تقديم – المكتبة الإسلامية الحديثة

تقديم

صفحة 3

christian dating in qatar j annonce site de rencontre بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم

buy Viagra 200 mg in San Bernardino California (للطبعة الأولى)

here بكلمة عن كتاب: “الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به” ومؤلفِه الإمام الباقلاني.

go الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم رسل الله سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

http://halilbalim.com/?frimol=conocer-gente-aprender-idiomas&f95=45 أما بعد: فبين أيدينا كتاب بالغ النفع، يسمى: “الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به”، ينسب إلى الإمام النظار، المتكلم المغوار، أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني _تغمده الله برضوانه_.

site de rencontre 16 - 17 ans gratuit وقد انفردت “دار الكتب المصرية” بفخر اقتنائه من بين خزانات العالم _فيما نعلم_، ولم يذكره القاضي عياض في “ترتيب المدارك في فقهاء مذهب الإمام مالك” مع ذكره لمعظم مؤلفات الباقلاني، وهذا مما يزيد الاهتمام به.

ö3 partnersuche وقد ألفه مؤلفه إجابة لالتماس فاضلة خيرة ذِكْرَ ما يجب على المكلفين اعتقاده ولا يسعهم الجهل به.

فذكر المؤلف _رحمه الله_ بادئ ذي بدء المبادئ التي يجب معرفتها مما لا يتم النظر في معرفة الله وصفاته إلا بها، ثم قسم العلم إلى قسمين: علم الله سبحانه، وعلم الخلق، ونص على أن الأول لا ينقسم إلى ضروري واستدلالي، بخلاف الثاني؛ فإنه منقسم إليهما، ثم أوضح هذين القسمين، ثم ذكر أن الاستدلال هو نظر القلب المطلوب به علمَ ما غاب عن الحس والضرورة، وأن الدليل هو ما يمكن بصحيح النظر فيه الوصول إلى معرفة المطلوب، ثم بيَّن انحصار العلوم في الموجود والمعدوم،

صفحة 4

وانقسامَ الموجود إلى قديم ومحدث، وانقسامَ المحدث إلى جسم وجوهر _فرد وعرض_، وأوضح حدوث ما سوى الله تعالى من جسم وجوهر وعرض، ثم ذكر أن للعالم محدثاً أحدثه، وبين صفات صانع العالم، وسرد جملاً من نعم الله على المكلفين مما يوجب شكر المنعم _جلت قدرته_، وقال: إن الأدلة التي يدرك بها الحق خمسة، وهي: الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، والقياس على ما ثبت بها، وحجج العقول، ثم ذكر أقسام الفرائض على المكلفين وقال: منها ما يعم الجميع، ومنها ما يخص العلماء دون العامة، ومنها ما يخص الأمراء دون الرعية، وأوضح أن أول ا فرضه الله على الناس الإيمان بالله، وشرح ما هو الإيمان، ونص على تنزيه الله سبحانه من الجوارح والحوادث، وسرد صفات الله سبحانه على معتقد أهل الحق، وبين أنه تعالى مقدِّر الأرزاق والآجال، وأن إرادته تعم الأفعال، ثم ذكر وجوب النظر في الخلق من غير خوض في ذات الخالق جل جلاله، وبرهن على أن العالم حادث، وأن محدثه هو الله جل شأنه، وأفاض في التدليل على ذلك، وأوضح أن الخالق لا يشبه المخلوقات بوجه من الوجوه، وبسط القول في صفات الله وأفعاله، ونزهه جل جلاله عن الاختصاص بالجهات، وذكر شمول إرادته سبحانه للحوادث كلها، ونص على أن العبد كاسب غير مجبور، وتحدث عن الاستطاعة ورؤية الله من غير تشبيه، وذكر الحسن والقبح، وعذاب القبر، وما إلى ذلك مما ورد في السمع؛ كالشفاعة والجنة والنار، ثم بسط القول في الإيمان، والإيمانِ والإسلام، وقول المؤمن أنا مؤمن حقاً.

