المسألة الأولى: في حدوث العالم

صفحة 19

المسألة الأولى

في حدوث العالم

اعلم: أنا إذا ادعينا أن العالم محدَث، فلا بد وأن نعلم أن العالَم ما هو؟ وأن المحدث ما هو؟ وأن نعرف مذاهب الناس في هذه المسألة، حتى يمكننا أن نشرع بعد ذلك في تقرير الدلائل، فلا جرم وجب علينا قبل الخوض في تقرير الدلائل، تقديم ثلاث مقدمات:

صفحة 19

المقدمة الأولى: في حقيقة العالم

قال المتكلمون: العالم كل موجود سوى الله تعالى. وتحقيق الكلام في هذا الباب أن نقول: الموجود على قسمين. وذلك لأن الموجود، إما أن يكون من حيث هو هو غير قابل للعدم البتة، وإما أن يكون من حيث هو هو قابلاً للعدم. فالموجود الذي تكون حقيقته من حيث هي هي غير قابلة للعدم البتة، فهو المسمى بواجب الوجود لذاته، وهو الله سبحانه وتعالى. وأما الموجود الذي تكون حقيقته من حيث هي هي قابلة للعدم، فهو المسمى بممكن الوجود لذاته وهو بحسب القسمة العقلية على ثلاثة أقسام: المتحيز، والحال في المتحيز، والذي لا يكون متحيزاً ولا حالاً في المتحيز.

أما القسم الأول وهو المتحيز، فاعلم أن المراد من المتحيز الذي يمكن أن يشار إليه، إشارة حسية بأنه ههنا أو هناك.

وإذا عرفت حقيقة المتحيز، فنقول: المتحيز إما أن يكون قابلاً للقسمة، وإما أن لا يكون. فالمتحيز الذي يكون قابلاً للقسمة هو المسمى

صفحة 20

بالجسم، فعلى هذا: الجسم ما يكون مؤلفاً من جزئين فصاعداً. والمعتزلة يقولون: الجسم هو الذي يكون طويلاً عريضاً عميقاً وأقل الجسم إنما يحصل من ثمانية أجزاء. وهذا النزاع لغوي لا عقلي. وأما المتحيز الذي لا يكون منقسماً فهو المسمى بالجوهر الفرد، والناس قد اختلفوا في إثباته، وسنذكر هذه المسألة على الاستقصاء إن شاء الله تعالى.

وأما القسم الثاني من أقسام الممكن، وهو الذي يكون حالاً في المتحيز، وتفسير الحلول هو: أن الشيئين إذا اختص أحدهما بالآخر، فقد يكونان بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما غير الإشارة إلى الآخر، مثل: كون الماء في الكوز، فإن ذات الماء مباينة لذات الكوز، في الإشارة الحسية، إلا أنهما متماسان بسطحيهما، وقد يكونان بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما، إشارة إلى الآخر، تحقيقاً أو تقديراً، وهو مثل كون اللون في المتلون، فإن اللون ليس له ذات مباينة من ذات المتلون في الإشارة الحسية، بل الإشارة إلى اللون نفس الإشارة إلى المتلون.

إذا عرفت هذا فنقول: الشيئان إذا اختص أحدهما بالآخر على القسم الثاني ثم يكون أحدهما محتاجاً في وجوده إلى الآخر، ويكون الآخر غنياً في وجوده عن الأول: يسمى المحتاج حالاً، والغني محلاً. فإن الجسم غني في وجوده عن اللون واللون محتاج في وجوده إلى الجسم، فلا جرم قلنا: أن اللون حال في الجسم، والجسم محل اللون.

إذا عرفت معنى الحلول، فنقول: كل ما كان حالاً في المتحيز، فذلك الحال يسمى بالعرض، ثم نقول: العرض قسمان: أحدهما الذي

صفحة 21

يمكن قيامه بغير الحي، والثاني: الذي لا يمكن قيامه بغير الحي، ويندرج تحت كل واحد من هذين القسمين أنواع كثيرة، لا يمكن استقصاء القول فيها في هذا المختصر.

ويجب أن تعلم أن أحد أنواع العرض، الذي يمكن قيامه بغير الحي: الأكوان، والكون: عبارة عن حصول الجوهر في الحيز، ويندرج تحت الكون أربعة أشياء: الحركة، وهي عبارة عن الحصول في حيز، بعد أن كان في حيز آخر، والكون، وهو عبارة عن حصول الجسم الواحد، في حيز واحد، أكثر من زمان واحد، والاجتماع، وهو عبارة عن حصول المتحيزين في حيزين، بحيث لا يمكن أن يتوسط بينهما ثالث، والافتراق، وهو عبارة عن حصول المتحيزين في حيزين، يمكن أن يتوسط بينهما ثالث.

واعلم أن المشهور عند (جمهور المتأخرين) أن حصول الجوهر في الحيز صفة معللة، بمعنى قائم في الجوهر، وذلك المعنى يوجب كونه حاصلاً في ذلك الحيز، ثم إنهم سموا حصول الجوهر في الحيز بالكائنية، وسموا المعنى الموجب للكائنية بالكون، وقالوا: هذا الكون علة للكائنية.

وهذا القول عندنا باطل، وذلك لأن المعنى الذي يوجب حصول الجوهر في حيز معين إما أن يتوقف صحة قيامه بالجوهر على كون ذلك الجوهر حاصلاً في ذلك الحيز، وإما أن لا يتوقف عليه، والأول باطل، لأنا إذا عللنا حصول ذلك الجوهر في ذلك الحيز بذلك المعنى، كان حصول ذلك الجوهر في ذلك الحيز محتاجاً إلى قيام ذلك المعنى به، وقيام ذلك المعنى به يكون محتاجاً إلى حصول ذلك الجوهر في ذلك الحيز، فيلزم الدور، وهو محال.

صفحة 22

والثاني أيضاً باطل، لأن على هذا التقدير يجوز حصول ذلك المعنى، عندما لا يكون ذلك الجوهر حاصلاً في ذلك الحيز، وذلك يقتضي جواز حصول العلة منفكة عن معلولها، وهو محال، فتعين أن تعليل الكائنية بالمعنى، يفضي إلى أحد هذين الباطلين، والدليل عليه أنا بينا أن كون العرض قائماً بالجوهر معناه حصول ذلك العرض في ذلك الحيز تبعاً لحصول محله فيه، فلو كان حصول الجوهر في ذلك الحيز معللاً بمعنى قائم به، لكان حصول ذلك الجوهر في ذلك الحيز تبعاً لقيام ذلك المعنى، من حيث أن المعلول تبع للعلة، فيلزمه كون كل واحد منهما تبعاً للآخر، وهو محال، ولقائل أن يقول: إن عنيت بالتوقف آخر الموقوف عليه: لا يلزم، وهذه الحجة فيها بحث.

القسم الثالث من أقسام الممكنات: الشيء الذي لا يكون متحيزاً، ولا يكون قائماً بالمتحيز. واعلم أن جمهور الفلاسفة يثبتون هذا القسم، وجمهور المتكلمين ينكرونه، وأقوى دلائل المنكرين أن قالوا: لو حصل موجود سوى الله تعالى بهذه الصفة، لكان ذلك الموجود مساوياً لذات الله تعالى، في أنه ليس بمتحيز، ولا قائم بالمتحيز. ولو حصلت المساواة في هذه الصفة لحصلت المساواة في تمام الماهية، ولو حصلت المساواة في تمام الماهية، لزم القول بأنه إما يكون الواجب ممكناً أو يكون الممكن واجباً، وكل ذلك محال.

واعلم أن هذه الحجة ضعيفة، وذلك لأن الاستواء في كونه ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز، استواء في مفهوم سلبي. والاستواء في المسلوب لا يوجب الاستواء في الماهية، لأن كل ماهيتين مختلفتين، فلا بد وأن يتشاركا في سلب كل ما عداهما عنهما، وإذا بطلت هذه المقدمة سقطت هذه الحجة.

صفحة 23

بل نقول: الاستواء في الصفات الثبوتية، لا يوجب الاستواء في الماهية، لأن المختلفين لا بد وأن يتشاركا في كون كل واحد منهما مخالفاً للآخر، والضدان لا بد وأن يتشاركا في كون كل واحد منهما ضداً للآخر.

وإذا عرفت ما قلناه، ظهر أنه لا يلزم من إثبات حدوث الأجسام والأعراض حدوث كل ما سوى الله تعالى. وقد كان الأولون والآخرون من المتكلمين يكتفون في هذا المطلوب بهذا القدر. وبالله التوفيق.

صفحة 23

المقدمة الثانية: في حقيقة المحدث.

وفيه بحثان غامضان:

البحث الأول: اعلم أن العبارات وإن كثرت في تفسير المحدث إلا أن حاصلها يرجع إلى نوعين من التعريف.

أحدهما: أن المحدث هو الذي يكون مسبوقاً بالعدم.

والثاني: أن المحدث هو الذي يكون مسبوقاً بالغير.

وللفلاسفة على كل واحدة من هاتين العبارتين إشكال، أما العبارة الأولى فقالوا: التقدم والسبق والقبلية إلى غيرها من العبارات، له خمسة أقسام:

أولها: تقدم العلة على المعلول، كتقدم المضيء على الضوء. وهذا التقدم ليس بالزمان، لأن جرم الشمس لم ينفك قط عن النور، فههنا التقدم بالزمان منفي، مع أن العقل يقضي بأن النور من الشمس وأن الشمس ليست من النور. وأيضاً: العقل يقضي بأن حركة الخاتم متفرعة على حركة الإصبع وليست حركة الإصبع متفرعة على حركة

صفحة 24

الخاتم. وهذا الترتيب مما يشهد العقل بثبوته، ولا يمكن أن يكون ذلك الترتيب بالزمان، وذلك لأن سطح الأصبع إذا كان مماساً لسطح الخاتم، فإذا تحرك جسم الأصبع إلى ذلك الجانب، ففي عين ذلك الزمان لا بد وأن يتحرك الخاتم، إذ لو بقي جسم الخاتم في ذلك الحيز، لزم تداخل الجسمين، وهو محال، وهذا مما قضى العقل بأن لحركة الأصبع تقدماً على حركة الخاتم، وقضى بأن ذلك التقدم يمتنع أن يكون بالزمان، فإذا حصل ههنا نوع من التقدم سوى التقدم بالزمان فنحن سميناه بالتقدم بالعلية.

