الباب الثالث في فصول متفرقة نافعة في هذا الفن

صفحة 342

الباب الثالث

في فصول متفرقة نافعة في هذا الفن

فصل

إن قال قائل: ما الذي دعا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إلى إطلاق هذه الألفاظ الموهِمة مع الاستغناء عنها؟ أكان لا يدري أنه يوهم التشبيه ويغلط الخلقَ ويسوقهم إلى اعتقاد الباطل في ذات الله تعالى وصفاته؟ وحاشا منصب النبوة أن يخفى عليه ذلك، أو عرف لكن لم يبال بجهل الجهال وضلالة الضلال؟ وهذا أبعد وأشنع لأنه بُعث شارحاً لا مبهماً ملبساً ملغزاً. وهذا إشكال له وقع في القلوب، حتى جَرَّ بعضَ الخلق إلى سوء الاعتقاد فيه فقالوا: لو كان نبياً لعرف الله، ولو عرفه لما وصفه بما يستحيل عليه في ذاته وصفاته، ومالت طائفة أخرى إلى اعتقاد الظواهر، وقالوا: لو لم يكن حقاً لما ذكره كذلك مطلقاً، ولعدل عنها إلى غيرها أو قرنها بما يزيل الإبهام عنها في سبيل حل هذا الإشكال العظيم.

الجواب: أن هذا الإشكال منحل عند أهل البصيرة، وبيانه أن هذه الكلمات ما جمعها رسولُ الله دفعةً واحدةً وما ذكرها، وإنما جمعها المشبِّهة، وقد بينا أن لجمعها من التأثير في الإيهام والتلبيس على الأفهام ما ليس لآحادها المفرقة، وإنما هي كلمات لَهَجَ بها في جميع عمره في أوقات متباعدة، وإذا اقتُصر منها على ما في القرآن والأخبار المتواترة رجعت إلى كلمات يسيرة معدودة، وإن أُضيف إليها الأخبار الصحيحة فهي أيضاً قليلة، وإنما كثرت الروايات الشاذة الضعيفة التي لا يجوز التعويل عليها، ثم ما تواتر منها إن صح معها إيهامُ التشبيه وقد أدركها الحاضرون المشاهدون، فإذا نقل الألفاظ مجردة عن تلك القرائن ظهر الإيهام، وأعظمُ القرائن في زوال الإيهام المعرفةُ السابقةُ بتقديس الله تعالى عن قبول هذه الظواهر، ومن سبقت معرفتُه بذلك كانت تلك المعرفةُ ذخيرةً له راسخةً في نفسه مقارنةً لكل ما يسمع، فينمحق معه الإيهام انمحاقاً لا يشك فيه، ويُعرف هذا بأمثلة:

الأول: أنه صلى الله عليه وسلم سمى الكعبة بيت الله تعالى، وإطلاق هذا يوهم عند الصبيان وعند

صفحة 343

من تقرب درجتهم منهم أن الكعبة وطنه ومثواه، لكن العوام الذين اعتقدوا أنه في السماء وأن استقراره على العرش ينمحق في حقهم هذا الإيهام على وجه لا يشكون فيه، فلو قيل لهم: ما الذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إطلاق هذا اللفظ الموهم المخيل إلى السامع أن الكعبة مسكنه؟ لبادروا بأجمعهم وقالوا: هذا إنما يوهم في حق الصبيان والحمقى، وأما من تكرر على سمعه أن الله مستقر على عرشه، فلا يشك عند سماع هذا اللفظ أنه ليس المراد به أن البيت مسكنه ومأواه، بل يعلم على البديهة أن المراد بهذه الإضافة تشريف البيت أو معنى سواه غير ما وضع له لفظ المضاف إلى ربه وساكنه. أليس كان اعتقاده أنه على العرش قرينة أفادته علماً قطعياً بأنه ما أريد بكون الكعبة بيته إنه مأواه؟ وإن هذا إنما يوهم في حق من لم يسبق إلى هذه العقيدة، فكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطب به بهذه الألفاظ جماعة سبقوا إلى علم التقديس ونفي التشبيه، وإنه منزه عن الجسمية وعوارضها، وكان ذلك قرينةً قطعيةً مزيلةً للإيهام لا يبقى معه شك، وإن جاز أن يبقى لبعضهم تردد في تأويلها وتعيين المراد به من جملة ما يحتمله اللفظ ويليق بجلالة الله تعالى.