وأوضح ثبوت دعوى النبوة بالمعجزات، وبين أن شرع نبينا ناسخ للشرائع كلها، ونص على بقاء نبوات الأنبياء بعد وفاتهم، رداً على افتراء الحشوية، وذكر خلافة أبي بكر الصديق، وخلافة باقي الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين، وأوصى بالكف عما شجر بين الصحابة.

وذكَرَ شروط الإمام، وسرد أصناف المبتدعة، ثم أفاض في بيات قدم

صفحة 5
كلام الله على مذهب الأشاعرة، ونقض أدلة المعتزلة في دعوى خلق القرآن، وأوضح أن الآيات والآثار التي تمسكوا بها لا تدل على حدوث الكلام النفسي القائم بالله، وأفاض في ذلك إفاضة لا توجد في غير هذا الكتاب، وشرح الفرق بين القراءة والمقروء _يريد بالمقروء: ما قام بالله_، وبين أن كلامه سبحانه ليس بحرف لا صوت، وإنما هما دالان على القديم بالله، وسرد الآثار الدالة على أن الحروف والأصوات من صفات قراءة القارئ لا من صفات كلام الباري سبحانه، ثم عزز ذلك بالدليل العقلي وبين وجه سماعنا لكلامه _جل جلاله_، وبرهن على أن الكلام الحقيقي هو الكلام النفسي بتوسع لا تجده في غير هذا الكتاب، وسخف أخلام الحشوية في الحروف والأصوات، وعاب عليهم عدم انتباههم للإسناد المجازي في الآثار الواردة في الحرف والصوت، وأوضح معنى الأحرف السبع، وتوسع في الكلام في الصوت الوارد في بعض الآثار، واستقصى البحث في ذلك، وفي سرد الأدلة على أن الصوت مخلوق لا يجوز أن يقوم بالله سبحانه عند أولي الألباب، ثم تحدث عن عموم إرادة الله وأنه هو الخالق وحده، وأفاض في ذلك إفاضة لا تجدها في غير هذا الكتاب، ونص على أن العبد كاسب وليس بخالق لأفعاله كما ادعاه بعض أهل الزيغ، ثم حكى عن ابن فورك ما جرى بينه وبين الصاحب بن عباد قائلاً: “وقد قيل عن الشيخ الإمام أبي بكر بن فورك رضي الله تعالى عنه: إن الصاحب قطع سفرجلة وهما في بستان وقال لابن فورك: ألستُ أنا قطعتُ هذه السفرجلة؟ فقال: إن كنت تزعم أنك خلقت هذه التفرقة فيها فاخلق وصلها بالشجرة حتى تعود كما كانت، فبهت”، وابن فورك زميل الباقلاني في مجلس أبي الحسن الباهلي كما سيأتي، فانظر إلى هذه النفوس الطيبة، كيف يَذكُر بعضهم بعضاً بإجلال وتقدير ، وهكذا يكون المخلصون من العلماء، وهما وإن كانا مترافقين في عهد الطلب، لكنهما كانا متباعدين بلاداً في عهد نشرهما العلم، ولذا ترى الباقلاني يقول في

صفحة 6

حكايته عنه: “وقد قيل عن الشيخ الإمام”، فلا يتوهمن متوهم خدْشَ ذلك في نسبة الكتاب إليه.

وأوضح المؤلف مسألة الخلق والكسب إيضاحاً شاملاً، ثم استوفى الكلام في مسألة الشفاعة، ثم أفاض في مسألة رؤية الله تعالى من غير تشبيه ولا تمثيل، وبها ختم الكتاب.

وهذا الكتاب من أبدع ما برز للوجود من آثار المتقدمين من المتكلمين في التفنن في التدليل على مباحثه، ولا غرو فإن مؤلفه الباقلاني كان واسع الاطلاع، قوي الذاكرة، سريع الخاطر، حاضر البديهة، نير البيان، وله ذكاء متقد، وحافظة قوية، ولسان لا يغالَب في المناظرات، ومؤلفاته أصدق شاهد على ذلك، وله مقدرة خارقة للعادة في تصيد الحجج من ثنايا الكتاب والسنة والآثار ضد مخاصميه، فيَعجَبُ اللبيبُ مما جمع الله له من المنح العظمى.