والقسم الثاني من أقسام التقدم: ما نسميه بالتقدم بالذات، ومثاله ماهية الاثنين مفتقرة إلى حصول الواحد، فأما حصول الواحد فهو غني عن حصول الاثنين، والفرق بين هذا القسم وبين القسم الأول أن ههنا المتقدم ليس علة لوجود المتأخر، وفي القسم الأول كان المتقدم علة للمتأخر.

والقسم الثالث: للتقدم بالشرف والفضيلة، كتقدم أبي بكر على عمر رضي الله عنهما.

والقسم الرابع: التقدم بالرتبة، إما بالرتبة الحسية، كتقدم الإمام على المأموم، أو بالرتبة العقلية، كتقدم الجنس على النوع، إذا جعلنا المبدأ هو الجنس الأعلى.

والقسم الخامس: التقدم بالزمان، وحاصله: أن في الماضي كل ما كان أبعد عن الآن، كان متقدماً على ما هو الأقرب إلى الآن، وفي المستقبل على العكس من ذلك، ومثاله: تقدم الأب على الابن، وحقيقة هذا التقدم ترجع إلى أنه كان قد حصل زمان، حصل فيه الأب، ثم

صفحة 25

انقضى ذلك الزمان، وحصل بعده زمان آخر، حصل فيه الابن، فإذن التقدم الزماني لا يعقل حصوله إلا عند حصول الزمان.

وإذا تلخصت هذه المقدمة، فعند ذلك قالت الفلاسفة ما المراد من قولكم: عدم العالم متقدم على وجوده؟ لا جائز أن يكون المراد منه التقدم بالعلية والتأثير، لأن العدم لا يكون علة للوجود، ولأن العلة يجب أن تكون حاصلة مع المعلول، فلو كان عدم العالم علة لوجوده، لزم أن يحصل عدمه ووجوده معاً، وهذا محال.

وأما إن كان المراد منه التقدم بالذات، فهذا متفق عليه، وذلك لأن العالم ممكن لذاته، والممكن لذاته يستحق لذاته أن لا يستحق الوجود وصيرورته مستحقاً للوجود، إنما يكون من غيره، وما بالذات قبل ما بالغير، فإذن عدمه قبل وجوده: قبلية بالذات بالاتفاق. ولا جائز أن يكون المراد منه التقدم بالشرف، ولا بالمكان، وهو ظاهر.

بقي أن يكون تقدم عدمه على وجوده تقدماً بالزمان، ولكنا بينا: أن التقدم بالزمان لا يتقرر، إلا عند حصول الزمان، فلو كان عدم العالم متقدماً على وجوده بالزمان، تقدماً من الأزل إلى الأبد، لزم أن يكون الزمان موجوداً من الأزل إلى الأبد، لكن الزمان من لواحق الحركة، التي هي من لواحق الجسم، فيلزم من تفسير المحدث بما ذكرتم، القول بقدم الزمان والحركة والجسم، وذلك نقيض مطلوبكم، وضد غرضكم، فثبت: أن القول بتفسير كون العالم محدثاً بما ذكرتم يفضي ثبوته إلى نفيه، فوجب أن يكون هذا التفسير باطلاً.

وأما التفسير الثاني، وهو أن يقال: المحدث ما يكون مسبوقاً بالغير، فنقول: إما أن يكون المراد بهذا السبق السبق بالعلية، فذاك متفق عليه، لأن مذهبنا أن العالم ممكن لذاته، واجب لوجوب

صفحة 26

علته، لكن هذا لا يقتضي أن يكون للحوادث بداية، لأنه لا يمتنع في العقل دوام المعلول بدوام علته، وإن كان المراد بهذا السبق هو السبق بالذات أو بالشرف، فهو أيضاً متفق عليه، وأما السبق بالمكان فهو منفي بالاتفاق وعلى تقدير ثبوته، فذلك لا يوجب أن يكون للحوادث بداية، إذ لا يمتنع في بداهة العقول وجود موجود فوق العالم، ويكونان موجودين أزلاً وأبداً. فلم يبق ههنا إلا أن يفسر ذلك السبق بالسبق الزماني، وهذا محال، وبتقدير الصحة فهو متناقض.

أما أنه محال، فلوجهين:

أحدهما: أنه يلزم منه كون الله تعالى زمانياً، وذلك محال.

وأما ثانياً: فيلزم منه كون الزمان زمانياً، وذلك أيضاً محال.

وأما بتقدير الصحة فهو متناقض، وذلك لأنه إذا كان الله تعالى متقدماً على العالم تقدماً لا أول له، وذلك التقدم تقدم زماني، لزم إثبات زمان لا أول له، وحينئذ يعود الكلام إلى أنه يلزم قدم الزمان والحركة والجسم، فهذا تمام تقرير هذا الإشكال، والجواب: أنا نثبت نوعاً آخر من التقدم، وراء هذه الأقسام الخمسة التي ذكرتموها. والدليل عليه: أنا ببداهة العقل نعلم: أن الأمس متقدم على اليوم، فنقول: تقدم الأمس على اليوم ليس تقدماً بالعلية، وذلك لأن المتقدم بالعلية يوجد مع المتأخر بالمعلولية، والأمس واليوم لا يوجدان معاً البتة، وأيضاً: إن أجزاء الزمان متشابهة، فيمتنع أن يكون بعضها علة للبعض.

وبهذا الطريق ظهر أنه ليس تقدماً بالذات، ولا بالشرف،

صفحة 27

ولا بالمكان. وأيضاً: لا يمكن أن يكون ذلك التقدم تقدماً بالزمان، والإلزام أن يكون ذلك الزمان حاصلاً في زمان آخر، ثم يعود الكلام في ذلك الزمان، كما في الأول، فيفضى إلى أن تحصل أزمنة لا نهاية لها دفعة واحدة، ويكون كل واحد منها ظرفاً للآخر، وذلك محال، لأن مجموع تلك الأزمنة التي لا نهاية لها يكون أمسها متقدماً على يومها، فيلزم افتقار ذلك المجموع إلى زمان آخر يحيط به، وذلك محال، لأن الزمان المحيط بذلك المجموع، يجب أن يكون خارجاً عنه، لأن الظرف مغاير للمظروف، ويجب أن لا يكون خارجاً عنه، لأن مجموع الأزمنة لا بد وأن يدخل فيه كل واحد من آحاد الأزمنة، فيلزم أن يكون ذلك الزمان خارجاً عن ذلك المجموع، وغير خارج عنه، وهو محال فثبت: أن تقدم الأمس على اليوم تقدم خارج عن الأقسام الخمسة، التي ذكرتموها، فلم لا يجوز أن يكون تقدم عدم العالم على وجوده، وتقدم وجود الله تعالى على وجود العالم على هذا الوجه؟ وحينئذ يزول الإشكال المذكور.

البحث الثاني في تفسير المحدث: وهو أن صحة حدوث الحوادث إما أن تكون لها بداية أو لا تكون.

والقسم الأول باطل لوجوه:

أحدها: أنه لو كان للصحة أول لما كانت الصحة الذاتية حاصلة قبل ذلك المبدأ، وإذا لم تكن الصحة الذاتية حاصلة قبل ذلك المبدأ فالحاصل قبل ذلك المبدأ إما الوجوب الذاتي، أو الامتناع الذاتي، فإن كان الأول كان القول بقدم العالم ألزم، وإن كان الثاني فالعالم قبل ذلك المبدأ كان ممتنعاً لذاته، ثم انقلب ممكناً لذاته، وهذا محال، لأن الأمور الذاتية لا تنقلب البتة، ولو جوزنا ذلك فحينئذ لا يبقى الوثوق بحكم العقل في جواز الجائزات ووجوب الواجبات، وامتناع الممتنعات، ولعل سائر الممتنعات لذواتها تنقلب واجبة لذواتها، أو بالضد، وكل ذلك باطل.

صفحة 28

وثانيها: وهو أنا لو قلنا بأنه كان ممتنعاً لذاته ثم انقلب ممكناً فحدوث ذلك الإمكان إما أن يكون لأمر أو لا لأمر، فإن كان لأمر فحدوث ذلك الإمكان يكون ممكناً لذاته والكلام في الإمكان الثاني كما في الأول، فيلزم التسلسل، وإن كان لا لأمر، فقد جوزتم أن ما كان ممتنعاً لذاته انقلب ممكناً لذاته لا لأمر، والإمكان للمكن واجب، فحصول ذلك الإمكان كان ممتنعاً لذاته، قبل ذلك المبدأ، ثم صار واجباً لذاته. وإذا جاز ذلك، فلم لا يجوز في وجود المحدثات أن يقال: إنه كان ممتنعاً لذاته، ثم انقلب واجباً لذاته؟ وحينئذ يلزم نفي الصانع، وهو محال.

وثالثها: إن حدوث ذلك الإمكان، إما أن يقال: إنه كان موقوفاً على حدوث أمر ما، بأن يوجد شيء بعد عدمه، أو بأن يعدم شيء بعد وجوده، أو لم يكن موقوفاً على ذلك، فإن كل الأول كان الكلام في اختصاص ذلك الوقت بحدوث ذلك الأمر، كما في الأول فيلزم التسلسل، وإن كان الثاني لم يكن اختصاص حدوث ذلك إلا مكان بذلك الوقت أولى من اختصاصه بسائر الأوقات.

فثبت بهذه الوجوه: أنه لا يمكن أن يقال: إن لصحة حدوث الحوادث بداية.

وكذلك القول في بيان أنه لا بداية لصحة تأثير المؤثر في إحداث المحدثات، وإذا ثبت ذلك، كان كون العالم موجوداً في الأزل غير ممتنع، وكذلك أيضاً يكون تأثير المؤثر في وجود العالم أزلاً غير ممتنع، وإذا ثبت هذا، كان القول بأنه يمتنع كون العالم أزلياً، ويمتنع تأثير قدرة الله تعالى في إيجاد العالم في الأزل: جمعاً بين الحكم بحصول الامتناع في الأزل، وبحصول الجواز في الأزل، وذلك جمع بين النقيضين، وهو محال، وهذا تمام الإشكال.

صفحة 29

والجواب عنه: أنه لا يلزم من قولنا: إنه لا بداية لصحة حدوث الحوادث أن يحكم بجواز كون العالم أزلياً، والدليل عليه: إنا إذا أخذنا هذا الحادث المعين بشرط كونه مسبوقاً بالغير، فهذا الحادث المأخوذ مع هذا الشرط، إما أن تكون لصحة حدوثه بداية، وإما أن لا تكون لها بداية، والأول باطل، لجميع الدلائل التي ذكرتموها، فبقي أنه لا بداية لصحة حدوث هذا الحادث المأخوذ مع هذا الشرط، ثم إنا نعلم قطعاً امتناع كون هذا الحادث أزلياً، لأن الأزل عبارة عن عدم المسبوقية بالغير، وهذا الحادث مأخوذ بشرط كونه مسبوقاً بالغير، والجمع بينهما محال، فثبت: أن القول بأنه لا مبدأ لصحة حدوث الحوادث لا يقتضي القول بجواز كون ذلك الشيء أزلياً.

