتوي على الجسم الكبير، وأن ناتج جمع واحد وواحد يساوي اثنين.

صفحة 6

ونظري، وهو: ما حٌتاج إلى نظر واستدلال، فلب تٌمكن الإنسان العاقل عادة
من القطع به دون الاستدلال عل هٌ، والتفكر ف هٌ بالنظر والبحث ف الأدلة ، وذلك
كالحكم بؤن الله تعالى مخالؾ للحوادث، ونتائج المسائل الحساب ةٌ المعقدة، ونحو
ذلك.

ولما كان واجباً على الإنسان إن أراد أن يُثبت لغيره أمراً معيناً، أن يكون بين المُثبِت والمُثبَت له أمورٌ مسلمة، يبنيان عليها كلامهما، وليس هناك من أمر مسلم بين بني آدم جميعاً إلا العقل، بنى أئمتنا -رضوان الله عليهم- أدلة العقائد على الأحكام العقلية الموافقة للأدلة النقلية -إذ لا تعارض بين العقل والنقل-؛ ليتمكنوا بذلك من محاورة أي إنسان في أي زمان ومكان.

ولم يكتفوا بالأدلة النقلية، إذ أنهم لو اكتفوا بها، فسألهم الملحد: ما الدليل على أن كل ما في الكون من خلق الله؟

فقالوا: قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16].

لقال لهم: إنني لا أؤمن بربكم فتستدلوا علي بكلامه، فليس كلامه بحجة علي، وإنما أريد دليلاً يكون مشتركاً بيننا، أومن به أنا وأنتم.

فلو أقمنا عليه الدليل العقلي، للزمه التسليم به، ولن يتمكن من رفضه، إلا أن يكون معانداً.

فإن اعترض معترض وقال: فكيف نفعل بالعقائد التي لا يمكن إثباتها بغير النقل؟

قلنا: إننا بعد أن نثبت له العقائد التي يمكن الاستدلال عليها بالعقل، فإن هذه العقائد ستلزمه بالتسليم للنقل؛ لأننا سنثبت له صدق ناقل هذا الشرع، وإذا ثبت صدقه عموماً، ثبت صدقه في خصوص كل خبر ينقله، كما سيأتي بيان ذلك في نهاية هذا الكتاب، بإذن الله.

وبهذا يظهر معنا أن علم الكلام ينقسم إلى قسمين:

قسم لا يمكن الاستدلال عليه إلا بواسطة النقل، وتسمى: (العقائد السمعية)، وذلك كاليوم الآخر، والجنة، والنار، ونحو ذلك من الأمور التي لا يتمكن العقل المجرد من القطع بها، ولا يتوقف إيماننا بالله تعالى عليها، فلا نحتاج للإيمان بها قبل إيماننا بوجود الله تعالى.

وقسم لا يمكن الاستدلال عليه بالنقل، وذلك كوجود الله تعالى، وقدرته وعلمه، لتوقف إيماننا بالأدلة السمعية على الإيمان به، فلا يمكن أن يؤمن الإنسان بالقرآن قبل إيمانه بوجود الله تعالى منزل القرآن، فلا يمكن أن نستدل على الكافر بوجود الله تعالى بالقرآن.

ومن فوائد الاستدلال بالدليل العقلي في العقائد، أنه بمجرد ثبوت الدين الحق فيه، يثبت به بطلان ما سواه من الأديان؛ لأن النتيجة العقلية لا تتعدد، فيستحيل أن يكون ناتج ضرب خمسة في خمسة، خمسة وعشرين، وستة وعشرين، بل لا بد من أن يكون أحد الناتجين باطل، والآخر حق.

فإذا ثبت أن الله واحد، فيستحيل أن يكون ثلاثة، فيظهر بذلك بطلان اعتقاد النصارى.

صفحة 7

ولذا فإن أئمتنا -رضوان الله عليهم- اهتموا بالأدلة العقلية اهتماماً كبيراً؛ ليتمكنوا بذلك من مناقشة جميع الملل، وإبطالها، وكتبوا في ذلك الكتب الموسعة، والمختصرة، وأتوا في كل كتاب بما يناسبه من الدليل.