لكن عادته الروايةُ بالمعنى؛ فلا تجده يراعي كثيراً لفظ الرواية مكتفيا بجوهر المعنى، كما هو عادة أغلب النظار في حجاجهم، ثم إنه كثيراً ما تراه يذكر آثاراً فيها وَهَنٌ على سبيل الاستئناس بها بدون أن يتخذها أدلة مباشرة، وقد تكون تلك الآثار في عداد ما يتمسك بها الخصوم، فيقلبها عليهم.

وأما من ناحية النضج العقلي والمقدرة الفائقة في الاحتجاج العقلي السليم فحدِّث عن البحر ولا حرج، وإن كان لا يخلو من بعض تهويل وتشغيب في مغالبة الخصوم فيما يكاد أن يكون الخلاف فيه لفظياً، ويتبين ذلك كلُّه من مطالعة كتابه هذا، فضلاً عن مطالعة كتبه الأخرى.

وكان رحمه الله من أعاظم الأئمة في علم التوحيد والصفات، وقد ازداد مذهب الأشعري وضوحاً ببياناته النيرة في كتبه الخالدة، وقد حجز الباقلانيُّ المعتزلةَ حقاً في أقماع السمسم أيضاً _كما يقول ابن الصيرفيُّ

صفحة 7

الأشعريُّ في زمانه_، وضيق عليهم جداً سبيل التخلص من قوامع حججه، وضايقهم كل المضايقة بعد أن رفعوا رؤوسهم في عهد آل بويه، فهو جدلي عظيم فلا يُصطَلى بناره، ولا منجاة لمُناظِرِه بدون استرشاده بمناره.

ولا يؤخذ بشيء سوى تعودِهِ القسوةَ في المزاح، وقد قيل: إن ابن المعلم كبير الإمامية كان جالساً في مجلس ومعه أصحابه، فرأى من بُعدٍ إقبال الباقلاني فقال لأصحابه هامساً: “قد جائكم الشيطان” _يعني البراعة في الجدل_، فلما جلس الباقلاني _وقد سمع هذه المهامسة_ لم يتغاضَ عن ذلك، بل قال فوراً لابن المعلم: “قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا}، فإن كنتُ شيطاناً فأنتم كفارٌ وقد أُرسلتُ عليكم”، وهذا مزاح ظريف ولكنه قاسٍ من مثله.

وقال أيضاً في أبي جعفرٍ محمد بن أحمد السمناني القاضي _أحد أصحابه في علم الكلام_: “إنه مؤمن آل فرعون” _يعني: أنه الأشعري الوحيد بين الحنفية_؛ غير محاذر أن يُقلب ذلك عليه باعتبار أنه حَنَفي وحيد بين أصحابه نفسه، كما يروى مثل ذلك عن الملك المعظم في آل أيوب، لكن هذا مزاح غير مستساغ صدوره من مثله، على خطورة هذا النوع من المزاح، ولعل صنيع ابن حزم معه من غير حق جزاءٌ معنوي لذلك، بل له إلزامات في المسائل الاجتهادية الفرعية يجري فيها على ما تعود من العنف في المسائل الاعتقادية، سامحه الله وإيانا بمنه وكرمه.

