تقدمة المؤلف للكتاب

صفحة 13

بسم الله الرحمن الرحيم

قال القاضي الإمام السعيد، سيفُ السنةِ، ولسانُ الأمة، أبو بكر، محمدُ بن الطَّيِّبِ بنِ محمدٍ رضي الله عنه:
الحمد لله ذي القدرة والجلال، والعظمة والكمال، أحمَدُه على سوابغ الإنعام، وجزيلِ الثواب، وأرغبُ إليه في الصلاة على نبيه محمدٍ المختار، وعلى آله الأبرار، وصحابته الأخيار، والتابعين لهم بإحسان [إلى يوم القرار][1].
أما بعد: فقد وقفتُ على ما التمسَتْه الحُّرةُ الفاضلةُ الدَّيِّنَةُ _أحسنَ اللهُ توفيقها_ لما تتوخّاه من طلب الحق ونُصرتِه، وتَنَكُّبِ الباطل وتَجَنُّبِه، واعتماد القُرْبَة باعتقاد المَفْرُوضِ في أحكام الدين، واتباعِ السلف الصالح من المؤمنين، من ذِكْرِ جُمَلِ ما يجبُ على المكلفين اعتقادُه، ولا يَسَعُ الجهلُ به، وما إذا تَديَّنَ به المرءُ صارَ إلى التزامِ الحقِّ المفروض، والسلامةِ من البِدَعِ والباطلِ المرفوض، وإنّي بحول الله تعالى وعونه، ومشيئتِه وطَوْلِه، أذْكُرُ لها جُمَلاً مختصَرةً تأتي على البُغْيَةِ من ذلك، ويُسْتَغْنَى بالوقوف عليها عن الطَّلَب، واشتغالِ الهمةِ بما سواه، فنقول وبالله التوفيق:

إن الواجب على المكلف:
1- أن يَعْرِفَ بدء الأوائل والمقدمات التي لا يتم له النظَرُ في معرفةِ الله عز وجل وحقيقةِ توحيده وما هو عليه من صفاته التي بان ﺑﻬا عن خلقه وما لأجْلِ حصولِه عليها استَحَقَّ أن يُعْبَدَ بالطاعة دون عباده <إلا بها>[2]، فأول ذلك: القولُ في العلم وأحكامه ومراتبه، وأن حَدَّه: أنه معرفةُ المعلومِ على ما هو به؛ فكلُّ علمٍ معرفةٌ وكل معرفةٍ علمٌ.

صفحة 14

2- وأن يعلم أن العلومَ تنقسمُ قسمين: قسمٌ منهما: عِلمُ الله سبحانه، وهو صفته لذاته، وليس بعلم ضرورة ولا استدلال، قال الله تعالى: {أنزله بعلمه} (4-165)، وقال: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ} (35-11)، وقال: {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ} (11-14)، فأثبت العلمَ لنفسه، ونص على أنه صفةٌ له في نص كتابه.