فالاستدلال العقلي للعامة يكون بأسلوب عامي، وللمبتدئ بأسلوب واضح، ولا تذكر له الخلافات، ثم لطالب العلم المتوسع بأدلة متوسعة، وذكر الخلاف فيها، ومناقشتها، ونحو ذلك من أمور تجعل من طالب العلم المُجِدِّ جبلاً راسخاً في اعتقاده، يُبطل العقائد المنحرفة بثقة دون أن يتأثر، أو يتزعزع بعقيدته.

وقد ذكر الناظم -رحمه الله- حكم تعلم العقائد بقوله في الأبيات التي مر ذكرها:

وواجبٌ شرعاً على المكلَّفِ … معرفةُ الله العليِّ فاعرفِ

أي يعرفَ الواجبَ والمحالا … مع جائزٍ في حقه تعالى

ومثلَ ذا في حق رسلِ الله … عليهم تحيةُ الإلهِ

المكلف هو: البالغ العاقل الذي بلغته الدعوة.

فقد أوجب الشرع عليه أن يعرف ما يجب في حق الله تعالى، كوجوب بقائه، ومخالفته لخلقه، ونحو ذلك، وما يستحيل عليه، كاستحالة أن يكون له ولد، أو شرك، أو نحو ذلك، وما يجوز في حقه، كجواز خلقه، ورزقه، ونحو ذلك، ومعرفته لذلك بأن يذعن له بالإيمان به.

ولا يجب على المكلف معرفة حقيقة ذات الله تعالى؛ لأن هذا غير ممكن كما هو المعتمد عند محققي العلماء، بل الواجب عليه أن يعرف صفاته وأحكامها دون معرفة حقيقتها كذلك؛ لأنه كما يستحيل معرفة الذات، فكذا يستحيل معرفة الصفات.

ولذا فإن الله لم يأمرنا في القرآن بالتفكر في ذاته، بل أمرنا بالتفكر في أفعاله التي تدل على صفاته.

ويجب على المكلف كذلك أن يؤمن بالأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-، ويعرف ما يجب لهم من صفات، وما يستحيل عليهم، وما يجوز.

والإيمان بالله تعالى ورسله -صلواته وسلامه عليهم- من قبل المكلف لا بد أن يكون على سبيل القطع، فلو تردد به، بأن نزل عن درجة العلم، و صار ظناً، لم يصح إيمانه، وكان كافراً.

ولذا فإنهم اختلفوا في حكم المقلد، وهو من آمن تبعاً لقومه، دون أن يكون له أدنى دليل على صحة إيمانه، هل يقبل إيمانه أم لا؟

والمعتمد أنه إن كان جازماً بصحة إيمانه، قُبل منه، لكنه يكون عاصياً بتركه لتحصيل الدليل إن كان قادراً على ذلك؛ لأنه معرضٌ نفسَه للفتن، بضعف إيمانه لكونه لم يبنه على دليل، فهو يتردد لأدنى شبهة.

وأما إن كان متردداً في اعتقاده، فإنه يكون كافراً بلا خلاف.

ثم اعلمنْ بأن هذا العالَما … أي ما سوى الله العلي العالِما

من غير شَكٍّ حادثٌ مفتقرُ … لأنه قام به التغيرُ

صفحة 8

حدوثُه وجودُه بعدَ العدمْ … وضدُّه هو المسمى بالقِدَمْ

الموجود إما أن يكون قديماً، وهو: ما ليس لوجوده بداية.

أو حادثاً، وهو: ما وجد بعد أن لم يكن.

فالعالَم إما أن يكون قديماً أو حادثاً.

والمراد بالعالم إذا أطلق في كتب الكلام: كل ما سوى الله تعالى، من الأفلاك، والملائكة، والجنة، والنار، والعرش، والإنس، والجن، وغير ذلك.

ونحن نقول بحدوثه، ونستدل على ذلك بأن هذا العالم ينقسم إلى قسمين:

جواهر، وهي: ما تقوم بنفسها.

وأعراض، وهي: ما تقوم بغيرها.

فالكأس جوهر، وانكساره عرض، فنحن لا نرى انكساراً قائماً بذاته، وإنما نرى كأساً منكسراً.

والجسم جوهر، و طوله عرض، فلا يوجد طول قائم بذاته، وإنما يوجد جسم طويل.