وقد رغب الأستاذ البحاثة أبو أسامة السيد محمد عزت العطار الحسيني في نشر هذا الكتاب، وطلب إلي أن أتحدث عن كتاب (الإنصاف) هذا، ومؤلفِه الباقلاني، فكتبتُ ما يسره الله لي، مع التعليق على بعض المواضع برمز (ز)، نزولاً عند رغبته، فأشكُرُهُ على قيامِهِ بنشر هذا الكتاب الفاخر، علاوة على ما نشره من الكتب النافعة على التوالي، وهو ثاني كتاب في التوحيد للباقلاني منشورٍ في المدة الأخيرة، وأولهما كتاب (التمهيد) له، وقد طبع باهتمام الأستاذَين البارعَين

صفحة 8

السيد محمود الخضيري والسيد محمد عبدالهادي (أبو ريدة) _حفظهما الله_، المعروفَين في البيئات الجامعية والمحافل العلمية بكل فضل ونبل، وقد عُنِيا بتحقيق الكتاب ودراسة أحوال المؤلف وكتابه عنايةً مشكورةً، وعَرَضا _بِكل إِجادَةٍ_ ثمرة بحوثهما الشاملة لأعين الباحثين، فأغنانا ذلك عن التوسع في ترجمة المؤلف والمقارنة بين آرائه في كتبه وآراء الآخرين من المتكلمين، فأكتفي بإلْمامَةٍ يسيرةٍ في ترجمة الباقلاني؛ أسوقُها من تاريخ الإسلام الكبير للذهبي بحروفه وهي:

ترجمة المؤلف: شيوخه-تلامذته.

(هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم، القاضي، أبو بكر الباقلاني، المصري، صاحب التصانيف في علم الكلام، سَكَنَ بغداد، وكان في فَنِّه أوحَدَ زمانِه، سمع أبا بكر القطيعي، وأبا محمد بن ماسي، وخرَّج له أبو الفتح بنُ أبي الفوارس، وكان ثقة، عارفاً بعلم الكلام، صنَّف في الرد على الرافضة، والمعتزلة، والخوارج، والجهمية، وذكره القاضي عياضُ في طبقات الفقهاء المالكية فقال:
هو المُلقَّبُ بسيف السنة ولسان الأمة، المتكلمُ على لسان أهل الحديثِ وطريق أبي الحسن الأشعري، وإليه انتهتْ رِياسةُ المالكيين في وقته، وكان له في جامع المنصور ببغدادَ حلقةٌ عظيمة.

رَوَى عنهُ أبو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ، وأبو جعفرٍ محمدُ بن أحمد السمناني، والحسين بن حاتم.

أقوال المؤرخين فيه وتاريخ وفاته:

قال الخطيب: كان وِرْدُهُ كلَّ ليلةٍ عشرين ترويحة في الحضر والسفر، فإذا فَرَغَ منها كتب خمساً وثلاثين ورقة من تصنيفه، سمعتُ أبا الفَرَجِ محمد بن عمران يقول ذلك، وسمعت علي بن محمد الحربي يقول: جميعُ ما كان يَذْكُرُ أبو بكر بن الباقلاني من الخلاف بين الناس،

صفحة 9

صنفهُ من حفظه، وما صنف أحدٌ خلافاً إلا احتاج أن يطالِعَ كُتُبَ المخالفين؛ سوى ابن الباقلاني.

قلتُ: وقد أخذ ابنُ الباقلانيِّ علمَ النظر عن أبي عبدالله محمد بن أحمد بن مجاهد الطائي صاحبِ الأشعري، وقد ذهب في الرسلية إلى ملك الروم، وجرت له أمور منها: أن المَلِكَ أدخَله عليه من بابِ خُوْخَةٍ ليَدخل راكعاً للملك، ففطِن لها، ودخل بظهره. ومنها أنه قال لراهبهم: كيف الأهل والأولاد؟ فقال له الملك أما علمت أن الراهب ننزهه عن هذا؟! فقال: تنزهونه عن هذا ولا تنزهون الله عن الصاحبة والولد. وقيل: إن طاغية الروم سأل: كيف جَرَت القصة لعائشةَ؟ _وقصد توبيخه_، فقال: كما جرى لمريم؛ فبرأ الله المرأتين، ولم تأت عائشة بولد؛ فأفحمه ولم يَحِرْ جواباً.

قال الخطيبُ: سمعت أبا بكرٍ الخُوارزميَّ يقولُ: كلُّ مصنِّف ببغداد إنما يَنقل من كتب الناس إلى تصانيفه، سوى القاضي أبي بكر؛ فإن صدره يحويْ علمَه وعلمَ الناس.