والقسم الآخر: علم الخلق، وهو ينقسم قسمين: فقسمٌ منه علمُ اضطرارٍ، والآخر علمُ نظرٍ واستدلالٍ؛ فالضروريُّ: ما لَزِمَ أنْفُسَ الخلقِ لُزومًا لا يُمْكِنُهُمْ دفعُهُ والشكُّ في معلومِهِ؛ نحو العلم بما أدركتْهُ الحواسُّ الخمسُ، وما ابتدى في النفس من الضرورات.
والنظري منهما: ما احتيج في حصوله إلى الفِكْرِ والرَّوِيَّةِ، وكان طريقُه النَّظَرُ والحُجَّةُ، ومِنْ حُكْمِهِ جوازُ الرُّجُوْعِ عنه والشكِّ فِيْ مُتَعَلَّقِهِ.
وجميعُ العلومِ الضرورية تقعُ للخلق من ستةِ طرق: فمنها: دَرْكُ الحواسِّ الخمس؛ وهي: حاسة الرؤية، وحاسة السمع، وحاسة الذوق، وحاسة الشم، وحاسة اللمس. وكلُّ مدرَكٍ بحاسَّةٍ من هذه الحواسِّ من جِسْمٍ، ولونٍ، وكَوْنٍ، وكلامٍ، وصوتٍ، ورائِحَةٍ، وطعمٍ، وحرارةٍ، وبُرُوْدَةٍ، ولِيْنٍ، وخشونةٍ، وصَلَابَةٍ، ورَخَاوَةٍ فالعِلْمُ به يقعُ ضرورةً. والطريقُ السادس: هو العِلْمُ المُبْتَدَأُ في النَّفْسِ، لا عن درْكٍ ببعض الحواس، وذلك نحوُ علمِ الإنسان بوجود نفسه، وما يحدث فيها وينطوي عليها مِنَ اللذةِ، والألمِ، والغَمِّ، والفَرَحِ، والقدرةِ، والعَجْزِ، والصحةِ، والسَقَمِ. والعلمِ بأنَّ الضدينِ لا يجتمعانِ، وأن الأجسامَ لا تخلوْ من الاجتماعِ والافتراقِ، وكلِّ معلوم بأوائِلِ العقولِ، والعلمِ بأن الثَّمَرَ لا يكونُ إلا من شَجَرٍ، أو نَخْلٍ، وأن اللَّبَنَ لا يكونُ إلا مِنَ ضَرْعٍ وكلُّ ما هو مقتضى العادات.

وكلُّ ما عدا هذه العلومَ وهو علم استدلال؛ لا يحصلُ إلا عن استئنافِ الذِّكْرِ والنَّظَرِ وتَفَكُّرٍ بالنَظَرِ والعَقْلِ، فمِنْ جُمْلَةِ هذه الضَّرُوْرَاتِ: العِلْمُ

صفحة 15
بالضَّروراتِ الواقعةِ بأوائلِ العُقولِ، ومقتضى العادات التي <….>[3] تشارِك ذَوِيْ العقولِ في عِلْمِها البهائمُ والأطفالُ والمنتقصونَ؛ نحو العلمِ الواقعِ بالبديهةِ، ومُتَضَمَّنِ كثيرٍ من العاداتِ، ونحو العلمِ بأن الاثنينِ أكثرُ من الواحدِ، وأن الضِّدَّيْنِ لا يجتمعانِ، وأمثالُ ذلك من موجب العادات وبَدَائِهِ العُقُوْلِ التيْ لا يُخَصُّ بِعِلْمِها العاقلون.
3- وأن يَعْلَمَ أن الاستدلالَ هو: نَظَرُ القلبِ المطلوبُ به عِلْمُ ما غاب عن الضرورةِ والحِسِّ، وأن الدليلَ هو: ما أمكنَ أن يُتَوَصَّلَ بصحيحِ النظرِ فيه إلى معرفةِ ما لا يُعْلَمِ باضْطِرارِه، وهو على ثلاثةِ أضرابٍ: عَقْلِيٌّ: له تَعَلُّقٌ بمدلولِهِ؛ نحو دلِالةِ الفعل على فاعلِهِ، وما يجب كَوْنُهُ عليه من صفاته؛ نحو حياتِهِ، وعِلْمِهِ، وقُدْرَتِهِ، وإرادِتِه. وسَمْعِيٌّ شَرْعِيٌّ: دالٌّ مِنْ طريقِ النُّطْقِ بَعْدَ المُوَاضَعَةِ، ومِنْ جِهَةِ معنىً مستخرجٍ من النُّطْقِ، ولُغَوِيٌّ: دالٌّ من جِهَةِ المُواطَأَةِ والمُوَاضَعَةِ على معاني الكلامِ، ودِلالاتِ الأسماء والصفات وسائرِ الألْفاظِ، وقد لَحِقَ ﺑﻬذا البابِ: دلالاتُ الكتاباتِ والرُّمُوْزِ، والإشاراتِ والعُقُوْدِ، الدالةِ على مقاديرِ الأعدادِ، وكلُِّ ما لا يدل إلا بالمواطأةِ والاتفاق. والدالُّ هو ناصبُ الدَّليل: فالمدلولُ هو ما نُصِبَ له الدَّليلُ. والمستدِلُّ الناظِرُ في الدَّليلِ، واستدلالُهُ نَظَرُهُ في الدَّلِيْلِ وطلبُهُ به عِلْمَ ما غابَ عنه.
4- وأن يَعْلَمَ أن المعلوماتِ على ضَرْبَيْنِ: معدومٍ وموجودٍ، لا ثالثَ لهما ولا واسطةَ بينهما. فالمعدوم: هو المُنْتَفِيْ الذي ليس بشيء. قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} (19-9)، وقالَ اللهُ تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} (67-1)، فأخبَرَ أن المعدومَ مُنْتَفٍ ليسَ بِشَيْءٍ، والموجودُ: هو الشيءُ الكائِنُ الثابِتُ. وقولنا: “شيءٌ” إثباتٌ، وقولنا: “ليسَ بشيءٍ” نفيٌ. قال الله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ} (6-19)، وهو سبحانه موجودٌ غيرُ معدومٍ.