صفحة 29

المقدمة الثالثة: في شرح مذاهب الناس في هذه المسألة

المذاهب الممكنة في هذه المسألة لا تزيد على خمسة لأنه إما أن يقال: الأجسام محدثة بذواتها وصفاتها، أو يقال: إنها قديمة بذواتها وصفاتها، أو يقال: إنها قديمة بذواتها محدثة بصفاتها، أو يقال: إنها بصفاتها محدثة بذواتها، أو يتوقف في كل واحد من هذه الأقسام.

أما الاحتمال الأول: وهو القول بأن هذه الأجسام محدثة بذواتها وصفاتها، فهو قول الأكثرين من أرباب الملل، وهم المسلمون، واليهود، والنصارى، والمجوس.

وأما الاحتمال الثاني: وهو القول بأن الأجسام قديمة بذواتها وصفاتها، فهو قول بعض الفلاسفة وتفصيل مذاهبهم: أن الأجسام الفلكية قديمة بذواتها وقديمة بصفاتها المعينة، إلا حركاتها، فإن كل واحدة من حركاتها مسبوقة بحركة أخرى، لا إلى بداية. وأما الأجسام العنصرية، فإن هيولاها قديمة، وأما صورها وعراضها فكل واحد منها

صفحة 30

مسبوق بآخر، لا إلى بداية، وهذا مذهب (أرسطاطاليس) وأتباعه من المتقدمين والمتأخرين.

وأما الاحتمال الثالث: وهو أن الأجسام قديمة بذواتها محددة بصفاتها، فهذا قول أكثر الفلاسفة الذين كنوا قبل (أرسطاطاليس) ثم هؤلاء فريقان:

الفريق الأول: الذين قالوا: الذوات القديمة كانت أجساماً، وهؤلاء منهم من قال: أصل الأشياء هو التراب، وكون العناصر الثلاثة الباقية عنه بالتلطف.

ومنهم من عكس، وقال: أصل الأشياء هو النار، وكون العناصر الثلاثة الباقية عنها بالتكاثف.

ومنهم من قال: أصل الأشياء هو الهواء، وكون العنصر اللطيف عنه: بالتلطف، وكون العنصرين الكثيفين عنه: بالتكاثف.

ومنهم من قال: أصل الأشياء هو البخار، وكون العنصرين اللطيفين عنه: بالتلطف، وكون العنصرين الكثيفين عنه: بالتكاثف.

ومنهم من قال: أصل الأشياء هو الماء، ثم إن الماء تحرك، فأوجبت حركته سخونة، فتصاعد على وجه الماء من تلك السخونة زبد، وارتفع منه دخان فتكونت الأرض من ذلك الزبد، والسماء من ذلك الدخان.

ومنهم من قال: أصل العالم أجزاء جسمانية كرية صلبة، ولما كانت أجزاء الخلاء متشابهة، لم يكن بقاء كل واحد من تلك الأجزاء

صفحة 31

في حيز معين، من ذلك الخلاء أولى من حصوله في حيز آخر، فلا جرم وجب فيها أن تكون متحركة من الأزل إلى الأبد. ثم اتفق لتلك الأجزاء أن تصادمت على شكل خاص، فتمانعت بسبب حركاتها المتدافعة، فتكونت السماوات بهذا الطريق، ثم إنها لما استدارت وكان باطنها مملوءاً من الأجسام عرض لما كان في غاية القرب من السماوات أن تسخن جداً – وهو النار – وعرض لما كان في غاية البعد من السماوات أن تكاثف وبرد جداً – وهو الأرض – والذي كان قريباً من النار هو الهواء، والذي كان أبعد منه هو الماء، لأن الهواء ألطف وأسخن من الماء، ثم اختلطت هذه العناصر الأربعة، بسبب حركات الأجرام الفلكية، وتولدت المركبات من المعادن والنبات والحيوان.

والفريق الثاني: الذين قالوا: الذوات القديمة ما كانت أجساماً فهؤلاء ثلاث طوائف.

الطائفة الأولى: الذين قالوا: الأجسام مركبة من الهيولى والصورة، فالهيولى كانت قديمة، وكانت خالية عن الجسم، ثم حدثت الصورة الجسمية فيها، فحدثت الأجسام.

والطائفة الثانية: الذين قالوا: أصل الأجسام: الوحدات. وذلك لأن الوحدة إذا كانت مجردة عن الوضع والإشارة، كانت مجرد وحدات، وإذا كانت الوحدة مشاراً إليها، صارت نقطة، فإذا تركبت نقطتان صار خطاً، وإذا تركب خطان صار سطحاً، وإذا تركب سطحان صار جسماً، فأصل الأجسام الوحدات، وهي أمور قديمة قائمة بذواتها، فهذا شرح هذه الأقوال على الاختصار.

صفحة 32

الاحتمال الرابع: بأن يقال: العالم قديم الصفات، محدث الذات، وهذا معلوم البطلان بالبداهة، فلا جرم لم يقبل به قائل.

الاحتمال الخامس: التوقف في هذه الأقسام وعدم القطع بواحد منها، وهو قول (جالينوس).

وهذا آخر الكلام في شرح هذه المقدمات التي يجب تقديمها على الشروع في البراهين:

البرهان الأول: في إثبات حدوث الأجسام، وهو أنا نقول: الأجسام لو كانت أزلية لكانت في الأزل، إما أن تكون متحركة أو ساكنة، والقسمان باطلان، فالقول بكونها أزلية باطل، فنفتقر في تقرير هذا البرهان إلى إثبات مقدمات ثلاث:

المقدمة الأولى في إقامة الدليل على الحصر، فنقول: الدليل عليه: أن كل ما كان متحيزاً فلا بد وأن يكون مختصاً بحيز معين، والمراد منه: أنه لا بد وأن يكون بحيث يصح أن يشار إليه بأنه ههنا أو هناك.

إذا عرفت هذا فنقول: إنه في الأزل إما أن يكون باقياً في حيز واحد، أو لا يكون كذلك، بل يكون منتقلاً من حيز إلى حيز، والأول هو الساكن، والثاني هو المتحرك، فثبت أن الجسم لو كان أزلياً لكان في الأزل إما أن يكون متحركاً أو ساكناً.

المقدمة الثانية: في إقامة الدلالة على أنه يمتنع كون الأجسام في الأزل متحركة: ويدل عليه وجوه:

الأول: أن الحركة ماهيتها وحقيقتها أنها انتقال من حالة إلى حالة، والانتقال من حالة إلى حالة لا بد وأن يكون مسبوقاً بحصول

صفحة 33

الحالة المنتقل عنها، فإذن حقيقة الحركة من حيث أنها تلك الحقيقة، تقتضي المسبوقية بالغير، وحقيقة الأزل من حيث أنها هذه الحقيقة تنافي المسبوقية بالغير، فوجب أن يكون الجمع بين الحركة والأزل محالاً ممتنعاً لذاته.

البرهان الثاني: أنا إذا فرضنا أن كل دورة من دورات الفلك كانت مسبوقة بدورة أخرى، لا إلى أول، فحينئذ يكون كل واحدة من تلك الدورات مسبوقة بعدم لا أول له، فتكون العدمات بأسرها مجتمعة في الأزل، وإنما الترتيب في الوجودات، لا في العدمات، فإذن جميع العدمات السابقة على كل واحدة من هذه الوجودات، كانت مجتمعة في الأزل، فإما أن يحصل مع مجموع تلك العدمات الحاصلة في الأزل شيء من الوجودات أو لم يحصل، والأول باطل، والألزم أن يكون السابق مقارناً للمسبوق، وهو محال، وإذا بطل القسم الأول تعين القسم الثاني، وهو أنه لم يحصل في الأزل شيء من الوجودات، وذلك يقتضي أن يكون لمجموع الوجودات بداية وأول، وهو المطلوب.

البرهان الثالث: وهو أنه إما أن يقال: حصل في الأزل شيء من هذه الحركات أو لم يحصل، فإن لم يحصل في الأزل شيء من هذه الحركات والحوادث وجب أن تكون لمجموع هذه الحركات والحوادث بداية وأول، وهو المطلوب، وإن حصل في الأزل شيء من هذه الحركات، فتلك الحركة الحاصلة في الأزل، إن لم تكن مسبوقة بغيرها كانت تلك الحركة أول الحركات، وهو المطلوب، وإن كانت مسبوقة بغيرها لزم أن يكون الأزل مسبوقاً بغيره، وهو محال.

البرهان الرابع: إن في مدة دورة واحدة من أدوار (زحل) تتحرك الشمس ثلاثين دورة، فإذن عدد دورات (زحل) تكون أقل من دورات (الشمس) وكل ما كان أقل من غيره فهو متناه، فإذن

صفحة 34

عدد دوراته متناه، فلحركة (زحل) بداية، وإذا كان كذلك وجب أن يكون أيضاً لجميع الحركات بداية، لأن ضعف المتناهي مراراً متناهية، يكون متناهياً.

البرهان الخامس: إذا فرضنا الحوادث الماضية من اليوم إلى الأزل جملة، ومن زمان الطوفان إلى الأزل جملة أخرى، فلا شك أن الجملة الأولى أزيد من الجملة الثانية، بما بين زمان الطوفان إلى هذا اليوم، فإذا طبقنا في الوهم الطرف المتناهي من الجملة الزائدة على الطرف المتناهي من الجملة الناقصة، حتى يقابل كل فرد من أفراد إحدى الجملتين بما يشابهه في المرتبة من الجملة الأخرى، فإن لم تنقص الجملة الناقصة عن الزائدة في الطرف الآخر، كان الشيء مع غيره كهو لا مع غيره، وهذا محال، وإن انقطعت الجملة الناقصة من ذلك الطرف، كانت متناهية من ذلك الطرف، وكانت متناهية من جانب الأزل، والزائد زاد عليها بمقدار متناه، والزائد على المتناهي بمقدار متناه يكون متناهياً، فالكل متناه في جانب الأزل.

البرهان السادس: لو كانت الأدوار الماضية غير متناهية، لكان حدوث اليوم موقوفاً على انقضاء ما لا نهاية له، وانقضاء ما لا نهاية له محال، فيلزم أن يكون حدوث اليوم موقوفاً على شرط محال، والموقوف على الشرط المحال، لا يوجد. فكان يلزم أن لا يوجد اليوم، وحيث وجد علمنا: أن الأمور المنقضية قبل هذا اليوم متناهية، فثبت بهذه البراهين: أن القول بكون الأجسام متحركة في الأزل محال.