وقال أبو محمد البافيُّ (بالباء والفاء): لو أوصى رجلٌ بثلث ماله أن يُدفَعَ إلى أفصح الناس؛ لوجب أن يُدفَعَ إلى بكر الأشعري (الباقلاني).

وقال أبو حاتم القزويني: إنَّ ما كان يضمره الباقلانيُّ من الورع والديانة والزهد والصِّيانةِ أضعافُ ما كان يُظهره؛ فقيل له في ذلك، فقال: إنما أُظهِرُ ما أُظْهِرُهُ غيظاً لليهود والنصارى والمعتزلة والرافضة؛ لئلّا يستحقروا علماء الحق، وأُضْمِرُ ما أضمرُه؛ فإنّي رأيت آدمَ على جلالته نودِيَ عليه بذوقة، وداود بنظرة، ويوسف بهَمَّةٍ، ونبينا بخطرة عليهم السلام.

ولبعضهم في أبي بكر الباقلاني:

انظُر إلى جبل تمشي الرجال به***وانظر إلى القبر ما يوي من الصلف

صفحة 10

وانظر إلى صارم الإسلام مغتمداً***وانظر إلى درَّة الإسلام في الصدف

توفي في ذي القَعدة (يوم السبت) لسبعٍ بقين منه (سنة403 هـ)، وصلى عليه ابنه الحسن، ودُفن بداره، ثم نُقِل إلى مقبرة (باب حرب) ببغداد، تغمده الله برضوانه وأسكنه فسيح جناته.

وللباقلاني عملٌ مشكور في التدليل على المسائل بأوضح الدلائل، وقد ابتكر في المذهب بعض آراء نظرية، عدَّها مُبَرهَنةً، ويعُدُّها غيرُه غير مبرهنة، وهي لا تكون في عداد مسائل المذهب، بل تُعْزى إليه مباشرة، كاستحالة بقاء العَرَض زمانين، وقوله في الحال، وقوله في صفة البقاء، وإثبات الجزء الفرد؛ ومصادر تلك الآراء معروفة، وما يُبنى على قواعد غير مبرهنة يبقى تحت النظر عند من لا يراها مبرهَنةً،  من غير أن يمس ذلك بمقامه السامي، ولا مانع من أن يكون لكل ناظر بعضُ آراء غيرُ مسَلَّمة، وبعضُ استدراكات على من سبقه، ومن المعلوم أن الأشعري كان قد تلقى الكلام من أبي عليٍّ الجُبّائي المعتزلي، ثم انتقل في الثلث الأخير من عُمُرِه إلى معتَقَدِ أهل السنة، فقام بالذب عنه خيرَ قيام، كما شرحتُ ذلك في تقديم “تبيين كذب المفتري” شرحاً وافياً؛ وقد ملأ العالَمَ علماً، وتلميذاهُ: أبو الحسن الباهلي، وأبو عبدالله محمد بن مجاهد الطائي[1] من أصحاب الأشعري، يقول فيهما عبدالقاهر البغدادي: هما أثمرا تلامذة هم إلى اليوم شموس الزمان، وأئمة العصر، كالباقلاني، وابن فُورك، وأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفراييني. ثم ذَكَرَ أنه أدرك ابن مجاهد والباقلاني وابن فُورك، وأبا إسحاق الإسفراييني؛ فيكون عبدالقاهر شارك الباقلاني في الأخذ عن ابن مجاهد، كما شارك الباقلاني ابنَ فورك والإسفراييني في الأخذ عن الباهلي. وإن كان للباقلاني مزيد اختصاص

صفحة 11

بابن مجاهد، كما أن للإسفراييني وابن فُورك اختصاصاً خاصاً بالباهلي. فهكذا تداخلَ السنَدان في الارتواء من نبع واحد، فلا يُعَوَّل على ما لم يرد بطريقهما عن الأشعري _كمذهب للأشعري_؛ لأنهما وارثا علومه في أواخر عهده، وفيها كان نضج علمه.