وقولُ أهلِ اللغةِ عَلِمْتُ شيئاً، ورَأَيْتُ شيئاً، وسَمِعْتُ شيئاً؛ إشارةٌ

صفحة 16
إلى كائِنٍ موجودٍ، وقولُهُمْ: لَيْسَ بشيءٍ؛ هو واقعٌ على نَفْيِ المعدومِ، ولو كان المعدومُ شيئاً؛ كان القولُ لَيْسَ بشيءٍ نفيًا لا يقع أبدًا إلا كذبًا، وذلك باطلٌ بالاتفاق.
5- وأنْ يَعلمَ أنَّ الموجوداتِ كلَّها على قِسْمَيْنِ؛ منها: قديمٌ لم يَزَلْ؛ وهو الله تعالى، وصفاتُ ذاتِه التيْ لم يَزَلْ موصوفاً ﺑِﻬا ولا يزال كذلك، وقولُهُمْ: أقْدَمُ، وقَدِيْمٌ <مَوْضُوْعٌ>[4] للمبالَغَةِ فيْ الوصفِ بالتقدم، وكذلك: أَعْلَمُ، وعَلِيْمٌ، وأَسْمَعُ، وَسَمِيْعٌ.
والقِسْمُ الثانِيْ: مُحْدَثٌ، لوُجُودِهِ أوَّلٌ، ومعنى المحدث: ما لم يَكُنْ ثُم كان، مأخوذٌ ذلكَ من قولِهِمْ: حَدَثَ بفلانٍ حادثٌ، من مرضٍ، أو صُداعٍ؛ وأحدَثَ بدعَةً في الدِّينِ، وأحدَثَ رَوْشَناً، وأحْدَثَ في العَرَصَة بِناءً؛ أي: فَعَلَ ما لَمْ يكُنْ مِنْ قَبْلُ موجودًا.
6- وأن يَعْلمَ أنَّ المُحْدَثاتِ كلَّها على ثلاثة أقسامٍ: جِسْمٌ، وجَوْهَرٌ، وعَرَضٌ. فالجِسْمُ في اللغَةِ هو: المؤلف المركب. يدُلُّ على ذلك قولُهُمْ: رجُلٌ جَسِيْمٌ، وَ: زيدٌ أجْسَمُ من عَمْرٍو، وهذا اللفْظُ من أبنيةِ المُبالَغَةِ، وقد اتفَقُوا على أن معنى المُبالَغَةِ في الاسم مأخوذٌ من معنى الاسم؛ يُبَيِّنُ ذلك أن قولَهُمْ: “أضْرَبُ” إذا أفادَ كثرةَ الضَّرْبِ كان قولُهٌمْ: “ضاربٌ” مفيداً للضرب، وكذلك إذا كان قولُهُمْ: “المؤلَّفُ المُرَكَّبُ” مفيداً كثرةَ الاجتماعِ والتأليفِ، وَجَبَ أن يكونَ قولُهم: “جِسْمٌ” مفيدًا كذلك.
والجَوْهَرُ: الذيْ لَهُ حَيِّزٌ. والحيزُ: هو المكانُ، أو: ما يُقَدَّرُ تقديرَ المكان عن أنه يوجه فيه غيره.
والعَرَضُ: هو الذي يَعْرِضُ في الجَوْهَرِ، ولا يَصِحُّ بقاؤه وقتَيْنِ، يدُلُّ على ذلك قولُهم: عَرَضَ لفلانٍ عارضٌ من مرض، وصداعٌ إذا قَرُبَ زوالُه، ولم يعتقد دوامَهُ. ومنه قولُه عَزَّ وَجَلَّ: { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} (8-67)، وقوله: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} (46-24)، فَكُلُّ شيءٍ