المثال الثاني: إذا جرى لفقيه في كلامه لفظ الصور بين يدي الصبي أو العامي فقال: صورة هذه المسألة كذا وصورة الواقعة كذا، ولقد صورت للمسألة صورة في غاية الحسن ربما توهم الصبي أو العامي الذي لا يفهم معنى المسألة أن المسألة شيءٌ له صورة، وفي تلك الصورة أنف وفم وعين على ما عرفه واشتهر عنده، أما من عرف حقيقة المسألة وإنها عبارة عن علوم مرتبة ترتيباً مخصوصاً، فهل يتصور أن يفهم عيناً وأنفاً وفماً كصورة الأجسام؟ هيهات، بل يكفيه معرفته بأن المسألة منزهة عن الجسمية وعوارضها، فكذلك معرفة نفي الجسمية عن الإله وتقدسه عنها تكون قرينة في قلب كل مستمع مفهمة لمعنى الصورة في قوله: خَلَقَ الله آدم على صورته، ويتعجب العارف بتقديسه عن الجسمية ممن يتوهم لله تعالى الصورة الجسمية، كما يتعجب ممن يتوهم للمسألة صورة جسمانية.

المثال الثالث: إذا قال القائل بين يدي الصبي: بغداد في يد الخليفة، ربما يتوهم أن بغداد بين أصابعه، وأنه قد احتوى عليها براحته كما يحتوي على حجره ومدره، وكذلك كل عامي لم يفهم المراد بلفظ بغداد. أما من علم أن بغداد عبارة عن بلدة كبيرة، هل يُتصور أن يَخطر له ذلك أو يتوهم؟ وهل يتصور أن يعترض على قائله ويقول: لماذا قلت بغداد في يد الخليفة؟ وهذا يوهم خلاف الحق ويفضي إلى الجهل، حتى يعتقد أن بغداد بين أصابعه، بل يقال له: يا سليم القلب، هذا إنما يوهم الجهل عند من لا يعرف حقيقة بغداد، فأما من علمه فبالضرورة يعلم أنه ما أريد بهذه اليد العضو المشتمل على الكف والأصابع، بل معنى آخر، ولا يحتاج في فهمه إلى قرينة سوى هذه المعرفة، فكذلك جميعُ الألفاظ الموهمة في الأخبار

صفحة 344

يكفي في دفع إيهامها قرينةٌ واحدةٌ وهي معرفة الله، وإنه ليس من جنس الأجسام، وهذا مما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بنيانه في أول بعثته قبل النطق بهذه الألفاظ.

المثال الرابع: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسائه: (أطولُكنُّ يَداً أسرعكن لحاقاً بي)، فكان بعض نسوته يتعرف الطولَ بالمساحة ووضع اليد على اليد، حتى ذكر لهن أنه أراد بذلك المساحة في الجود دون الطول للعضو، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر هذه اللفظة مع قرينة أفهم بها إرادةَ الجود بالتعبير بطول اليد عنه، فلما نقل اللفظ مجرداً عن قرينته حصل الإيهام، فهل كان لأحد أن يعترض على رسول الله صلى الله عليه وسلم في إطلاقه لفظاً جهل بعضهم معناه؟ إنما ذلك لأنه أطلق إطلاقاً مفهماً في حق الحاضرين مقروناً مثلاً بذكر السخاوة، والناقل قد ينقل اللفظ كما سمعه ولا ينقل القرينة، أو كان بحيث لا يمكن نقلها، أو ظن أنه لا حاجة إلى نقلها، وأن من يسمع يفهمه هو كما فهمه هو لما سمعه، فربما لا يشعر أن فهمه إنما كان بسبب القرينة، فلذلك يقتصر على نقل اللفظ، فبمثل هذه الأسباب بقيت الألفاظ مجردة عن قرائنها فقصرت عن التفهيم، مع أن قرينة معرفة التقديس بمجردها كافيةٌ في نفي الإيهام، وإن كانت ربما لا تكفي في تعيين المراد به، فهذه الدقائق لا بد من التنبه لها كالمثال الخامس.