المقدمة الثالثة: في بيان أنه يمتنع كون الأجسام ساكنة في الأزل

واعلم أنا نحتاج في هذا المقام إلى إقامة الدلالة على أن السكون أمر وجودي، والفلاسفة يزعمون: أنه عبارة عن عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك، وإنما افترقنا إلى إثبات هذه المقدمة لأن دليلنا على

صفحة 35

أن السكون يمتنع أن يكون أزلياً: هو أن نقول: لو كان السكون أزلياً لما جاز زواله. وقد جاز زواله، فوجب أن لا يكون أزلياً. ولو كان السكون أمراً عدمياً لما صح هذا الكلام، لأن زوال العدم في الأزل جائز بالاتفاق، إذ لو لم يجز ذلك لبطل القول بحدوث العالم، فإن للسائل أن يقول: لو كان العالم محدثاً لكان عدمه أزلياً، ولو كان عدمه أزلياً لما زال بسبب طريان الوجود، وحيث وجد العالم، علمنا: أن عدم العالم ما كان أزلياً، فإن لم يكن عدمه أزلياً كان وجوده أزلياً، فكان العالم قديماً، فثبت أنه لا يمكننا أن نقول: كل ما كان أزلياً امتنع زواله بل يجب تخصيص هذه الدعوى بالأمور الوجودية، فيقال: كل ما كان موجوداً في الأزل امتنع زواله. فإذا كان كذلك، فحينئذ نفتقر إلى إثبات كون السكون أمراً وجودياً، حتى يستقيم الكلام.

إذا عرفت ذلك، فنقول: الدليل على أن السكون أمر وجودي: أنا نرى الجسم الواحد يصير ساكناً بعد أن كان متحركاً، وبالعكس، فتبدل هاتين الحالتين، مع بقاء الذات في الحالتين، يقتضي كون إحدى هاتين الحالتين أمراً وجودياً، وإذا ثبت ذلك، لزم كون كل واحد منهما أمراً وجودياً، وذلك لأن الحركة عبارة عن الحصول في الحيز، بعد أن كانت في حيز آخر، والسكون عبارة عن الحصول في الحيز، بعد أن كان في نفس ذلك الحيز، فالحركة والسكون متساويان في تمام الماهية، وإنما الاختلاف بينهما في كون الحركة مسبوقة بحالة أخرى، وكون السكون ليس كذلك، وكون الشيء مسبوقاً بغيره، وصف عرضي. والأوصاف العرضية لا تقدح في اتحاد الماهية، فثبت: أن الحركة والسكون متساويان في تمام الماهية والحقيقة، فإذا كان أحدهما وصفاً ثبوتياً لزم كون الآخر ثبوتياً قطعاً، فثبت بما ذكرنا: أن السكون وصف ثبوتي.

صفحة 36

وإذا قامت الحجة على صحة هذه المقدمة فلنرجع إلى المطلوب. فنقول: لو كان السكون أزلياً، لامتنع زواله، ولا يمتنع زواله، فوجب أن لا يكون أزلياً، بيان الشرطية أنه بتقدير أن يكون أزلياً، فإما أن يكون واجباً لذاته، أو ممكناً لذاته، فإن كان واجباً لذاته ظهر أنه يجب أن لا يزول أصلاً، وإن كان ممكناً لذاته فالمؤثر فيه إما أن يكون فاعلاً بالاختيار أو موجباً بالذات، والأول محال، لأن الفاعل بالاختيار إنما يفعل بواسطة القصد والاختيار، والقصد إلى تكوين الشيء لا يتحقق إلا عند عدمه، أو حال حدوثه، وعلى التقديرين فكل ما يقع بالفاعل المختار كان محدثاً، والقديم لا يكون محدثاً، فيمتنع أن يكون المؤثر في وجود القديم فاعلاً مختاراً، فثبت أنه لو كان له مؤثر لكان ذلك المؤثر لا بد وأن يكون موجباً بالذات، ثم ذلك الموجب إن كان ممكناً عاد الكلام فيه، وإن كان واجباً فإن لم يتوقف تأثيره في وجود ذلك القديم على شرط أصلاً، لزم من وجوب وجود تلك العلة وجوب وجود المعلول، فيلزم امتناع العدم على ذلك القديم، وإن توقف تأثيره على شرط، فذلك الشرط لا بد وأن يكون المؤثر فيه موجباً بالذات، وواجباً بالذات، وإلا عاد المحال المذكور، وحينئذ يلزم من امتناع التغير على العلة، وعلى شرط العلة، امتناع التغير على المعلول، فثبت بما ذكرنا: أن كل ما كان موجوداً في الأزل فإنه يمتنع زواله. وإنما قلنا: إن الزوال على السكون جائز، وذلك لأن كل متحيز فإنه يمكن خروجه عن حيزه، وبتقدير خروجه عن حيزه فإنه يبطل ذلك السكون.

بيان المقام الأول من وجهين:

الأول: إن كل متحيز يفرض، فإنه إما أن يكون مركباً أو بسيطاً، فإن كان مركباً فإنه لا بد وأن يحصل فيه بسائط، فإذا أخذنا بسيطاً

صفحة 37

واحداً من تلك البسائط فلا شك أنه يفرض فيه جانبان. وطبيعة كل واحد من ذينك الجانبين مساوية لطبيعة الجانب الآخر، وإلا لكان ذلك الجزء مركباً، وقد فرضناه بسيطاً، هذا خلف، وإن كانت طبيعة كل واحد من ذينك الجانبين مساوية لطبيعة الجانب الآخر، وكل شيئين متساويين، وجب أن يصح على كل واحد منهما ما يصح على الآخر، فإذن الجانب الذي يلاقيه أو يحاذيه بيمينه، يصح أن يلاقيه أو يحاذيه بيساره، ولا يمكن ذلك إلا إذا انقلب في حيزه، حتى يصير يمينه يساراً، أو يساره يميناً، فثبت: أن كل جزء يفرض فإنه يصح عليه الحركة، وإذا تحرك فقد بطل ذلك السكون، لأنه لا معنى للسكون إلا ذلك الحصول، وإذا بطل ذلك الحصول فقد بطل ذلك السكون.

الوجه الثاني: أنا نكتفي هنا بإلزام الخصم، وذلك لأن الأجسام عندهم إما فلكية أو عنصرية، أما الفلكيات فإنها عندهم متحركة على سبيل الوجوب، وأما العنصريات فكل واحد من أجزائها جائز الحركة، وعلى كلا التقديرين يثبت أو زوال السكون جائز، فثبت بما ذكرنا: أن السكون لو كان أزلياً لما جاز زواله، وثبت أنه يجوز زواله، فيلزم أن لا يكون السكون أزلياً، ولما ثبت أنه يمتنع أن يكون الجسم في الأزل ساكناً، ويمتنع أن يكون في الأزل متحركاً، وثبت أنه لو كان أزلياً لكان إما ساكناً وإما متحركاً، ثبت أن الجسم يمتنع أن يكون أزلياً، وهو المطلوب.

وهذا تمام هذا القول في تحرير هذا الدليل، وبالله التوفيق.

فإن قيل: لا نسلم أن الجسم لو كان أزلياً لكان إما متحركاً وإما ساكناً، قوله: (والدليل عليه: وهو أن كل جسم، فإنه لا بد وأن

صفحة 38

يكون حاصلاً في حيز، وإذا كان كذلك، فإن بقي مستقراً فيه فهو الساكن، وإن لم يبق مستقراً فيه فهو المتحرك).

قلنا: هذا التقسيم بناء على قولكم: إن كل جسم فإنه لا بد وأن يكون حاصلاً في الحيز، فما المراد من الحيز الذي جعلتموه ظرفاً للجسم، وتقريره: أن المسمى بالحيز، إما أن يكون معدوماً أو موجوداً، فإن كان معدوماً كان نفياً محضاً، وعدماً صرفاً، والقول بكون الجسم حاصلاً في العدم المحض والنفي الصرف غير معقول، وأما إن كان المسمى بالحيز أمراً موجوداً، فذلك الموجود إما أن لا يمكن أن يشار إليه إشارة حسية أو يمكن، فإن لم يمكن استحال حصول الجسم فيه، لأن الجسم الموجود يجب أن يكون، بحيث يمكن أن يشار إليه إشارة حسية، فإذا كان المسى بالحيز موجوداً، ويمتنع أن يشار إليه إشارة حسية، كان القول يجعل الحيز ظرفاً للجسم جمعاً بين النقيضين، وهو محال. وأما إن كان المسمى بالحيز أمراً يشار إليه إشارة حسية، فكونه كذلك، إما أن يكون بالاستقلال، أو بالتبعية. فإن كان بالاستقلال كان المسمى بالحيز جسماً، والقول بكون الجسم حاصلاً في الحيز، يرجع حاصله إلى كون الجسم حاصلاً في الجسم، ثم المراد من هذه الظرفية إن كان هو الحلول، كان ذلك قولاً بتداخل الأجسام، وهو محال، وإن كان المراد منه هو المماسة لزم أن يكون جسم مموس جسم آخر، وذلك يوجب القول بوجود أجسام لا نهاية لها، وأنتم تنكرون ذلك، وأما إن كان المسمى بالحيز أمراً مشاراً إليه إشارة حسية على سبيل التبعية فذلك هو العرض.

فيرجع حاصل قولنا الجسم في الحيز: أن الجسم حاصل في العرض، إلا أن ذلك أيضاً باطل من وجهين:

صفحة 39

أحدهما: أن العرض حاصل في الجسم، فلو كان الجسم حاصلاً في العرض لزم الدور. والثاني: أنكم تقولون: الجسم انتقل من هذا الحيز إلى حيز آخر، فلو كان المراد من الحيز هو العرض، لزم أن يكون المراد من قولنا: انتقل الجسم من حيز إلى حيز، هو أنه انتقل الجسم من عرض إلى عرض، وكل ذلك محال، فثبت: أن القول بكون الجسم حاصلاً في الحيز أمر باطل محال، فكان التقسيم الذي فرعتموه عليه أولى بالاستحالة والفساد، ثم إنا نترك الاستدلال على فساد هذا المذهب، ونطالبهم بتفسير الحيز، وبتفسير كون الجسم مظروف الحيز، فإن بمجرد المطالبة بهذا التفسير يصعب الكلام على المستدل.