صفحة 17
قَرُبَ عدَمُهُ وزوالُهُ، موصوفٌ بذلك، وهذه صفةُ المعانيْ القائمةِ بالأجسام، فوَجَبَ وصفُها في قضيةِ العقْلِ بأﻧَّﻬا أعراضٌ.
7- وأنْ يَعْلَمَ أنَّ العالَمَ مُحْدَثٌ، وأنهُ لا يَنْفَكُّ عُلْوِيُّهُ وَسُفْلِيُّهُ مِنْ أن يَكُوْنَ جسماً مؤلَّفاً، أو جَوْهَراً مُنْفَرِداً، أو عَرَضاً مَحْمُوْلاً. وَهُوَ مُحْدَثٌ بأسْرِهْ. وَطَرِيْقُ العِلْمِ بحدوثِ أجسامِهِ حُدُوُثُ أعراضِهِ؛ والدليلُ على حدُوْثِ أعْراضِهِ: تَحَرُّكُ الجِسْمِ بَعْدَ سُكُوْنِهِ، وتَفَرُّقُهُ بعد اجتماعِه، وتَغَيُّرُ حالاتِهِ، وانتقالُ صفاتِهِ، فَلَوْ كان متحركاً لِنَفْسِهِ، ومتغيراً لِذاتِهِ لَوَجَبَ تَرْكُهُ فِيْ حالِ سُكُوْنِهِ، وتَغَيُّرُهُ واستحالَتُهُ فِيْ حالِ اعتدالِهِ، وَفِيْ بُطْلانِ ذلكَ دليلٌ على إثباتِ حَرَكَتِهِ، وَسُكُوْنِهِ، وألْوانِهِ، وأَكْوانِهِ، وغيرِ ذلكَ مِنْ صفاتِهِ؛ لأنهُ إذا لَمْ يكُنْ كذلك لنفسِهِ وَجَبَ أنْ يَكُوْنَ لِمَعْنَى ما تَغَيَّرَ عَنْ حالِهِ واسْتَحالَ عَنْ وَصْفِهِ.
والدَّلِيْلُ على حُدُوْثِ هذه الأعراضِ: ما هي عليه منن التنافي والتضاد؛ فلو كانتْ قديمةً كلَّها لَكانَتْ لَمْ تَزَلْ مَوْجُوْدَةً وَلا تَزَالُ كذلك، وَلَوَجَبَ متى كانت الحَرَكَةُ في الجِسْمِ أنْ يَكُوْنَ السُّكُوْنُ فيه، وذلِكَ يُوْجِبُ كَوْنَهُ مُتَحَرِّكاً فِيْ حالِ سُكُوْنِهِ، وَمَيِّتاً فِيْ حالِ حَيَاتِهِ، وَفِيْ بُطلانِ ذلكَ دليلٌ على طُرُوْقِ السُّكُوْنِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وبُطْلانِ الحَرَكَةِ عِنْدَ مَجِيْءِ السُّكُوْنِ، والطارِئُ بَعْدَ عَدَمِهِ والمَعْدُوْمُ بَعْدَ وُجُوْدِهِ مُحْدَثٌ باتِّفاقٍ؛ لِأَنَّ القَدِيْمَ لا يَحْدُثُ وَلا يُعْدَمُ، ولا يَبْطُلُ.
والدليلُ على حُدُوْثِ الأجَسْامِ: أﻧﻬا لَمْ تَسْبِق الحوادثَ، ولم تَخْلُ منها؛ لأنَّنا باضْطِرارٍ نَعْلَمُ أنَّ الجِسْمَ لا يَنْفَكُّ مِن الألْوانِ، ومعانيْ الألْوانِ مِنْ الاجْتماعِ والافْتِراقِ، وما لا يَنْفَكُّ مِن المُحْدَثاتِ، وَلَمْ تَسْبِقْهُ كانَ مُحْدَثاً؛ لأنه إذا لَمْ يَسْبِقْهُ كانَ مَوْجُوْداً مَعَهُ فِيْ وَقْتِهِ أَوْ بَعْدَهُ، وأيُّ ذلِكَ وُجِدَ وَجَبَ القَضاءُ على حُدُوْثِهِ، وأنَّهُ مَعْدُوْمٌ قَبْلَ وُجُوْدِهِ.
8- وأنْ يَعْلَمَ أنَّ للعالمِ مُحْدِثاً أحدَثَهُ. والدَّلِيْلُ على ذلك: وُجُوْدُ

