الباب الثاني: في إقامة البرهان على أن الحق مذهب السلف

صفحة 338

الباب الثاني

في إقامة البرهان على أن الحق مذهب السلف

وعليه برهانان: عقلي وسمعي. أما العقلي فاثنان: كلي وتفصيلي.

أما البرهان الكلي على أن الحق مذهبُ السلف فينكشف بتسليم أربعة أصول هي مسلَّمة عند كل عاقل.

الأول: أَنَّ أعرفَ الخلق بصلاح أحوال العباد بالإضافة إلى حسن المعاد هو النبي صلى الله عليه وسلم، فإنّ ما يُنتفع به في الآخرة أو يضر لا سبيل إلى معرفته بالتجربة كما عرف الطبيب، إذ لا مجال للعلوم التجريبية إلا بما يُشاهد على سبيل التكرر، وَمَنِ الذي رجع من ذلك العالَم فأدرك بالمشاهدة ما نفع وضر وأخبر عنه؟ ولا يُدرك بقياس العقل، فإن العقولَ قاصرةٌ عن ذلك، والعقلاءُ بأجمعهم معترفون بأن العقل لا يهتدي إلى ما بعد الموت، ولا يرشد إلى وجه ضرر المعاصي ونفع الطاعات، لا سيما على سبيل التفصيل والتحديد كما وردت به الشرائع، بل أقروا بجملتهم أن ذلك لا يدرَك إلا بنور النبوة، وهي قوة وراء العقل يدرَك بها من أمر الغيب في الماضي والمستقبل أمورٌ لا على طريق التعرف بالأسباب العقلية، وهذا مما اتفق عليه الأوائل من الحكماء فضلاً عن الأولياء والعلماء والراسخين القاصرين نظرَهم على الاقتباس من حضرة النبوة، المقربين بقصور كل قوة سوى هذه القوة.

الأصل الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم أفاض إلى الخلق ما أوحى إليه من صلاح العباد في معادهم ومعاشهم، وأنه ما كتم شيئاً من الوحي وأخفاه وطواه عن الخلق فإنه لم يُبعث إلا لذلك، ولذلك كان رحمةً للعالمين، فلم يكن منهما فيه، وعُرف ذلك علماً ضرورياً من قرائن أحواله في حرصه على إصلاح الخلق، وشغفه بإرشادهم إلى صلاح معاشهم ومعادهم، فما ترك شيئاً مما يُقَرِّبُ الخلق إلى الجنة ورضاءِ الخالق إلا دلهم عليه وأمرهم به وحثهم عليه، ولا شيئاً مما يقرِّبهم إلى النار وإلى سخط الله إلا حذرهم منه ونهاهم عنه، وذلك في العلم والعمل جميعاً.

الأصل الثالث: أنّ أعرف الناس بمعاني كلامه وأحراهم بالوقوف على كنهه ودرك أسراره الذين شاهدوا الوحي والتنزيل وعاصروه وصاحبوه، بل لازموه آناء الليل والنهار، متشمرين لفهم معاني كلامه وتلقيه بالقبول؛ للعمل به أولاً، وللنقل إلى من بعدهم ثانياً، وللتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بسماعه وفهمه وحفظه ونشره، وهم الذين حثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على السماع والفهم والحفظ والأداء فقال: (نَضَّرَ الله امرأً سَمِعَ مقالتي فوعاها فأدَّاها كما سمعها) الحديث. فليت شعري أَيُتَّهَمُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بإخفائه وكتمانه عنهم، حاشا منصب النبوة عن ذلك، أويتهم أولئك الأكابر في فهم كلامه وإدراك مقاصده؟ أو

صفحة 339

يتهمون في إخفائه وإسراره بعد الفهم؟ أو يتهمون في معاندته من حيث العمل ومخالفته على سبيل المكابرة مع الاعتراف بتفهيمه وتكليفه؟ فهذه الأمور لا يتسع لتقديرها عقل عاقل.