لا يقال: الحيز له تفسيران:

أحدهما: ما اتفق عليه جمهور المتكلمين، وهو أنه ليس أمراً وجودياً بل هو أمر يفرضه الذهن، ويقدره العقل، ويحكم بكون الجسم حاصلاً فيه.

والثاني: ما ذكره قدماء الفلاسفة، وهم القائلون بأن المكان هو البعد، وهو مجرد الطول والعرض والعمق الذي لا يكون حالاً في مادة، والجسم عبارة عن الطول والعرض والعمق مع المادة. فإذا حصل الجسم في المكان، فالمعنى أنه نفذ بعد الجسم في ذلك البعد المجرد عن المادة المسمى بالمكان.

قالوا: والذي يدل على وجود هذا البعد المسمى بالمكان وجوه:

أحدها: أنه لا شك أن بين طرفي الطاس مقداراً من البعد، فالطاس المملوء من الماء إذا قدرنا أن الماء خرج منه ولم يدخل الهواء فيه، فمع هذا الفرض لا بد وأن يبقى بين طرفي الطاس مقدار من البعد والامتداد، وذلك البعد قدر فرضناه خالياً عن الأجسام، فثبت أن المكان هو البعد.

صفحة 40

وثانيها: أنا لو قدرنا حجراً واقفاً في ماء جَارٍ، فالشيء الساكن لا معنى لسكونه، إلا أنه بقي في مكانه أكثر من زمان واحد، ولا يمكن أن يكون المكان مفسراً بالسطح المحيط، لأن الماء إذا كان جارياً على ذلك الحجر، لم يبق ذلك الحجر ملاقياً لسطح واحد أزمنة كثيرة، فلو كان المكان عبارة عن السطح، لوجب أن لا يكون ذلك الحجر واقفاً، ولما دلت المشاهدة على أنه واقف ساكن، علمنا أنه لا بد وأن يكون المكان أمراً آخر، مغايراً للسطح المحيط، وما ذاك إلا ذلك البعد الذي نفذ بعد الجسم الواقف فيه.

وثالثها: أن كل أحد يعلم بالضرورة أن بين طرفي الآنية مقداراً من البعد، وذلك المقدار من البعد ليس هو الجسم، والألزم القول بكون العالم ملاء، وذلك محال، وإلا لكانت الحركة ممتنعة على الأجسام، فثبت أن البعد المفترض بين طرفي الآنية ليس بجسم، ولا شك أن الجسم ينفذ فيه وينطبق بعده عليه، فثبت أن المكان بعد.

لأنا نقول:

أما التفسير الأول: فهو باطل قطعاً، وذلك لأن المسمى بالحيز إما أن لا يكون له وجود في الخارج، وإما أن يكون له وجود في الخارج، فإن لم يكن له وجود في الخارج، امتنع أن يكون الجسم الموجود في الخارج حاصلاً فيه، لأن ما لا يكون موجوداً في الخارج امتنع حصول الجسم فيه في الخارج، وأما إن كان له وجود في الخارج فحينئذ يرجع التقسيم المذكور بتمامه.

وأما التفسير الثاني: وهو أن القول بأن المكان عبارة عن البعد المجرد، فنقول: هذا باطل قطعاً، ويدل عليه وجوه ثلاثة:

أحدها: أن طبيعة البعد إما أن تكون قابلة للحركة، وإما أن لا تكون قابلة لها، فإن كانت قابلة للحركة، فإذا كان المكان هو بعداً،

صفحة 41

كانت الحركة على المكان جائزة لكن الحركة إنما تكون من مكان إلى مكان، فيلزم أن يكون للمكان مكان آخر، ويلزم التسلسل، وهو محال. وإن لم تكن قابلة للحركة، فالعبد القائم بالجسم لا يكون قابلاً للحركة، فإذن الجسم قارنه ما يمنع من الحركة، فوجب أن لا تصح الحركة على الجسم، وذلك محال:

لا يقال: لم لا يجوز بأن يقال كونه البعد قابلاً للحركة، مشورط بكون البعد حالاً في المادة، فإذا كان مجرداً كان شرط صحة الحركة زائلاً، فكانت صحة الحركة غير حاصلة.

لأنا نقول: المادة إما أن يكون لها في حقيقة ذاتها، وخصوصية ماهيتها بعد وامتداد، وإما أن لا يكون، فإن كان لها في حقيقة ذاتها بعد وامتداد، فتكون المادة لذاتها، لا لصفة مغايرة لها، ممتدة في الجهات، وعلى هذا التقدير يمتنع كون الامتداد أمراً حالاً في المادة، وإن لم يكن للمادة في خصوصية ذاتها بعد وامتداد، كانت الحركة على مثل هذا الشيء ممتنعة لذاتها، وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ذلك شرطاً في صحة الحركة على البعد والامتداد.

والوجه الثاني في بيان أنه يمتنع كون المكان بعداً: أن البعد كان من حيث أنه هو هو غنياً عن المادة، امتنع حلوله في المادة، فكان يجب أن لا يحل البعد في المادة أصلاً، وإن كان مفتقراً إلى المادة امتنع كونه مجرداً عن المادة.

الوجه الثالث: هو أن المكان لو كان عبارة عن البعد، والمتمكن له بعد آخر، يلزم منه تداخل البعدين، وهو محال. أما أولاً: فلأنه يقتضي الجمع بين المثلين، وهو محال، وأما ثانياً: فلأن البعدين طرفي الإناء، إذا كان ذراعاً واحداً، فلو كان هناك بعدان أحدهما بعد المكان، والثاني بعد المتمكن، لزم القول بكون الذراع الواحد:

صفحة 42

ذراعين، وذلك محال. فثبت بهذه الوجوه: فساد القول بأن المكان هو البعد.

سلمنا: أن القول بالحيز: معقول. فلم قلتم: إن الجسم لا بد وأن يكون إما ساكناً في الحيز وإما متحركاً؟

بيانه: أن المتحرك هو الذي حصل في الحيز، بعد أن كان في حيز آخر، والساكن هو الذي حصل في الحيز، بعد أن كان في نفس ذلك الحيز، فإذن كونه ساكناً متحركاً، مشروط بكونه موجوداً قبل ذلك، فإذن الجسم في أول زمان حدوثه، يجب أن لا يكون ساكناً ولا متحركاً، وإذا ثبت هذا، بطل قولكم: إنه لا واسطة بين كون الجسم ساكناً أو متحركاً.

سلمنا: أن الجسم لو كان أزلياً، لكان إما أن يكون ساكناً وإما أن يكون متحركاً، فلم قلتم: إنه يمتنع كون الجسم في الأزل متحركاً؟ والدلائل الستة التي عولتم عليها في بيان امتناع كون الجسم متحركاً في الأزل: هي بأسرها معارضة بوجه واحد، وهو أن وجود الحركة وتأثير المؤثر في إيجاد الحركة في الأزل، إما أن يكون ممتنعاً لعينه ولذاته، وإما أن لا يكون ممتنعاً لعينه ولذاته، فإن كان ممتنعاً لذاته، وجب أن لا يزول ذلك الامتناع قط، لأن ما بالذات لا يزول فوجب أن لا توجد الحركة أصلاً، وأما إن كان وجود الحركة الأزلية وإيجاد الحركة في الأزل ليس ممتنعاً لذاته، فإما أن يكون ممتنعاً لغيره، أو لا يكون كذلك.

فإن كان ممتنعاً لغيره، فذلك المانع إن كان واجباً لذاته، امتنع زواله، وكان يجب امتناع زوال ذلك الامتناع وإن كان واجباً أيضاً لغيره، كان الكلام فيه كما في الأول، فيلزم التسلسل، وأما إن كان وجود

صفحة 43

الحركة الأزلية غير ممتنعة لذاتها، ولا لغيرها، امتنع الحكم عليها بالامتناع ودلائلكم عليها تقضى بالامتناع، فكانت باطلة.

لا يقال: المانع من حصول الحركة هو تحقق مسمى الأزل، لأن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير، والأزل ينافي المسبوقية بالغير، فالجمع بينهما محال.

لأنا نقول: مسمى الأزل حيث ثبت وتحقق، إن كان واجب الثبوت لذاته، امتنع زواله قط، فكان يجب أن لا يزول ذلك الامتناع أبداً، وإن لم يكن واجب الثبوت لذاته، كان ثبوته لأجل شيء آخر، والكلام في ذلك الثاني، كما في الأول، ولا يتسلسل، بل ينتهي بالآخرة إلى واجب الوجود لذاته، وحينئذ يلزم من امتناع زوال الواجب لذاته، امتناع زوال مسمى الأزل، ويلزم من امتناع زواله أن لا يزول قط امتناع حدوث الحركة، ولما كان ذلك باطلاً، علمنا: أن الحركة لا يمتنع حصولها في الأزل.

سلمنا: أن الجسم يمتنع أن يكون متحركاً في الأزل، فلم لا يجوز أن يكون ساكناً؟ قوله: (لأن السكون أمر ثبوتي، والثابت الأزلي يمتنع زواله) قلنا: لا نسلم أن السكون أمر ثبوتي.

وقوله: (الدليل عليه: أن الجسم يتحرك بعد أن كان ساكناً، وبالعكس. وذلك يوجب كون إحدى الحالتين أمراً ثبوتياً).

نقول: لا نسلم أن تبدل إحدى الحالتين بالأخرى، يوجب كون إحدى الحالتين ثبوتية، والذي يدل عليه وجوه:

أحدها: أن الحوادث عندكم ممتنعة الحدوث في الأزل، ثم انقلبت جائزة الحدوث فيما لا يزال، فههنا تبدل الامتناع بالصحة، مع أنه

صفحة 44

لا يصح أن يكون الامتناع أمراً ثبوتياً، وتكون الصحة أمراً ثبوتياً.

أما أن الامتناع لا يكون أمراً ثبوتياً، فلأن الامتناع لو كان أمراً ثبوتياً، لكان الموصوف به ثبوتياً، فيلزم أن يكون ممتنع الثبوت ثابتاً، وهو محال، وأما أن الإمكان لا يمكن أن يكون أمراً ثبوتياً، فذلك لأنه لو كان أمراً ثبوتياً، لامتنع كونه واجباً لذاته، بل يكون ممكناً لذاته، فيكون إمكانه زائداً عليه ويلزم التسلسل.