إذا قال قائل بين يدي الصبي ومن يقرب منه درجة ممن لم يمارس الأحوال، ولا عرف العادات في المجالسات: فلان دخل مجمعاً وجلس فوق فلان، ربما يتوهم السامع الجاهل الغبي أنه جلس على رأسه أو على مكان فوق رأسه، ومن عرف العادات وعلم أن ما هو أقرب إلى الصدر في الرتبة، وأن الفوق عبارة عن العلو يفهم منه أنه جلس بجنبه لا فوق رأسه، لكن جلس أقرب إلى الصدر، فالاعتراض على من خاطب بهذا الكلام وأهل المعرفة بالعادات من حيث إنه يجهله الصبيان أو الأغبياء اعتراضٌ باطل لا أصل له، وأمثلة ذلك كثيرة. فقد فهمت على القطع بهذه الأمثلة أن هذه الألفاظَ الصريحةَ انقلبت مفهوماتُها عن أوضاعها الصريحة بمجرد قرينة، ورجعت تلك القرائن إلى معارفي سابقة ومقترنة، فكذلك هذه الظواهر الموهمة انقلبت عن الإيهام بسبب تلك القرائن الكثيرة التي بعضها هي المعارف، والواحدة منها معرفتهم أنهم لم يؤمروا بعبادة الأصنام، وإن من عبد جسماً فقد عبد صنماً كان الجسم صغيراً أو كبيراً، قبيحاً أو جميلاً، سافلاً أو عالياً على الأرض أو على العرش. وكان نفي الجسمية ونفي لوازمها معلوماً لكافتهم على القطع بإعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم المبالغة في التنزيه بقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، وسورة الإخلاص وقوله: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا} [البقرة:22]. وبألفاظ كثيرة لا حصر لها مع قرائن قاطعة لا يمكن حكايتها، وعلم ذلك إلا علماً لا ريب فيه وكان ذلك كافياً في تعريفهم استحالة يد

صفحة 345

هي عضو مركب من لحم وعظم، وكذا في سائر الظواهر لأنها لا تدل إلا على الجسمية وعوارضها، لو أطلق على جسم ولو أطلق على غير الجسم على ضرورة أنه ما أريد به ظاهره بل معنى آخر مما يجوز على الله تعالى، ربما يتعين ذلك المعنى وربما لا يتعين، فهذا مما يزيل الإشكال.

فإن قيل: فلم لم يذكر بألفاظ ناصة عليها بحيث لا يوهم ظاهرها جهلاً ولا في حق العامي والصبي؟

قلنا: لأنه إنما كلم الناس بلغة العرب، وليس في لغة العرب ألفاظٌ ناصةٌ على تلك المعاني، فكيف يكون في اللغة لها نصوص وواضع اللغة لم يفهم تلك المعاني، فكيف وضع لها النصوص بل هي معان أُدركت بنور النبوة خاصة أو بنور العقل بعد طول البحث، وذلك أيضاً في بعض تلك الأمور لا في كلها، فلما لم يكن لها عبارات موضوعة كان استعارة الألفاظ من موضعات اللغة ضرورة كل ناطق بتلك اللغة، كما أنا لا نستغني عن أن نقول صورة هذه المسألة كذا وهي تخالف صورة المسألة الأخرى، وهي مستعارة من الصورة الجسمانية، لكن واضع اللغة لما لم يضع لهيئة المسألة وخصوص ترتيبها اسماً نصاً إما لأنه لم يفهم المسألة أو فهم، لكن لم تحضره أو حضرته لكن لم يضع لها نصاً خاصاً اعتماداً على إمكان الاستعارة أو لأنه علم أنه عاجز عن أن يضع لكل معنى لفظاً خاصاً ناصاً، لأن المعاني غير متناهية العدد، والموضوعات بالقطع يجب أن تتناهى فتبقى معان لها يجب أن يستعار اسمها من الموضوع، فاكتفى بوضع البعض، وسائرُ اللغات أشد قصوراً من لغة العرب، فهذا وأمثاله من الضرورة يدعو إلى الاستعارة لمن يتكلم بلغة قوم، إذ لا يمكنه أن يخرج عن لغته، كيف؟ ونحن نجوز الاستعارة حيث لا ضرورة اعتماداً على القرائن، فإنا لا نفرق بين أن يقول القائل: جلس زيد فوق عمرو، وبين أن يقول: جلس أقرب منه إلى الصدر، وأن بغداد في ولاية الخليفة أو في يده، إذا كان الكلام مع العقلاء، وليس في الإمكان حفظ الألفاظ عن إفهام الصبيان والجهال، فالاشتغال بالاحتراز عن ذلك ركاكة في الكلام وسخافة في العقل وثقل في اللفظ.

