مذهب الأشعري في المتشابهات

صفحة 67

مذهب الأشعري في المتشابهات

هناك نصوص من كتاب الله تعالى لا نفقه معناها وظاهرها يثبت لله تعالى شيئاً من صفات المخلوقات وهو غير مراد قطعاً فالله تعالى يقول: “ليس كمثله شيء وهو السميع البصير” (الشورى 11) فهناك فارق بين المخلوق والخالق، وكل ما بدا لك فالله خلاف ذلك؛ فمخالفة الله تعالى للحوادث صفة قطعية متفق عليها بين المسلمين،  فينبغي أن تكون مرجعاً عند النزاع في نص مختلف فيه بينهم.

ومن هذه النصوص قوله سبحانه وتعالى: “الرحمن على العرش استوى” (طه 5) ، “بل يداه مبسوطتنا ينفق كيف يشآء” (المائدة 64) ونحوها، فهذه النصوص يمتنع حملها على الحقيقة التي تتبادر إلى الذهن.

صفحة 68

وللإمام الأشعري رحمه الله تعالى ومدرسته في هذه الآيات المتشابهة مذهبان؛ أحدهما: أنه إذا مرت به آية ظاهرها يفهم منه الجسمية كاليد والجنب ردها بالتأويل إلى ما ينفي الجسمية، والبحث عن معاني هذه الكلمات في لغة العرب واختيار أليقها بالله تعالى، والثاني: أنه يمر بظاهرها كما جاءت لا يتأولها ويكل العلم بها إلى الله تعالى من غير اعتقاد الجسمية، مع الاعتقاد الجازم أن ظواهرها المحسوسة غير مرادة قطعاً، فيقول المفسر: الله أعلم بمراده، ويكفي الإنسان ليَسلَم أن يقول: آمنت بجميع ما جاء عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى مراد الله تعالى.

والحق أن كلا المذهبين واحد ألا وهو تنزيه الباري عز وجل؛ فإذا كان الخوض في معانيها يؤدي إلى فتنة واستغلت للطعن بالإسلام فسرناها اعتماداً على قواطع الدين وفصيح لسان العرب، كما ذهب إلى ذلك بعض السلف وجمهور الخلف [1]

صفحة 69

وبهذا يكون القصد من كلا المذهبين تنزيه الباري عز وجل واقتلاع جذور الفتنة.[2]

وقد عرفت هذه النصوص بالنصوص الموهمة للتشبيه، وقد لخّص مذهبي الأشعري اللذين يؤولان إلى واحد صاحب الجوهرة بقوله:

وكل نص اوهم التشبيها…أوله أو فوض ورم تنزيها

وقد كان بعض الفضلاء من أهل العلم يقول: لو قال فوّضه أو أول لكان أولى.[3]

  1. [1] من الاخطاء الشائعة لدى كثير من الناس أن السلف أحجموا تماماً عن التأويل وأن التأويل مذهب الخلف وهذا خطأ مكشوف لكل من قرأ الروايات الواردة عن السلف في هذا الباب، وراجع إن شئت كتاب: (الأسماء والصفات) للبيهقي وكتاب (التوحيد من صحيح البخاري في فتح الباري) لابن حجر لتعلم أن هناك من السلف من أوّل، فالعبارة الصحيحة التي يجب أن تقال: إن السلف لم يتوسعوا في التأويل.
  2. [2] لمزيد من الاستيضاح والتفصيل في هذه القضية ولبيان قانون التأويل وحقيقة الخلاف بين السلف والخلف راجع قانون التأويل في كتابنا: معايير القبول والرد لتفسير النص القرآني.
  3. [3] ذلك لأن التفويض هو الأصل، وعلى كل فلا خلاف بين التأويل والتفويض؛ لأن التفويض تأويل إجمالي حيث يقطع المفوض أن الظاهر المتبادر من اللفظ غير مراد لكنه لا يخوض في تفصيل المعنى المراد.
مذهب الأشعري في المتشابهات
 
Top