والوجه الثاني: في بيان أن تبدل إحدى الحالتين بالأخرى لا يقتضي كون إحدى الحالتين أمراً ثبوتياً، ولا تجدد أمر في المحل: ذلك لأنه قبل حصول الحادث المعين، لا يصدق أن الله تعالى عالم بحصوله في هذا الوقت، لأنه لو صدق عليه أنه عالم بحصوله في ذلك الوقت، مع أنه غير حاصل في ذلك الوقت، لكان ذلك جهلاً، وهو على الله تعالى محال، ثم إنه إذا حصل ذلك الحادث، فإنه يصدق على الله تعالى أنه عالم بحصوله في ذلك الوقت، فإذن صدق على الله تعالى أنه ما كان عالماً بحصوله في ذلك الوقت، ثم صار عالماً بحصوله في ذلك الوقت، فلو اقتضى صدق هذه القضية حدوث أمر وتجدد وصف لزم حدوث شيء في ذات الله، وذلك عندكم محال.

الوجه الثالث: أن الجسم قبل حدوث العرض المعين فيه، ما كان محلاً لذلك العرض، ثم إذا حصل ذلك العرض، فقد صار محلاً لذلك العرض، فيلزم أن يكون كونه محلاً لذلك العرض عرضاً آخر، ثم إنه على هذا التقدير يصير محلاً لذلك العرض الآخر، بعد أنه ما كان كذلك، فيلزم: أن يكون كونه محلاً لتلك المحلية، عرضاً آخر، ويلزم التسلسل.

صفحة 45

لا يقال: إنه لا معنى لكونه محلاً لذلك العرض، وكون ذلك العرض حالاً، إلا مجرد حصول ذلك العرض فيه.

لأنا نقول: ليس كون الجسم محلاً لذلك العرض، وكون ذلك العرض حالاً في ذلك الجسم، هو نفس ذلك العرض ولذاته، لأنه يمكن العلم بذات ذلك العرض، وذات ذلك الجسم، مع الشك في كون ذلك العرض حالاً في ذلك الجسم، وكون ذلك الجسم محلاً لذلك العرض، والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم، فعلمنا: أن المحلية والحالية صفتان مغايرتان لذات ذلك العرض، ولذات ذلك الجسم.

سلمنا: أن صدق قولنا: لم يكن ثم كان: يقتضي كون إحدى الحالتين أمراً ثبوتياً، فلم لا يجوز أن تكون الحركة أمراً ثبوتياً، وأن يكون السكون عبارة عن عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك؟

قوله: (الحركة والسكون كل واحد منهما عبارة عن الحصول في الحيز، ولا تفاوت بينهما إلا في وصف عرضي).

قلنا: لا نسلم أن الحركة عبارة عن الحصول في الحيز الثاني. والدليل عليه: أنه متى حصل في الحيز الثاني، فقد انقطعت الحركة وانتهت، ونهاية الشيء لا تكون نفس ذلك الشيء، بل الحركة عبارة عن كونه منتقلاً عن الحيز الأول إلى الحيز الثاني. وذلك الانتقال أمر متقدم على الحصول في الحيز الثاني.

سلمنا: أن السكون أمر ثبوتي. فلم قلتم: أن الثابت الأزلي لا يزول؟ قوله: (لأن ذلك الأزلي إما أن يكون واجباً لذاته، وإما أن يكون معلولاً لما يكون واجباً لذاته، وعلى التقديرين، فإنه يلزم امتناع العدم عليه).

صفحة 46

قلنا: أنتم سلمتم أن العدم الأزلي جائز الزوال. ولا يمتنع أيضاً أن يكون تأثير العلة في معلولها موقوفاً على شرط عدمي أزلي.

إذا ثبت هذا، فنقول: لم لا يجوز أن يكون الواجب لذاته علة لوجود ذلك الأزلي، إلا أن تأثيره في إيجابه كان موقوفاً على شرط عدمي أزلي، ثم إن ذلك الشرط العدمي الأزلي زال، ولما زال شرط التأثير لا جرم زال الأثر، وهذا سؤال قوي.

ثم نقول: قولكم (الأزلي لا يزول) منقوض بأمور:

أحدها: أنه تعالى كان عالماً في الأزل بأن العالم سيوجد، فإذا أوجده لم يبق علمه بأن العالم سيوجد، وإلا كان ذلك جهلاً، فإذن علمه بأن العالم سيوجد أزلي، مع أنه قد زال.

وثانيها: أن الله تعالى كان موصوفاً في الأزل بأنه يصح منه إيجاد العالم في لا يزال ابتداء. ثم إذا أوجد الله تعالى العالم، استحال بعد ذلك أن يصح منه إيجاد العالم ابتداء، وإلا لكان ذلك إيجاد الموجود، وأنه محال، فتلك الصحة حكم أزلي، وقد زال.

وثالثها: أن النسخ عندكم عبارة عن رفع الحكم، وذلك الحكم المرفوع إما أن يقال: إنه كان حدثاً أو كان قديماً، والأول محال والإلزام كون ذات الله تعالى محلاً للحوادث، فبقي القسم الثاني وهو أن ذلك الحكم المرفوع كان إذن قديماً، فارتفاعه يكون زوالاً للقديم.

سلمنا: أن الثابت الأزلي لا يزول، فلم قلتم بأن كل سكون فإنه ممكن الزوال؟ وهذا باطل. لأنا نشاهد بعض الأجسام متحركة، ولكن لم لا يجوز أن يكون بعض الأجسام مختصاً بأحياز معينة، على سبيل الوجوب، بحيث يمتنع خروجها عن تلك الأحياز؟ فإنكم ما لم تبطلوا هذا الاحتمال، لا يتم لكم إثبات أن كل جسم محدث.

صفحة 47

قوله: (كل متحيز فإنه لا بد وأن يفترض فيه جانبان متساويان في تمام الماهية، وكل شيئين متساويين في تمام الماهية، فإنه يصح على كل واحد منهما ما يصح على الآخر وذلك يقتضي صحة الحركة على ذلك المتحيز).

قلنا: لو افترض في كل متحيز جانبان لزم كون الجسم قابلاً لانقسامات لا نهاية لها، وذلك محال بالدلائل الدالة على إثبات الجوهر الفرد، ولما بطل ذلك، فسدت هذه المقدمة، وبالله التوفيق.

الجواب: أما الاستفسار عن الحيز، فنقول: إن كل أحد يعلم بالضرورة أن كل متحيز فإنه يصح أن يشار إليه بالحس، بأنه هنا أو هناك، وهذا القدر معلوم بالضرورة، ويكفينا بناء الفرض على هذا المقدار وذلك لأن كونه هنا أو هناك، إما أن يبقى مستمراً، أو لا يبقى، فإن بقي مستمراً فهو الساكن، وإن لم يبق فهو المتحرك، وهذا القدر وَافٍ بتقرير هذه المقدمة.

وأما الخوض في بيان أن حقيقة المكان ما هي؟ فلا حاجة بنا في المسألة إليه.

قوله: (الجسم في أول حدوثه ليس بمتحرك ولا ساكن) قلنا: كلامنا في الجسم الباقي ولا شك أن الجسم حال بقائه لا بد وأن يكون إما متحركاً وإما ساكناً، ثم إنا ذكرنا الدلائل الستة على أن الجسم يمتنع أن يكون متحركاً في الأزل.

قوله: (إنه لا بداية لصحة وجود الحركة، فيلزم صحة كون الحركة أزلية) قلنا: قد ذكرنا أن الشيء إذا أخذ بشرط كونه مسبوقاً بالعدم، فهو مع هذا الشرط لا أول لصحته، ثم إنه لم يلزم منه صحة كون هذا الشيء بهذا الشرط أزلياً، فكذا ههنا.

صفحة 48

قوله: (لم قلتم بأنه لما صدق على الشيء أنه لم يكن كذا ثم صار كذا، فإنه يقتضي كون إحدى الحالتين أمراً ثبوتياً).

قلنا: إحدى الحالتين إن كانت ثبوتية فهو المقصود، وإن كانت عدمية فالحالة الثابتة رافعة لها، ورافع العدم ثبوت، فالحالة الثابتة يجب أن تكون ثبوتية.

وأما النقوض التي ذكرتموها فهي نقوض على مقدمة بديهية، فلا تستحق الجواب.

قوله: (الحركة ليست عبارة عن حصول الجوهر في الحيز الثاني، بل عن حالة متقدمة على هذا الحصول، وهو انتقاله من الحيز الأول إلى الحيز الثاني).

قلنا: إن الحصول في الحيز الأول لما عدم بقي (الآن) الذي هو أول زمان ذلك العدم، ولا بد وأن يكون الجسم قد حصل في حد آخر من حدود المسافة، فإذن لا معنى للحركة إلا حصول المماسة الثانية في (الآن) هو أول زمان عدم المماسة الأولى.

قوله: (لم لا يجوز أن يكون تأثير العلة الواجبة لذاتها في وجود ذلك المعلول الأزلي، كان موقوفاً على شرط عدمي أزلي، فلما زال ذلك الشرط الأزلي زال ذلك المعلول الأزلي؟).

قلنا: شرط التأثير لا يمكن أن يكون عدمياً، لأن قبل حصول ذلك الشرط إن بقيت العلة مؤثرة لم يكن ذلك الذي فرضناه شرطاً لذلك التأثير شرطاً له، وإن لم تبق العلة مؤثرة فحينئذ تكون مؤثرية تلك العلة في ذلك المعلول معلولة بذلك العدم، فيكون العدم

صفحة 49

علة لتلك المؤثرية، فيكون العدم علة للأمر الوجودي، وهو محال، وأما النقوض التي ذكرتموها على قولنا: (الأزلي لا يزول) فهي غير واردة، وذلك لأن الذي وقع فيه التغير، هو النسب والإضافات، والنسب والإضافات لا وجود لها في الأعيان.

قوله: (لو افترض في كل متحيز جانبان، للزم أن يكون كل متحيز قابلاً للقسمة، لا إلى نهاية).

قلنا: إن من المعلوم بالضرورة: أن كل متحيز، فإن الجانب الذي منه يلي السماء، غير الجانب الذي منه يلي الأرض، وما كان معلوم الثبوت بالضرورة لا يمكن إنكاره، وبالله التوفيق.

البرهان الثاني: في إثبات حدوث الأجسام، فنقول الأجسام متناهية الأقدار، وكل ما كان متناهياً في المقدار فهو محدث، فالأجسام محدثة.