الأصل الرابع: أنهم في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دعوا الخلقَ إلى البحث والتفتيش والتفسير والتأويل والتعرض لمثل هذه الأمور، بل بالغوا في زجر من خاض فيه وسأل عنه وتكلم به على ما سنحكيه عنهم، فلو كان ذلك من الدين أو كان من مدارك الأحكام وعلم الدين لأقبلوا عليه ليلاً ونهاراً ودعوا إليه أولادهم وأهليهم وتشمروا عن ساق الجد في تأسيس أصوله وشرح قوانينه تشميراً أبلغ من تشميرهم في تمهيد قواعد الفرائض والمواريث، فنعلم بالقطع من هذه الأصول أن الحق ما قالوه والصواب ما رأوه، لا سيما وقد أثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (خير الناس قرني ثم الذين يلُونهم ثم الذين يلونهم)، وقال صلى الله عليه وسلم: (ستفترق أمتي نيفاً وسبعين فرقةً، الناجيةُ منهم واحدة)، فقيل: من هم؟ فقال: (أهل السنة والجماعة)، فقال: (ما أنا عليه الآن وأصحابي).

البرهان الثاني: هو التفصيلي. فتقول: ادَّعينا أن الحق هو مذهب السلف، وأن مذهب السلف هو توظيف الوظائف السبع على عوام الخلق في ظواهر الأخبار المتشابهة، وقد ذكرنا برهان كل وظيفة معها، فهو برهان كونه حقاً، فمن يخالف؟ ليت شعري يخالف في قولنا الأول أنه يجب على العامي التقديس للحق عن التشبيه ومشابهة الأجسام، أو في قولنا الثاني أنه يجب عليه التصديق والإيمان بما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم بالمعنى الذي أراده، أو في قولنا الثالث إنه يجب عليه الاعتراف بالعجز عن درك حقيقة تلك المعاني، أو في قولنا الرابع إنه يجب عليه السكوت عن السؤال، والخوضُ فيهما وراء طاقته، أو في قولنا الخامس إنه يجب عليه إمساك اللسان عن تغيير الظواهر بالزيادة والنقصان والجمع التفريق، أو في قولنا السادس إنه يجب عليه كف القلب عن التذكير فيه والفكر مع عجزه عنه، وقد قيل لهم تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق، أو في قولنا السابع إنه يجب عليه التسليم لأهل المعرفة من الأنبياء والأولياء والعلماء الراسخين، فهذه أمور بيناها وبرهناها، ولا يقدر أحد على جحدها وإنكارها إن كان من أهل التمييز فضلاً عن العلماء والعقلاء. فهذه هي البراهين العقلية.

النمط الثاني: البرهان السمعي على ذلك، وطريقه أن نقول: الدليل على أن الحق مذهب السلف أنّ نقيضَه بدعةٌ والبدعة مذمومة وضلالة، والخوض من جهة العوام في التأويل، والخوض بهم فيه من جهة العلماء بدعة مذمومة، وكان نقيضه وهو الكف عن ذلك سنة محمودة فها هنا ثلاثة أصول:

أحدها: أن البحث والتفتيش والسؤال عن هذه الأمور بدعة.

صفحة 340

والثاني: أن كل بدعة فهي مذمومة.

والثالث: أن البدعة إذا كانت مذمومة كان نقيضُها، وهي السنة القديمة، محمودةً، ولا يمكن النزاع في شيء من هذه الأصول، فإذا سلم ذلك ينتج أن الحق مذهب السلف.