صفحة 18
الحوادثِ متقدمةً ومتأخرةً مع صِحةِ تأخُّرِ المتقدمِ وتقدُّمِ المتأخرِ، ولا يجوزُ أن يكونَ ما تَقَدَّمَ منها وتأخرَ متقدماً ومتأخراً لنفسهِ؛ لأنه ليس التقدُّمُ بصحةِ تقدُّمِهِ أولى من التأخُّرِ بصحةِ تأخُّرِهِ، فوَجَبَ أن يَدُلَّ على فاعلٍ فَعَلَهُ وصَرَفَهُ في الوجودِ على إرادتِهِ وجَعَلَهُ مقْصوراً على مشيئَتِهِ، يُقَدِّمُ منها ما شاءَ ويُؤَخِّرُ ما شاء. قال الله تعالى: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} (11-107، و85-16) قال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (16-40)، ويدلُّ على علْمِنا بِتَعَلُّقِ الفعلِ بالفاعلِ في كَوْنِهِ فِعْلاً كتَعَلُّقِ الفاعِلِ فيْ كَوْنِهِ فاعِلاً بالفِعْلِ؛ فإنَّ تَعَلُّقَ الكِتابَةِ والصِّناعَةِ بالكاتِبِ والصانِعِ كتَعَلُّقِ الكاتبِ فيْ كونِهِ كاتباً بالكتابةِ، فلَوْ جازَ وجودُ فِعْلٍ لا مِنْ فاعِلٍ، وكتابةٍ لا من كاتِبٍ، وصورَةٍ وبُنْيَةٍ محدَثَةٍ لا مِنْ مُصَوِّرٍ، لجازَ وجودُ كاتبٍ لا كتابةَ لهُ، وصانعٍ لا صَنْعَةَ لهُ، فلَمّا استحالَ ذلكَ وَجَبَ أن يَكُوْنَ اقْتِضاءُ الفِعْلِ للفاعِلِ ودلالَتُهُ عليه كاقْتِضاءِ الفاعِلِ فِيْ كونِهِ فاعلاً لوجودِ الفِعْلِ وحُصُوْلِهِ مِنْهُ، ومِنْ صفاتِ هذا الصانِعِ تعالى أنَّهُ: مَوْجُوْدٌ، قَدِيْمٌ، وَاحِدٌ، أَحَدٌ، حَيٌّ، عَالِمٌ، قادِرٌ، مٌرِيْدٌ، مٌتَكَلِّمٌ، سَمِيْعٌ، بَصِيْرٌ، بَاقٍ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (42-11)، وَسَنُدُلُّ على ذلك فيما بعدُ إن شاء اللهُ بعد البدايةِ بفرائِضِ المُكَلَّفِيْنَ، وشرائعِ المسْلمينَ مما يَقْرُبُ فَهْمُهُ ولا ينبغيْ جَهْلُهُ، ولا بُدَّ للمكلَّف مِنْ عِلْمِهِ والعملِ به، فإذا أَتَيْنا على هذهِ الجُمْلَةِ رجعْنا إلى القَوْلِ فِيْ التَّوْحِيْدِ، وإثباتِ أسماءِ الله تعالى وصِفاتِهِ، وذِكْرِ ما يجوزُ عليهِ وما يستحيلُ في صِفَتِهِ، وَمَا تَوْفِيْقِيْ إِلّا بِالله.
9- وأنْ يَعْلَمَ: أنَّ أوَّل نِعَمِ الله تعالى على خَلْقِهِ الحَيِّ الدَّرَّاكِ خَلْقُهُ فيهمْ إدراكَ اللذَّاتِ، وَسَلامَةَ الحَواسِّ، ونَيْلَ ما يَنْتَفِعُوْنَ بهِ مِنَ الشَّهَواتِ التيْ تَمِيْلُ إليها طِباعُهُمْ، وَتَصُلُحُ عَلَيْها أَجْسامُهُمْ، وَلَوْ أحياهُمْ وآلَمَهَمْ وَمَنَعَهُمْ إدراكَ اللذَّاتِ؛ لكانوا مُسْتَضِرِّيْنَ بالآلامِ، وبمثابة الأحياءِ المُعَذَّبِيْنَ مِنْ