فإن قيل: فلم لم يكشف الغطاء عن المراد بإطلاق لفظ الإله، ولم يقل إنه موجود ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا هو داخل العالم ولا خارجه ولا متصل ولا منفصل ولا هو في مكان ولا هو في جهة، بل الجهات كلها خالية عنه، فهذا هو الحق عند قوم، والإفصاح عنه كذلك، كما أفصح عنه المتكلمون ممكن ولم يكن في عبارته صلى الله عليه وسلم قصور، ولا في رغبته في كشفه الحق فتور، ولا في معرفته نقصان؟

قلنا: من رأى هذا الحق اعتذر بأن هذا لو ذكره لنفر الناس عن قبوله، ولبادروا

صفحة 346

بالإنكار وقالوا: هذا عين المحال، ووقعوا في التعطيل، ولا خير في المبالغة في تنزيه ينتج التعطيل في حق الكافة إلا الأقلين، وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم داعياً للخلق إلى سعادة الآخرة رحمة للعالمين، كيف ينطق بما فيه هلاك الأكثرين، بل أمر أن لا يكلم الناس إلا على قدر عقولهم، وقال صلى الله عليه وسلم: (من حدّث الناس بحديث لا يفهمونه كان فتنةً على بعضهم) أو لفظ هذا معناه.

فإن قيل: إن كان في المبالغة في التنزيه خوف التعطيل بالإضافة إلى البعض، ففي استعماله الألفاظ الموهمة خوف التشبيه بالإضافة إلى البعض.

قلنا: بينهما فرق من وجهين:

أحدهما: أن ذلك يدعو إلى التعطيل في حق الأكثرين، وهذا يعود إلى التشبيه في حق الأقلين، وأهون الضررين أولى بالاحتمال، وأعلم الضررين أولى بالاجتناب.

والثاني: أن علاج وهم التشبيه أسهل من علاج التعطيل، إذ يكفي أن يقال مع هذه الظواهر: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، وأنه ليس بجسم ولا مثل الأجسام، وأما إثبات موجود في الاعتقاد على ما ذكرناه من المبالغة في التنزيه شديداً جداً، بل لا يقبله واحد من الألف لا سيما الأمة العربية.

فإن قيل: فعجز الناس عن الفهم، هل يمهد عذر الأنبياء في أن يثبتوا في عقائدهم أموراً على خلاف ما هي عليها ليثبت في اعتقادهم أصل الإلهية حتى توهموا عندهم مثلاً أن الله مستقر على العرش وأنه في السماء وأنه فوقهم فوقية المكان؟

قلنا: معاذ الله أن نظن ذلك أو يتوهم بنبي صادق أن يصف الله بغير ما هو متصف به، وأن يلقى ذلك في اعتقاد الخلق، فإنما تأثير قصور في استعمال الألفاظ مستعارة ربما يغلط الأغبياء في فهمهما، وذلك لقصور اللغات وضرورة الخلق في أن يذكر لهم ما يطبقون فهمه وما لا يفهمونه، فكيف عنه علاج عجز الخلق وقصورهم، ولا ضرورة في تفهيمهم خلاف الحق قصداً لا سيما في صفات الله. نعم، به ضرورة في استعمال الألفاظ مستعارة ربما يغلط الأغبياء في فهمها، وذلك لقصور اللغات وضرورة المحاورات، فأما تفهيمهم خلاف الحق قصداً إلى التجهيل فمحال، سواء فرض فيه مصلحة أو لم تفرض.

فإن قيل: قد جهل أهل التشبيه جهلاً يستند إلى ألفاظه في الظواهر تفضي إلى جهلهم، فمهما جاء بلفظ مجمل ملبس فرضي به لم يفترق الحال بين أن يكون مجرد قصده إلى التجهيل، وبين أن يقصد التجهيل مهما حصل التجهيل، وهو عالم به وراض.