والذي يدل على أن الأجسام متناهية في المقدرا وجهان:

الوجه الأول: الأجسام لو كانت غير متناهية، أمكن الأن يفرض فيها خطان متوازيان، أحدهما غير متناه، والآخر متناه، فإذا زال الخط المتناهي عن الموازاة إلى المسامتة، فلا بد وأن يحدث في الخط الذي هو غير متناه نقطة، هي أول نقطة المسامتة لكن ذلك محال في الخط الذي هو غير متناه، لأن كل نقطة فرضناها فيه، وجعلناها أول نقطة المسامتة، كانت المسامتة مع النقطة التي فوقها، حاصلة قبل المسامتة معها، فإذن يلزم أن يحصل في الخط الغير المتناهي نقطة هي أول نقطة المسامتة، وأن لا يحصل، وهو محال، وهذا المحال إنما يلزم من فرضنا ذلك الخط غير متناه، وإذا فرض الخط غير متناه وجب أن يكون محالاً باطلاً.

صفحة 50

والوجه الثاني في بيان أن الأجسام يجب أن تكون متناهية: وكانت الأجسام غير متناهية، أمكننا أن نفرض فيها خطاً غير متناه، وليكن ذلك الخط: خط (أ ب) ويمكننا أن نفرض في وسط هذا الخط نقطتين: إحداهما نقطة (ج) والأخرى نقطة (د) فنقول: خط (ج ا) من جانب (ج) متناه، ومن جانب (ا) غير متناه. وخط (د ا) أيضاً كذلك. لكن خط (ج ا) أقل من خط (د ا) بمقدار خط (ج د) وليكن ذلك المقدار شبراً واحداً.

وإذا تلخص هذا فنقول: عدد الأشبار الموجودة في الخط الناقص، إن كانت مساوية لعدد الأشبار الموجودة في الخط الزائد كان الشيء مع غيره كهو لا مع غيره، وهذا محال، وإن كانت أنقص منه، فذلك التفاوت إما أن يظهر من الجانب المتناهي، أو من الجانب الغير المتناهي والأول محال، لأنا فرضنا التطبيق بحسب مراتب الأعداد في هذا الجانب المتناهي، فوجب أن يظهر التفاوت من الجانب الآخر.

ومعنى فرض التطبيق بحسب مراتب الأعداد: أن الشبر الأول من هذه الجملة مقابل بالشبر الأول من تلك الجملة الثانية. والشبر الثاني من هذه الجملة مقابل بالشبر الثاني من تلك الجملة ولتكن هذه الدقيقة معلومة، حتى يتم البرهان فإذا حصل التطابق من هذا الجانب، وجب أن لا يظهر التفاضل إلا من الجانب الآخر، وحينئذ تنقطع الجملة الناقصة من ذلك الجانب، والزائد زاد عليه بشبر واحد، فتكون الجملة الزائدة أيضاً متناهية، وهو المقصود.

فثبت بهذين البرهانين: أن كل جسم فهو متناه في المقدار.

وأما المقدمة الثانية: وهي في بيان أن كل ما كان متناهياً في المقدار فهو محدث. والدليل عليه: أن كل ما كان متناهياً في

صفحة 51

المقدار، فإنه لا يمتنع في العقل فرض وجوده أزيد من ذلك المقدار بذرة، أو أنقص منه بذرة، والعلم بجواز ذلك ضروري، وإذا استوت المقادير الثلاثة أعني: حصول ذلك المقدار، وحصول ذلك الأزيد منه، وحصول الأنقص منه استحال رجحان ذلك القدر، على ما هو أزيد منه أو أنقص منه، إلا بتخصيص مخصص، وإيجاد قادر، وإلا فقد ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر من غير مرجح، وهو محال.

وقد بينا في البرهان الأول: أن كل ما كان فعلاً لفاعل مختار فهو محدث، فإذ قد ثبت أن كل جسم فهو متناه في المقدار، وثبت: أن كل ما كان متناهياً في المقدار فهو محتاج في وجوده إلى الفاعل المختار، وثبت أن كل ما كان محتاجاً في وجوده إلى الفاعل المختار، فهو محدث فيلزم الجزم بأن كل جسم محدث.

البرهان الثالث: في حدوث الأجسام: أن الجسم لو كان أزلياً، لكان في الأزل حاصلاً في حيز معين، ولو كان في الأزل حاصلاً في حيز معين لامتنع خروجه عنه، فكان يلزم أن يمتنع على كل واحد من أفراد الأجسام كونه متحركاً، ولما كان هذا الثاني باطلاً كان القول بكون الجسم أزلياً باطلاً.

أما المقدمة الأولى: وهي قولنا: أن الجسم لو كان أزلياً لكان في الأزل حاصلاً في حيز معين، فهي مقدمة بديهية، لأنا قد ذكرنا: أن المراد من المتحيز ما يمكن أن يشار إليه إشارة حسية، بأنه هنا أو هناك وكل موجود هذا شأنه وصفته، فإنه لا بد وأن يكون مختصاً بجهة معينة ومكان معين، فثبت: أن الجسم لو كان أزلياً، لكان في الأزل حاصلاً في حيز معين، ولو كان كذلك لكان حصوله في ذلك الحيز المعين: أزلياً، وقد بينا في البرهان الأول أن الأزلي لا يزول، فكان يمتنع عقلاً زوال ذلك الحصول، وإذا امتنع زواله، امتنعت الحركة عليه، فثبت:

صفحة 52

أن الجسم لو كان أزلياً لكانت الحركة ممتنعة عليه، لكن الحركة غير ممتنعة عليه، أما في الأجسام المشاهدة فالحس دال على جواز الحركة عليها، وأما في الأجسام الغائبة، فالبرهان عليه هو الذي ذكرناه في البرهان الأول، فظهر أن الجسم يمتنع أن يكون أزلياً.

البرهان الرابع في حدوث ما سوى الله تعالى: فنقول: كل ما سوى الواجب الوجود الواحد، فإنه ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته، فهو محدث. فإذن كل ما سوى الموجود الواحد فإنه محدث.

بيان المقدمة الأولى: وهي قولنا: كل ما سوى الموجود الواحد فهو ممكن لذاته، فنقول: الدليل عليه: أنا لو فرضنا موجودين، يكون كل واحد منهما واجباً لذاته، فلا بد وأن يكونا متشاركين في الوجوب الذاتي، ولا بد وأن يكونا غير متشاركين في التعين، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فإذن يكون كل واحد منهما مركباً من الوجوب الذاتي، الذي حصلت به المشاركة، ومن التعين الذي به حصلت المباينة، لكن كل مركب فإنه مفتقر في ماهيته وفي تحققه إلى كل واحد من مفرديه، وكل واحد من مفرديه مغاير له، لأن الكل مغاير لك واحد من أجزائه، فإذن كل مركب، فإنه مفتقر في تحققه إلى غيره، وكل مفتقر في تحققه إلى غيره، فهو ممكن لذاته، فإذن كل مركب فهو ممكن لذاته، فإذن لو فرضنا موجودين واجبي الوجود، لكان كل واحد منهما ممكناً لذاته، والثاني محال. فإذن فرض موجودين واجبي الوجود: يجب أن يكون محالاً، فثبت: أن كل ما سوى الموجود الواحد، يجب أن يكون ممكناً لذاته.

وأما المقدمة الثانية: وهي أن كل ما كان ممكناً لذاته، فإنه يجب أن يكون محدثاً، فالبرهان على صحته: أن كل ما كان ممكناً لذاته فإنه مفتقر في رجحان وجوده على عدمه إلى المؤثر، وكل ما كان مفتقراً في وجوده إلى المؤثر فإنه يجب أن يكون محدثاً.

صفحة 53

وبيان المقدمة الأولى: أن الممكن ما تكون ماهيته قابلة للعدم والوجود على البدل، وما كان كذلك، امتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر، إلا لمؤثر منفصل.

بيان المقدمة الثانية: أن نقول: الافتقار إلى المؤثر، إما أن يحصل حال الوجود، أو حال العدم، فإن حصل حال الوجود، فإما أن يحصل حال البقاء، أو محال الحدوث، لا جائز أن يحصل حال البقاء، والألزم أن يكون الشيء حال بقائه مفتقراً إلى موجد يوجده، وإلى مكون يكونه، وذلك محال، لأن إيجاد الموجود وتحصيل الحاصل محال في بداهة العقول، فلم يبق إلا أن يكون افتقار الأثر إلى المؤثر، إما حاصلاً حال الحدوث، أو حال العدم، وعلى التقديرين فإنه يلزم أن يكون كل مفتقر في وجوده إلى المؤثر، فإنه يكون محدثاً، فثبت: أن كل ما سوى الواحد ممكن لذاته، وثبت: أن كل ما كان ممكناً لذاته فهو مفتقر في وجوده إلى المؤثر، وثبت أن كل ما كان مفتقراً في وجوده إلى المؤثر، فإذن يلزم من هذا البرهان أن كل ما سوى الواحد، لا بد وأن يكون محدثاً. وهذا البرهان يفيد حدوث الأجسام والأعراض والعقول والنفوس والهيولى. ويفيد أن واجب الوجود واحد، وهو الله جل جلاله، وبالجملة فهو برهان عظيم واف بإثبات أكثر المباحث الشريفة الإلهية.

فإن قيل: لا نسلم أن ما سوى الواحد ممكن لذاته. قوله: (لو فرضنا موجودين يكون كل واحد منهما واجباً لذاته، لكانا متشاركين في الوجوب الذاتي، ومتباينين في التعين، فحينئذ يكون كل واحد منهما مركباً، وكل مركب ممكن، فحينئذ يكون الواجب لذاته، ممكناً لذاته) قلنا: لا نسلم أنه يلزم من فرض كون كل واحد منهما واجباً لذاته وقوع التركيب، وبيانه من وجوه:

صفحة 54

أحدها: أن بتقدير أن يكون وجوب الوجود وصفاً سلبياً، يكون كل واحد منهما مشاركاً للآخر، في وصف سلبي، ويكون كل واحد منهما مبايناً للآخر في تمام الماهية.

فالاشتراك في وصف السلبي لا يوجب وقوع التركيب في الماهية، بدليل: أن كل ماهيتين بسيطتين، فلا بد وأن يشتركا في سلب ما عداهما عنهما، فلو كان الاشتراك في السلوب، يوجب وقوع الكثرة في الماهية، لزم أن يكون كل بسيط مركباً، وذلك محال، فعلمنا: أن بتقدير أن يكون وجوب الوجود وصفاً سلبياً، لا يلزم وقوع الكثرة، فما الدليل على أن الوجوب ليس وصفاً سلبياً؟ ثم الذي يدل على أن الوجوب وصف سلبي وجوه:

أحدها: أن الوجوب لو كان وصفاً ثبوتياً لكان مساوياً لسائر الموجودات في الوجود، ومخالفاً لها في ماهياتها المخصوصة، وما به المشاركة، مغاير لما به المباينة، فالوجوب بالذات، لو كان أمراً ثبوتياً لكاتب ماهيته مغايرة لوجوده، فاتصاف ماهيته بوجوده إما أن يكون واجباً، وإما أن لا يكون، فإن لم يكن واجباً كان الوجوب الذاتي ممكن الوجود لذاته، فكان الواجب لذاته أولى أن يكون ممكناً لذاته، وذلك محال. وإن كان واجباً فهذا الوجوب صفة لاتصاف تلك الماهية بذلك الوجود، فيكون وجوب ذلك الوجود مغايراً له، ويكون الكلام فيه كما في الأول، فيلزم التسلسل، وهو محال.

