نشأة الإمام الأشعري وكيف تحول لنصرة أهل السنة

صفحة 33

نشأة الإمام الأشعري وكيف تحوّل لنصرة أهل السنة؟

كان إمامنا أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه يعيش في كنف المعتزلة؛ فهو ربيب إمام من أكبر أئمتهم ألا وهو أبو علي الجبّائي فهو زوج أمه، تتلمذ عليه منذ نعومة أظفاره، حيث لقنه أصول المعتزلة وطريقتهم قبل أن يشتد عوده، فهو لا جرم تلميذه المقرب؛ ظل يلازمه ويأخذ عنه لا يفارقه أربعين سنة، حتى وصل الأمر بالجبّائي أنه كان إذا عرض له عارض من مرض أو غيره، يمنعه من الحضور في المجالس العلمية والمناظرات يبعث الأشعري ويقول له: نب عني.

فالشيخ أبوالحسن تمرس في طريقة المعتزلة حتى تبحر في كلام الاعتزال وبلغ مكانة مرموقة لديهم، وصار يشار إليه بالبنان، ولكنه كان ذا عقل منير وفطرة سليمة، كما كان باحثاً عن الحقيقة دون تعصب، فقد كان يورد الأسئلة على أساتذته في الدرس، ولا يجد

صفحة 34

فيها جواباً شافياً؛ فتحير في ذلك أشد الحيرة، وبقي باحثاً عن الحقيقة متعطشاً لها، ملتجئاً إلى الله العلي الكبير أن يلهمه رشده ويدله على الحق الذي يريده الله ويرتضيه.

ولما جاوز جد الأربعين – زمن النضج الفكري واكتمال القوى العقلية – ازدادت الحيرة لديه بازدياد بحثه عن الحقيقة مع زيادة الالتجاء إلى الله حتى يفهمه الحق أتاه توفيق الله تعالى واتضحت الصورة لديه، ولكن الحيرة لم تفارقه فكان بحاجة إلى طاقة روحية تثبت فؤاده وتحوله من علم اليقين إلى عين اليقين.

أدام الالتجاء إلى الله والابتهال له حتى يعرفه الحق ويلهمه رشده؛ فحكي عنه أنه قال: وقع في ضدري في بعض الليالي شيء مما كنت في من العقائد – أي شك وارتياب – فقمت وصليت ركعتين وسألت الله تعالى أن يهديني الطريق المستقيم – وهذا دأب الصالحين حيث يعترفون بعجز عقولهم دائما أمام باريهم سبحانه وتعالى ويلتمسون منه  الهداية عند مزلات الأقدام – قال: ونمت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فشكوت إليه بعض ما بي من الأمر؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليك بسنتي. فانتبهت وعارضت مسائل الكلام بما وجدت في القرآن والأخبار فأثبته ونبذت ما سواه ورائي ظهرياً. ومن ثم تحول إلى مذهب أهل السنة والجماعة.

صفحة 35

وكان قبل ذلك قد غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يوماً متفكراً متأملاً.

ثم خرج إلى الجامع؛ فصعد المنبر يوم الجمعة، وقال: معاشر الناس؛ إني إنما تغيبت عنكم في هذه المدة لأني نظرت فتكافأت عندي الألة، ولم يترجح عندي حق على باطل، ولا بطل على حق؛ فاستهديت الله تبارك وتعالى فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده كما انخلعت من ثوبي هذا.

وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به، ودفع الكتب إلى الناس، فمنها كتاب: (اللمع) وكتاب أظهر فيه فساد رأي المعتزلة سماه كتاب: (كشف الأسرار وهتك الأستار) وغيرهما.

فلما قرأ تلك الكتب أهل الحديث والفقه من أهل السنة والجماعة أخذوا بما فيها وانتحلوه واعتقدوا تقدمه واتخذوه إماماً؛ حتى نسب مذهبهم إليه.

أما المعتزلة فأعلنوا عليه الحرب وشنعوا عليه ولفقوا الأكاذيب والأباطيل وحقدوا عليه، فصار عندهم ككتابي أسلم وأظهر فساد ما تركه، ولكن ذلك لم يثنه شيئاً، بل ازداد عزماً وثباتاً على الحق المبين.

وهناك روايات أخرى في تفاصيل هذه الرؤيا المباركة؛ وأنها

صفحة 36
تعددت وأنها كانت في رمضان وأن فيها الوعد من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله سيمده بمدد من عنده، وأن كل ذلك قد حصل للإمام رضي الله عنه وإنما أضربنا عن بسط الروايات خشية الإطالة.[1]

 

  1. [1] قد بسط تلك الروايات بأسانيدها الحافظ ابن عساكر الدمشقي رحمه الله فمن أراد الاستزادة فليراجع كتابه الماتع: تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، ص43 وما بعدها.
نشأة الإمام الأشعري وكيف تحول لنصرة أهل السنة
 
Top