قلنا: لا نسلم أن جهل أهل التشبيه حصل بألفاظه، بل بتقصيرهم في كسب معرفة التقديس وتقديمه على النظر في الألفاظ، ولو حصلوا تلك المعرفة أولاً وقدموها لما

صفحة 347

جهلوها، كما أن من حصل علم التقديس لم يجهل عند سماعه صورة المسألة، وإنما الواجب عليهم تحصيل هذا العلم، ثم مراجعة العلماء إذا شكوا في ذلك، ثم كف النفس عن التأويل وإلزامها التقديس، وإذا رسم لهم العلماء، فإذا لم يفعلوا جهلوا وعلم الشارع بأن الناس طباعهم الكسل والتقصير والفضول بالخوض فيما ليس من شأنهم ليس رِضاً بذلك ولا سعياً في تحصيل الجهل، لكنه رضا بقضاء الله وقدره في قسمته حيث قال: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 119]. وقال: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} [هود: 118]. {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99]. {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [يونس: 100]. {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118، 119]. فهذا هو القهر الإلهي في فطرة الخلق ولا قدرة للأنبياء في تغيير سنته التي لا تبديل لها.

صفحة 347

فصل في جواب مالك رضي الله عنه

لعلك تقول: الكف عن السؤال والإمساك عن الجواب من أين يغني، وقد شاع في البلاد هذه الاختلافات وظهرت التعصبات، فكيف سبيل الجواب إذا سئل عن هذه المسائل؟

قلنا: الجواب ما قاله مالك رضي الله عنه في الاستواء إذ قال: الاستواء معلوم، الحديث. فيذكر هذا الجواب في كل مسألة سأل عنها العوام لينحسم سبيل الفتنة.

فإن قيل: فإذا سئل عن الفوق واليد والأصبع فبم يجيب؟

قلنا: الجواب أن يقال ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم. وقال الله تعالى وقد صدق حيث قال: {الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ} [طه: 5]، فيعلم قطعاً أنه ما أراد الجلوس والاستقرار الذي هو صفة الأجسام، ولا ندري ما الذي أراده ولم نكلَّف معرفته، وصدق حيث قال: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]، وفوقية المكان محال، فإنه كان قبل المكان فهو الآن كما كان، وما أراد فلسنا نعرفه وليس علينا ولا عليك أيها السائل معرفته، فكذلك نقول: ولا يجوز إثبات اليد والأصبع مطلقاً، بل يجوز النطق بما نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي نطق به من غير زيادة ونقصان وجمع وتفريق وتأويل وتفصيل كما سبق، فنقول: صدق حيث قال: (خمَّر طينة آدم بيده)، وحيث قال: (قلب المؤمن بين أصبع من أصابع الرحمن)، فنؤمن بذلك ولا نزيد ولا ننقص، وننقله كما روي ونقطع بنفي العضو المركب من اللحم والعصب، وإذا قيل: القرآن قديم أو مخلوق؟ قلنا: هو غير مخلوق لقوله صلى الله عليه وسلم: (القرآن كلام الله غير مخلوق)، فإن قال: الحروف قديمة أو لا؟ قلنا: الجواب في هذه