والحركة والسكون كل منهما عرض، فلا يوجد حركة قائمة بذاتها، وإنما يوجد جسم متحرك أو ساكن.[2]

والأعراض حادثة، فنحن نرى الجسم تحرك بعد أن كان ساكناً، فالحركة حدثت فيه، والإنسان غضب بعد أن كان هادئاً، فالغضب حدث فيه، ونحو ذلك.

فإن سلمنا بحدوث الأعراض، انتقلنا إلى الكلام على الجوهر، فنقول:

الجوهر ملازم للعرض، فلا يوجد جوهر بلا عرض؛ لأن الجوهر إما أن يكون ساكناً، أو متحركاً، وكل من السكون والحركة عرض حادث.

فإذا سلمنا أن الجوهر ملازم للعرض، وأن العرض حادث، لزمنا أن نسلم بحدوث الجوهر.

وبيان ذلك أنه لا وجود للجوهر بلا عرض، فأول عرض طرأ على هذا الجوهر حادث، فالجوهر لا بد أن يكون قد حدث معه؛ لأنه لا يمكن أن يكون الجوهر موجوداً قبله، عارياً عن العرض.

فنتج معنا أن الجواهر والأعراض حادثة، فالعالم كله حادث.

وإذا كان حادثاً فوجوده جائز عقلاً؛ ليس بواجب؛ لأنه لو كان واجباً لما أمكن أن يكون منعدماً في زمن ما؛ فالواجب العقلي كما قدمنا لا يقبل الانتفاء، وهو قد كان منعدماً قبل أن يوجد، فحدوثه دليل على جوازه.

وما دام جائزاً فوجوده وعدمه متساويان، يستحيل أن يرجح أحدهما على الآخر بلا مرجح خارجي.

صفحة 9

لأن الشيء إما أن يكون متساوياً في ذاته مع غيره، أو راجحاً في ذاته عليه، ولا يمكن أن يكون متساوياً وراجحاً في نفس الوقت؛ لأن الرجحان والمساواة في الذات ضدان، والضدان يستحيل عقلاً اجتماعهما.

فإن أردنا أن نرجح أحدهما على الآخر فلا بد من وجود أمر خارج عن ذاتهما يرجحه.

ولما رأينا أن العالم قد وجد مع مساواة وجوده لعدمه، وجب علينا أن نثبت وجود من رجح وجود العالم على عدمه، وهو الله تعالى.

فنحن بذلك نكون قد أثبتنا الوجوب العقلي على وجود الله تعالى دون إثبات أي صفة أخرى له، ودون أن نتطرق لوجوده هل هو واجب في ذاته أم جائز، فإن سلمنا بالوجود انتقلنا للكلام على صفات هذا الموجود.

فاعلم بأن الوصف بالوجودِ … من واجبات الواحد المعبودِ

إذ ظاهرٌ بأن كل أثرِ … يهدي إلى مؤثر فاعتبرِ

استدل الناظم -رحمه الله تعالى- على وجود الله تعالى بالدليل البسيط الذي يمكن أن يتوصل إليه العامي وغيره.

فكما أنه لا يوجد أثر بلا مؤثر، وبناء بلا باني، فكذا لا يوجد حادث بلا محدِث، ومخلوق بلا خالق.

ولو قلت لأي جاحد مادي: إن بناء كبيراً بني من غير بَانٍ، لأنكر عليك وسخر من عقلك، مع أنه الأولى بأن يسخر منه، وهو يرى هذا الكون العظيم المتغير بكل لحظة، ويأبى أن يقر بوجود مُكَوِّنٍ له.

وذي تسمى صفة نفسيةْ … ثم تليها خمسةٌ سلبيةْ

صفات الله تعالى تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

1- نفسية، وهي الوجود فقط.

وسميت نفسية لأنها تدل على الذات دون معنى زائد عليها.

والصفة النفسة إذا انتفت انتفى نفس الشيء، وذلك كالحيز للجرم، إذا انتفى انتفى كونه جرماً، والناطقية بالنسبة للإنسان إذا انتفت انتفى كونه إنساناً، فالوجود بالنسبة لله تعالى، إذا انتفى انتفى كونه إلهاً.

وهذه الصفة تدل على مجرد الذات.

2- سلبية، وهي التي تسلب عن أذهاننا اعتقاداً باطلاً في حق الله تعالى، وهي خمس سيأتي بيانها.