وثانيها: أن الوجوب لو كان وصفاً ثبوتياً، لكان إما أن يكون عبارة عن تمام تلك الحقيقة المحكوم عليها بالوجوب، وإما أن يكون جزءاً من تلك الحقيقة، وإما أن يكون أمراً خارجاً عن تلك الحقيقة، والأقسام الثلاثة باطلة، فالقول بكون الوجوب أمراً ثبوتياً باطل، وإنما قلنا: إنه يمتنع أن يكون الوجوب تمام تلك الحقيقة والماهية.

صفحة 55

وذلك لأن تلك الماهية محكوم عليها بأنها واجبة، والموضوع يمتنع أن يكون عين المحمول، ولأن ماهية واجب الوجود غير معلومة، والمعلوم ليس هو نفس ما هو غير معلوم.

وإنما قلنا: إنه يمتنع كون الوجوب جزءاً من تلك الحقيقة لأن على هذا التقدير تكون تلك الحقيقة مركبة، وقد بينتم: أن كل مركب ممكن، فإذن يلزم أن يكون الواجب لذاته ممكناً لذاته وإنما قلنا: إنه يمتنع كون الوجوب صفة خارجة عن الحقيقة، لأن كل ما كان صفة خارجة عن الحقيقة مفتقراً إليها، كان تحققه متوقفاً على تحقق تلك الحقيقة، وكل ما كان كذلك، كان ممكناً لذاته، فذلك الوجوب بالذات ممكن لذاته، وإذا كان الوجوب ممكناً بالذات، كان الواجب بالذات أولى بأن يكون ممكناً بالذات، فثبت أن الأقسام الثلاثة باطلة، فكان القول بكون الوجوب أمراً ثبوتياً باطلاً.

ثالثها: أن الوجوب محمول على العدم، والمحمول على العدم يمتنع أن يكون ثابتاً، فالوجوب يمتنع أن يكون ثابتاً، وإنما قلنا: أن الوجوب محمول على العدم؛ لأن كل ما يصدق عليه أنه يمتنع أن يوجد، يصدق عليه أنه يجب أن لا يوجد، فالوجوب محمول على لا وجود، فثبت أن مفهوم الوجوب محمول على العدم. وإنما قلنا: إن المحمول على العدم يمتنع أن يكون ثابتاً لأنه ثبت في بداهة العقول أن قيام الصفة الموجودة بالنفي المحض محال، فثبت بهذه البراهين الثلاثة أن الوجوب صفة عدمية، وثبت أن الاشتراك في الصفة العدمية لا يوجب وقوع الكثرة في الماهية، فثبت أنه لا يلزم من اشتراك الشيئين في الوجوب وقوع التركيب في ماهيتهما.

السؤال الثاني: سلمنا أن الوجوب صفة ثبوتية، لكن لا نسلم أن التعين أمر ثبوتي، بل نقول: التعين ليس بأمر ثبوتي. وإذا كان

صفحة 56

كذلك، لا يلزم من حصول المباينة في التعين وقوع التركيب في الماهية.

والذي يدل على أن التعين ليس أمراً ثبوتياً وجوه:

أحدها: أن تعين كل شيء متعين، غير تعين المتعين الآخر، وإلا كان تعين كل شيء عين تعين غيره، وعلى هذا التقدير يلزم أن تكون الأشياء كلها متعينة بتعين واحد وهو محال، وإذا ثبت هذا فنقول: أفراد التعينات متساوية في ماهية كونها تعيناً، وكل واحد من تلك الأفراد يباين الآخر بتعينه، فيلزم أن يكون تعين المتعين زائداً عليه، ثم الكلام في الثاني كما في الأول، فيلزم التسلسل وهو محال.

وثانيها: وهو أن التعين لو كان زائداً على الذات لكان اختصاص ذلك الزائد المسمى بالتعين بهذه الذات، دون تلك الذات، يتوقف على امتياز هذه الذات عن تلك الذات، ولكن امتياز هذه الذات عن تلك الذات، يتوقف على تعين هذه الذات وتلك الذات، فلو كان تعين هذه الذات وتعين تلك الذات معللاً بذلك الزائد وقع الدور، وإنه محال.

وثالثها: لو كان التعين وصفاً زائداً على الذات لكان المتعين لم يكن في نفسه شيئاً واحداً، بل كان شيئين: أحدهما: تلك الذات. والثاني: الصفة المسماة بالتعين، القائمة بالذات، وإذا كانا شيئين، ولكل واحد منهما تعين، فلا يكون ذلك الشيء اثنين، بل أربعة، ثم لكل واحد من تلك الأربعة تعين آخر، فلا يكون ذلك أربعة، بل ثمانية، وهلم جراً. فيلزم من ذلك أن الشيء الذي حكمنا عليه بأنه واحد ليس بواحد، بل أعداد غير متناهية، وذلك محال، لأن الواحد لا يكون عدداً، وأيضاً: فإن الكثرة عبارة عن مجموع الوحدات،

صفحة 57

فلا بد هناك من وحدة، لكن تلك الوحدة لها تعين، فلا تكون الوحدة وحدة، هذا خلف.

ورابعها: أن التعين عبارة عن أنه ليس هو ذلك الآخر، ومفهوم أنه ليس هو الآخر مفهوم سلبي لا ثبوتي.

فثبت بهذه الدلائل: أن التعين يمتنع أن يكون أمراً ثبوتياً.

وإذا ثبت هذا فنقول: لم لا يجوز أن يقال: الشيئان اللذان يكون كل واحد منهما واجباً لذاته أنهما يتشاركان في تمام الماهية – وهي الوجوب – ويتباينان بالتعين، إلا أن التعين أمر عدمي، وعلى هذا التقدير لا يلزم وقوع التركيب في الماهية؟

السؤال الثالث: سلمنا أنه يلزم من حصول الاشتراك في الوجوب، وحصول التباين في التعين، وقوع الكثرة في الماهية، لكن هذه الكثرة لازمة، سواء قلنا بأن واجب الوجود واحد أو لم نقل به. وبيانه من وجوه:

أحدها: أنه لا شك أن هنا لوازم وملزومات، فإن الثلاثة مستلزمة لذاتها لمعنى الفردية والأربعة مستلزمة لمعنى الزوجية، والسواد لذاته مناف للبياض، فهذه الاستلزامات الذاتية وجوبات ذاتية، وهي أنواع كثيرة، فإذن واجب الوجود لذاته أكثر من واحد.

وثانيها: هب أن واجب الوجود لذاته ليس إلا الواحد، لكن الواجب بغيره فيه كثرة، ثم الواجب لذاته يشارك الواجب بغيره في مسمى كونه واجباً، ويمتاز عنه بخصوص كونه واجباً لذاته، وما به المشاركة مغاير لما به المباينة، فالوجوب بالذات مركب في ماهيته، وحينئذ تعود المحالات المذكورة.

صفحة 58

وثالثها: أن واجب الوجود لذاته، يساوي في كونه موجوداً سائر الوجودات، ويباينها بتعينه، وذلك التعين إما أن يكون سلبياً أو ثبوتياً، فإن كل ذلك التعين سلبياً يكون هو، من حيث إنه هو عد ما لا وجوداً، وذلك محال، فإذن ذلك التعين الذي به باين غيره أمر ثبوتي، فإذن هو مركب عن الوجود الذي به يشارك غيره، وعن التعين الذي به امتاز عن غيره، فيلزم وقوع الكثرة في ذاته.

السؤال الرابع: هب أنه يلزم من ذلك وقوع الكثرة في ذات كل واحد منهما، لكن لم لا يجوز أن يقال: كل واحد من جزئي ذاته واجب لذاته، وذلك المجموع يجب لوجوب جزئيه معاً، وعلى هذا التقدير لا يلزم منه محذور أصلاً؟ سلمنا: أن كل ما سوى الواحد ممكن لذاته، فلم قلتم: أن كل ممكن لذاته محدث؟ قوله: لأن كل ما كان ممكناً لذاته، فإنه محتاج إلى المؤثر، وكل محتاج إلى المؤثر فهو محدث. قلنا: أما المقدمة الأولى، وهي أن كل ما كان ممكناً لذاته فإنه محتاج إلى مؤثر، فسيجيء البحث عليها في مسألة إثبات الصانع، إن شاء الله تعالى. وأما المقدمة الثانية، وهي قوله: (إن كل ما كان محتاجاً إلى المؤثر فهو محدث) فهذا ممنوع، وقوله: (حاجة الأثر إلى المؤثر إما أن تحصل حال البقاء أو حال الحدوث أو حال العدم) قلنا: الكلام عليه من وجهين:

الأول: أنه منقوض بالمعلول، فإنه يبقى مفتقر إلى العلة، حال بقائه، وكذلك المشروط يبقى مفتقراً إلى الشرط حال بقائه، وكذلك عالمية الله تعالى معللة بعلمه، مع كون كل واحد منهما أزلياً.

ومن النقوض اللازمة: إن أريد بقاء الشيء، إما على وجوده أو على عدمه، فبقاء الشيء على وجوده يمتنع أن يكون صفة زائدة على ذاته، لأنه لا معنى للبقاء إلا نفس حصوله في الزمان الثاني، وحصول الشيء في الزمان الثاني لو كان زائداً عليه لكان ذلك الزائد

حاصلاً في ذلك الزمان، ويلزم التسلسل وهو محال. وأما بقاء الشيء على عدمه فيمتنع أن يكون وصفاً ثبوتياً زائداً عليه، والإلزام قيام الموجود بالمعدوم، فلما ثبت أن الإنسان قد يريد بقاء الشيء وثبت أن بقاء الشيء في نفس ذات الشيء، ثبت أن الإرادة قد تتعلق بالشيء حال بقاء الشيء.

الوجه الثاني من الكلام على ذلك الدليل: أنا نعارضه بوجوه أخر من الدلائل:

الوجه الأول: أن عدم الفعل ينافي وجوده، وعدم الفاعلية ينافي حصولها.

الأربعين في أصول الدين للرازي – ج1*
 
Top