صفحة 348

المسألة لم يذكرها الصحابة، فالخوض فيها بدعة فلا تسألوا عنها، فإن ابتُلي الإنسان بهم في بلدة غلبت فيها الحشوية وكفروا من لا يقول بقدم الحروف، فيقول المضطر إلى الجواب: إن عنيت بالحروف نفس القرآن فالقرآن قديم، وإن أردت بها غير القرآن وصفات الله تعالى فما سوى الله وصفاته محدث ولا يزيد عليه، لأن تفهيم العوام حقيقةَ هذه المسألة عسيرةٌ جداً، فإن قالوا: قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قرأ حرفاً من القرآن فله كذا)، فأثبت الحروف للقرآن ووصف القرآن بأنه غير مخلوق، فلزم منه أن الحروف قديمة، قلنا: لا نزيد على ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أن القرآن غير مخلوق، وهذه مسألة، وإن كان للقرآن حروف فهي مسألة أخرى. وأما أن الحروف قديمة فهي مسألة ثالثة، ولم نزد عليه فلا نقول به، ولا نزيد على ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن زعموا أنه يلزم المسألتين السابقتين هذه المسألة، قلنا: هذا قياس وتفريع، وقد بينا أن لا سبيل إلى القياس والتفريع، بل يجب الاقتصار على ما ورد من غير تفريق، وكذلك إذا قالوا: عربية القرآن قديمة لأنه قال: القرآن قديم، وقال: {أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف: 2]، فالعربي قديم. فنقول: أما أن القرآن عربي فحق إذ نطق به القرآن، وأما أن القرآن قديم فحق إذ نطق به الرسول صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا الوجه يلجم العوام والحشوية عن التصرف فيه، ونزمهم عن القياس والقول باللوازم، بل نزيد في التضييق على هذا ونقول: إذا قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، فهذا لا يرخص في أن يقول: القرآن قديم، ما لم يرد لفظ القديم، إذ فرق بين غير مخلوق والقديم، إذ يقال: كلام فلان غير مخلوق أي غير موضوع، وقد يقال: المخلوق بمعنى المختلق، فلفظ غير مخلوق يتطرق إليه هذا ولا يتطرق إلى لفظ القديم، فبينهما فرق، ونحن نعتقد قدم القرآن لا بمجرد هذا اللفظ، فإن هذا اللفظ لا ينبغي أن يحرف ويبدل ويغير ويصرف، بل يلزم أن يعتقد أنه حق بالمعنى الذي أراده، وكل من وصف القرآن بأنه مخلوق من غير نقل نص فيه مقصود، فقد أبدع وزاد ومال عن مذهب السلف وحاد.

صفحة 348

فصل في أن الإيمان قديم

فإن قيل: من المسائل المعروفة قولهم إن الإيمان قديم، فإذا سئلنا عنه فبم نجيب؟

قلنا: إن ملكنا زمام الأمر واستولينا على السائل منعناه عن هذا الكلام السخيف الذي لا جدوى له، وقلنا: إن هذا بدعة، وإن كنا مغلوبين في بلادهم فنجيب ونقول: ما الذي أردت بالإيمان؟ إن أردت به شيئاً من معارف الخلق وصفاتهم فجميع صفات الخلق مخلوقة، وإن أردت به شيئاً من القرآن أو من صفات الله تعالى فجميع صفات الله تعالى قديمة، وإن أردت ما ليس صفة للخلق ولا صفة الخالق فهو غير مفهوم ولا متصور وما لا يفهم ولا

صفحة 349

يتصور ذاته، كيف يفهم حكمه في القدم والحدوث؟ والأصل زجر السائل والسكوت عن الجواب، هذا صفو مقصود مذهب السلف ولا عدول عنه إلا بضرورة، وسبيل المضطر ما ذكرنا، فإن وجدناه ذكياً مستفهماً لفهم الحقائق كشفنا الغطاء عن المسألة وخلصناه عن الإشكال في القرآن وقلنا:

اعلم أن كل شيء فله في الوجود أربع مراتب: وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان، ووجود في البياض المكتوب عليه، كالنار مثلاً، فإن له وجوداً في التّنّور، ووجوداً في الخيال والذهن، وأعني بهذا الوجود العلم بنفس النار وحقيقتها، ولها وجود في اللسان وهي الكلمة الدالة عليه، أعني لفظ النار، ولها وجود في البياض المكتوب عليه بالرقوم. والإحراق صفة خاصة للنار كالقدم للقرآن ولكلام الله تعالى، والمحرق من هذه الجملة الذي في التنور دون الذي في الأذهان، وفي اللسان وعلى البياض، إذ لو كان المحرق في البياض أو اللسان لاحترق، ولكن لو قيل لنا: النار محرقة؟ قلنا: نعم، فإن قيل لنا: كلمة النار محرقة؟ قلنا: لا، فإن قيل: حروف النار محرقة؟ قلنا: لا، فإن قيل: مرقوم هذه الحروف على البياض محرقة؟ قلنا: لا، فإن قيل: المذكور بكلمة النار أو المكتوب بكلمة النار محرق؟ قلنا: نعم، لأن المذكور والمكتوب بهذه الكلمة ما في التنور وما في التنور محرق، فكذلك القدم وصف كلام الله تعالى كالإحراق وصف النار وما يطلق عليه اسم القرآن وجوده على أربع مراتب:

أولها: وهي الأصل، وجودُه قائماً بذات الله تعالى يضاهي وجود النار في التنور، {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ} [النحل: 60]، ولكن لا بد من هذه الأمثلة في تفهيم العجزة، والقدم وصف خاص لهذا الوجود.