فإن قيل: فَبِمَ تُنكرون على من يمنع كون البدعة مذمومةً أو يمنع كون البحث والتفتيش بدعةً فينازع في هذين وإن لم ينازع في الثالث لظهوره؟ فنقول: الدليل على إثبات الأصل الأول من كون البدعة مذمومة اتفاقُ الأمة قاطبة على ذم البدعة وزجر المبتدع وتغيير من يُعرف بالبدعة، وهذا مفهومٌ على الضرورة من الشرع، وذلك غير واقع في محل الظن، فَذَمُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم البدعةَ عُلِمَ بالتواتر بمجموع أخبار يفيد العلمَ القطعيَّ جملتُها، وإن كان الاحتمال يتطرق إلى آحادها، وذلك كعلمنا بشجاعة علي رضي الله عنه، وسخاوة حاتم، وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها وما يجري مجراه، فإن عُلِمَ قطعاً بأخبار آحاد بلغت في الكثرة مبلغاً لا يَحتمل كذبَ ناقليها، وإن لم تكن آحادُ تلك الأخبار متواترةً، وذلك مثل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، وقال صلى الله عليه وسلم: (اتبعوا ولا تبتدعوا، وإنما هلك من كان قبلكم لمّا ابتدعوا في دينهم وتركوا سُنَنَ أنبيائهم وقالوا بآرائهم فضلُّوا وأضلُّوا)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا مات صاحب بدعة فقد فُتح على الإسلام فتحٌ)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من مشى إلى صاحب بدعة ليوقرَه فقد أعان على هدم الإسلام)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من أعرض عن صاحب بدعة بُغْضاً له في الله ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً، ومن انتهر صاحبَ بدعة رفع الله له مائة درجة، ومن سلم على صاحب بدعة أو لقيه بالبشر أو استقبله بما يسرُّه فقد استخف بما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبل لصاحب بدعة صوماً ولا صلاةً ولا زكاةً ولا حجاً ولا عمرةً ولا جهاداً ولا صرفاً ولا عدلاً، ويَخرج من الإسلام كما يخرج السهم من الرمية أو كما تخرج الشعرة من العجين). فهذا وأمثاله مما يجاوز حد الحصر أفاد علماً ضرورياً بكون البدعة مذمومة.

فإن قيل: سلمنا أن البدعة مذمومة، ولكن ما دليل الأصل الثاني وهو أن هذه بدعة، فإن البدعة عبارة عن كل محدَث، قال الشافعي رضي الله عنه: الجماعة في التراويح بدعة وهي بدعة حسنة، وخوض الفقهاء في تفاريع الفقه ومناظرتُهم فيها مع ما أبدعوه من نقص وكسر وفساد ووضع وتركيب، ونحوه من فنون مجادلة، وإلزام كل ذلك مُبْدَعٌ لم يُؤْثَرْ عن الصحابة شيءٌ من ذلك، فدل على أن البدعة المذمومة ما رَفَعَتْ سُنَّةً مأثورة، ولا نُسَلِّمُ أن هذا رافعٌ لسنة ثابتة لكنه مُحْدَثٌ خاض فيه الألوانُ، إما لاشتغالهم لما هو أهم منه، وإما لسلامة القلوب

صفحة 341

في العصر الأول عن الشكوك والترددات، فاستغنوا لذلك، وخاض فيه من بعدَهم لمسيس الحاجة، حيث حدثت الأهواء والبدع إلى إبطالها وإفحام منتحلها؟

الجواب: أما ما ذكرتموه من أن البدعة المذمومة ما رفعت سنة قديمة هو الحق، وهذا بدعة رفعت سنة قديمة، إذ كانت سنة الصحابة المنعَ من الخوض فيه، وزجرَ من سأل عنه، والمبالغةَ في تأديبه ومنعه بفتح باب السؤال عن هذه المسائل، والخوضُ بالعوام في غمرة هذه المشكلات على خلاف ما تواتر عنهم، وقد صح ذلك عن الصحابة بتواتر النقل عند التابعين من نقلة الآثار، وسيرُ السلف حجةٌ لا يتطرق إليها ريبٌ ولا شَكٌّ، كما تواتر خوضُهم في مسائل الفرائض ومشاورتهم في الوقائع الفقهية، وحصل العلم به أيضاً بأخبار آحاد لا يتطرق الشك إلى مجموعها، كما نُقِلَ عن عمر رضي الله عنه أنه سَأَلَ سائلٌ عن آيتين متشابهتين فعلاه بالدرة، وكما روي أنه سأل سائلٌ عن القرآن أهو مخلوق أم لا، فتعجب عمر من قوله فأخذ بيده حتى جاء به إلى علي رضي الله عنه، فقال: يا أبا الحسن استمع ما يقول هذا الرجل، قال: وما يقول يا أمير المؤمنين؟ فقال الرجل: سألته عن القرآن أمخلوق هو أم لا؟ فوجم لها رضي الله عنه وطأطأ رأسه، ثم رفع رأسه وقال: سيكون لكلام هذا نبأ في آخر الزمان، ولو وليتُ من أمره ما وليت لضربتُ عنقَه.