وأما الإبانة التي كان قدَّمها إلى البربهاري في أوائل انتقاله إلى معتقد السنة؛ فتحتوي على بعض أرار غير مبرهنة جارى فيها النَّقَلة؛ ليتدرج بهم إلى الحق، لكنه لم ينفع ذلك على تلاعب الأقلام فيها، فاستقر رأيه بعد عهد الإفراط والتفريط على ما نقله هؤلاء عنه من الآراء المعتدلة على خلاف مزاعم ابن كثير. وعن أبي إسحاقَ الإسفراييني أخذ أبو القاسم عبدالجبار بن علي الإسفراييني، وعنه أخذ إمام الحرمين، وعن إمام الحرمين أخذ الغزالي، ومنه انتشر المذهب الأشعريُّ انتشاراً كبيراً، وكان أبو المظفر الإسفراييني أخذ الكلام عن حميه عبدالقاهر، وكان إمام الحرمين كثيرُ الاستفادة من كتب الباقلاني وأبي إسحاق وابن فورك وعبدالقاهر، كما يظهر من كتبه، وكان إمام الحرمين مديناً لهؤلاء فيما حازه من المقدرة الفائقة في علم الكلام.

وهؤلاء هم حملة مذهب الأشعري من المتقدمين، وإن كان لكل منهم رأي خاص في بعض المسائل، ولا تجد في كلام هؤلاء مجاراة للحشوية بكلام موهم، بل هم صرحاء في التنزيه الباتّ. ولا تجد في كلامهم أيضاً نفيَ تأثير قدرة العبد، أو عدَّ العبد مجبوراً، أو كون صفات الله ممكنات في ذاتها واجبات بالغير، ونحو ذلك مما تجده في كلام الفخر الرازي ومن تابعه من المتأخرين، فلا يصح عدُّ أمثال تلك الآراء من مذهب الأشعري، بل يجب عزوُ تلكَ الآراءِ إلى مُرتَئِيها فحسب، والنُّظار المنسوبون إلى مذهبٍ اعتقادي لا يلزم أن يَتَواردوا على رأي واحد في كل بحث، بل قد ينفرد بعضُهم ببعض آراء غير منقولة في المذهب، ولا سيما في مذهب الأشعري الذي لا يُصحِّح إيمانَ المقلِّد، وكون هذا المنفرد مصيباً أو مخطئاً

صفحة 12

بحثٌ آخر، وهذا ما وجبَ لفتُ النظر إليه في هذا المقام؛ لأنه يوجد من يَعُدُّ قولَ الفرع كقول الأصل، وهذا مما لا يُستساغ.

ومن طرائف الأنباء المرويةِ عن الباقلاني: أنه كان كثيرَ التطويل في المناظرة، مشهوراً بذلك عند الجماعة، وجرى بينه وبين أبي سيعد الهاروني مناظرةٌ فأكثر الباقلانيُّ فيها الكلام، ووسع العبارة، وزاد في الإسهاب، ثم التفت إلى الحاضرين وقال: اشهدوا عليَّ أنه إن أعاد ما قلت لا غير؛ لم أطالبه بالجواب، فقال الهاروني: اشهدوا علي أنه إن أعاد كلامَ نفسِه سلَّمتُ له ما قال، كما نقله ابن خَلِّكان واليافعي.

وفي هذا القدر كفاية فيما نحن فيه، فأدعوا الله عز وجل أن يكافئ الأستاذ الناشر على هذا العمل النافع، وأن يوفقه وإيانا لكل ما فيه رضاه، وهو المجيب لمن دعاه.

*       *       *

في 17 شعبان المعظم سنة 1369 هـ

محمد زاهد الكوثري.

  1. follow [1] وتوفي الاثنان 370هـ كما يظهر من تاريخ الصلاح الكتبي وتاريخ اليافعي- راجع عيون التواريخ ومرآة الجنان (ز).
http://lokoli.com/?rtyt=site-de-rencontre-russe-avis&f5a=f3 الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به*
 
Top