وهذه الصفات تدل على الذات مع دلالتها على تنزه هذه الذات عن كل سمات النقص.

3- معاني، وهي كل صفة موجودة في نفسها، تثبت لمن قامت به حكماً، وهي سبع سيأتي بيانها.

وهذه الصفات تدل على الذات مع إثبات الكمالات لها.

وليست هذه الصفات كل صفات الله تعالى، فنحن لا نعلم كل صفات الله تعالى، وإنما نعلم بعضها، ولسنا مكلفين بمعرفتها كلها.

وه الق دَ م بالذات فاعلم والبَقَا
مخال ف للغ رٌ وحدان ةٌ
والفع ل، فالتؤث ر ل سٌ إلا
ومن قٌل بالطبع أو بالعلة
ومن قٌل بالقوة المودع ة
لو لم كٌن متصفا بها لز م
لأنه ٌفض إلى التسلس ل
ق اٌ مااااااه ب ن ف سااااااه ن لااااااتَ ال تقَااااااى
فاااا الااااذات أو صاااافاته العل اااا ة
للوا حاااااا د القَ هااااااار جاااااال وعَاااااالا
فااااذاك كفاااار عنااااد أهاااال الملااااة
فاااااااذاك بااااااادع فااااااالا تلتفااااااا ت
حدوثااااه وهااااو محااااال فاسااااتقم
والدو ر وهو المستح لٌ المنجل فهو الجل لٌ والجم لٌ والول والظااهر القادوس والار ب العلا بعد أن أثبتنا وجود الله تعالى، ربما اعتقد إنسان اعتقادات باطلة ف حقه
تعالى، فوجب عل نٌا أن نز لٌها، بذكر صفاته.
و أول ما مٌكن أن عٌرض على ذهن الإنسان أن هذا الإله الذي ثبت وجوده،
هل هو قد مٌ أم حادث، فنسلب اعتقاد كونه حادثا بقولنا: الله قد مٌ، ومعنى قدمه: أنه لا
بدا ةٌ لوجوده.
ونستدل على قدمه بؤن نقول لصاحب الاعتقاد الباطل: لنفترض أن الله تعالى
حادث، فإما أن كٌون قد أحدث نفسه، أو أحدثه ؼ رٌه، ولا ثالث لهذ نٌ، فإن بطلب
بطل كونه حادثا.
ونؤت على القول الأول وهو أنه أحدث نفسه، فنقول:
إحداث الله سبحانه وتعالى لنفسه لٌزم منه الدور، وهو محال عقلب، ونمثل
للدور بمثال:
لو قال لنا قائل: من ولد فاطمة؟ فقلنا: ز نٌب.
ومن ولد ز نٌب؟ فقلنا: فاطمة.
فهذا دور محال عقلب؛ لأنه لٌزم منه أن تكون ز نٌب موجودة قبل فاطمة؛
لتلدها، وبعدها لتولد منها، وفاطمة موجودة قبل ز نٌب؛ لتلدها، وبعدها؛ لتولد منه،
وتقدم الش ءً على ؼ رٌه، وتؤخره عنه، ضدان، والضدان سٌتح لٌ اجتماعهما عقلب،
فظهر استحالة الدور.
فلو قلنا بؤن الله تعالى أحدث نفسه، لزم أن كٌون الله تعالى متقدما على
وجوده ومتؤخرا عنه؛ لأنه لك وٌجد نفسه لا بد أن كٌون موجودا قبلها ل وٌجدها،
فظهر استحالة ذلك عقلب.
ثم نؤت على الثان ،ً وهو أنه أحدثه ؼ رٌه، فنقول:
إن كان قد أحدثه ؼ رٌه، وؼ رٌه أحدثه ؼ رٌه، وهكذا.. فهذا لٌزم منه تسلسل
الحوادث إلى ما لا بدا ةٌ، وهو محال عقلب؛ لأن حكمنا على مجموع السلسلة

  1. [1] وهكذا كان أئمتنا رضوان الله عليهم يجمعون بين العلوم الثلاث، ثمرة باقي العلوم: العقيدة، والفقه، والتصوف.
  2. [2] وأنواع الأعراض وتفصيل الكلام فيها يذكر في الكتب المطولة.
الكتاب
 
Top