صفحة 19

أَهْلِ النارِ، وهذِهِ نِعْمَةُ الله سُبْحانَهُ على جَمِيْعِ الْحَيَوَانِ الحاسِّ؛ العاقِلِ منهمْ والناقصِ، والْمُؤْمِنِ والكافِرِ.

10- وَأَنْ يَعْلَمَ أنَّ أَفْضَلَ وأَعَظَمَ نعمةِ الله على خَلْقِهِ الطائِعِيْنَ وعبادِهِ المُؤْمِنِيْنَ خَلْقُه الإِيْمانَ فِيْ قُلُوْﺑِﻬِمْ، وَإجْراؤُهُ عَلَى ألسِنَتِهِمْ، وتوفيقُهُمْ لِفِعْلِهِ، وتمكينُهُمْ بالتمسُّكِ به. وخلْقُ الإيمانِ، والتوفيقُ له نعمةٌ خَصَّ اللهُ تعالى ﺑﻬا المؤمنينَ دُوْنَ الكافرين؛ ولذلك قال عز وجل: {فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (2-64)، {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} (4-83)، {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} (24-21)، وقال عز وجل: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} (3-103)، وقال تعالى: {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (49-17)؛ فَلَوْ كانتْ هذهِ النعمةُ لَهُ على الكافرينَ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيْصِهِ ﺑِﻬا المُؤْمِنِيْنَ وامْتِنانِهِ على المُؤْمِنِيْنَ وَجْهٌ؛ إذْ كانَ قَدْ أَنْعَمَ ﺑﻬا على المَرَدَةِ والكَفَرَةِ الضالين.

 

  1. [1] (*) تنبيه: الكلمات الموجودة بين أقواسٍ مربعة هي من تصحيح الإمام الكوثري.
  2. [2] &موقع المكتبة الإسلامية الحديثة: إضافة على المطبوع؛ لإتمام المعنى.
  3. [3] &موقع المكتبة الإسلامية الحديثة: وقع بين الزاويتين في المطبوع: “لا”، وتم حذفُها من إدارة الموقع ليستوي المعنى حسب سياقه.
  4. [4] &موقع المكتبة الإسلامية الحديثة: في المطبوع: “مَوْضِعٌ”.
الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به*
تقدمة المؤلف للكتاب
 
Top