وقد روى أحمد بن حنبل هذا الحديث عن أبي هريرة، فهذا قول علي بحضور عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم، ولم يقولا له ولا أحدٌ ممن بلغه ذلك من الصحابة، ولا عرف عليٌّ رضي الله عنه في نفسه أن هذا سؤال عن مسألة دينية، وَتَعَرُّفٌ لحكمِ كلامِ الله تعالى، وطلبُ معرفةٍ لصفة القرآن الذي هو معجزةٌ دالةٌ على صدق الرسول، بل هو الدليل المُعَرِّفُ لأحكام التكليف، فلم يستوجبْ طالبُ المعرفة هذا التشديد، فانظر إلى فراسة علي وإشرافه على أنّ ذلك قرعٌ لباب الفتنة، وأن ذلك سينتشرُ في آخر الزمان الذي هو موسم الفتن ومطيتُها بوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانظر إلى تشديده وقوله: ولو وليت لضربت عنقه، فمثل أولئك السادة الأكابر الذين شاهدوا الوحيَ والتنزيلَ واطلعوا على أسرار الدين وحقائقه، وقد قال صلى الله عليه وسلم في أحدهما: (لو لم أبعث لبعث عمر)، وقال في الثاني: (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها)، يزجرون السائل عن هذا السؤال، ثم يزعم مَنْ بعدَهم من المشغوفين بالكلام والمجادلة، وممن لو أنفق مثلَ أُحُدٍ ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، أن الحق والصواب قبولُ هذا السؤال والخوضُ في الجواب وفتحُ هذا الباب، ثم يعتقدُ فيه أنه محق، وفي عمر وعلي أنهما مبطلان، هيهات ما أبعد عن التحصيل وما أخلى عن الدين من قاس الملائكة بالحدادين، ويرجح المجادلين على الأئمة الراشدين والسلف، فإذاً قد عُرِفَ على القطع أن هذه بدعةٌ مخالفةٌ لسنة السلف لا كخوض الفقهاء في التفاريع والتفاصيل، فإنه ما نُقِلَ عنهم زجرٌ عن

صفحة 342

الخوض فيه، بل إمعانُهم في الخوض، وأما ما أُبدع من فنون المجادلات فهي بدعةٌ مذمومةٌ عند أهل التحصيل ذكرنا وجهَ ذمها في كتاب قواعد العقائد من كتب الإحياء. وأما مناظراتهم: إن كان القصد منها التعاون على البحث عن مأخذ الشرع ومدارك الأحكام، فهي سنة السلف، ولقد [كانوا] يتشاورون ويتناظرون في المسائل الفقهية، كما أبدعوا ألفاظاً وعباراتٍ للتنبيه على مقاصدهم الصحيحة، فلا حرج في العبارات، بل هي مباحة لمن يستعيرها ويستعملها، وإن كان مقصدهم المذموم من النظر الإفحامَ دون الإعلام، والإلزامَ دون الاستعلام، فذلك بدعة على خلاف السنة المأثورة.

الباب الثاني: في إقامة البرهان على أن الحق مذهب السلف
 
Top