والثانية: وجوده العلمي في أذهاننا عند التعليم قبل أن ننطق بلساننا، ثم وجوده في لساننا بتقطيع أصواتنا، ثم وجوده في الأوراق بالكتب، فإذا سئلنا عما في أذهاننا من علم القرآن قبل النطق به، قلنا: علمنا صفته وهي مخلوقة لكن المعلوم به قديم، كما أن بالنار وثبوت صورتها في خيالنا غير محرق، لكن المعلوم به محرق، وإن سئلنا عن صوتنا وحركة لساننا ونطقنا قلنا: ذلك صفة لساننا، فلساننا حادث وصفته توجد بعده، وما هو بعد الحادث حادث بالقطع، لكن منطوقنا ومذكورنا ومقروءنا ومتلوَّنا بهذه الأصوات الحادثة قديم، كما أن ذكرنا حروف النار بلساننا كان المذكور بهذه الحروف محرقاً وأصواتنا وتقطيع أصواتنا غير محرق إلا أن يقول قائل: حروف النار عبارة عن نفس النار، قلنا: إن كان كذلك، فحروف النار محرقة، وحروف القرآن إن كان عبارة عن نفس المقروء فهي قديمة، وكذلك المخطوط برقوم النار والمكتوب به محرق لأنه الأوراق من غير إحراق واحتراق، فهذه أربع درجات في الوجود تشتبه على العوام لا يمكنهم إدراك تفاصيلها وخاصة كل واحدة منهن، فلذلك لا نخوض

صفحة 350

بهم فيها لا لجهلنا بحقيقة هذه الأمور وكنه تفاصيلها. إن النار من حيث إنها في التنور توصف بأنها محرقة وخامدة ومشتعلة، ومن حيث إنها في اللسان يوصف بأنها عجمي وتركي وعربي وكثيرة الحروف وقليلة الحروف، وما في التنور لا ينقسم إلى العجمي والتركي والعربي، وما في اللسان لا توصف بالخمود والاشتعال، وإذا كان مكتوباً على البياض يوصف بأنه أحمر وأخضر وأسود وأنه بقلم المحقق أو الثلث والرقاع، أو قلم النسخ، وهو في اللسان لا يمكن أن يوصف بذلك، واسم النار يطلق على ما في التنور وما في القلب وما في اللسان وما على القرطاس، لكن باشتراك الاسم، فأُطلق على ما في التنور حقيقة وعلى ما في الذهن من العمل لا بالحقيقة ولكن بمعنى أنه صورة محاكية للنار الحقيقي، كما أن ما يرى في المرآة يسمى إنساناً وناراً لا بالحقيقة ولكن بمعنى إنها صورة محاكية للنار الحقيقي والإنسان، وما في اللسان من الكلمة يسمى باسمه بمعنى ثالث، وهو أنه دلالة دالة على ما في الذهن، وهذا يختلف بالاصطلاحات، والأول والثاني لا اختلاف فيهما، وما في القرطاس يسمى ناراً بمعنى رابع، وهو أنها رقوم تدل بالاصطلاح على ما في اللسان، ومهما فهم اشتراك اسم القرآن والنار وكل شيء من هذه الأمور الأربعة، فإذا ورد الخبر أن القرآن في قلب العبد وأنه في لسان القارئ وأنه في صفة ذات الله صدق بالجميع وفهم معنى الجميع، ولم يتناقص عند الأذكياء وصدق بالجميع مع الإحاطة بحقيقة المراد، وهذه أمور جلية دقيقة لا أجلى منها عند الفطن الذكي ولا أدق، وأغمض منها عن البليد الغبي، فحق البليد أن يمنع من الخوض فيها ويقال له: قل القرآن غير مخلوق واسكت ولا تزد عليه ولا تنقص ولا تفتش عنه ولا تبحث، وأما الذكي فيروح عن غمه هذا الإشكال في لحظة ويوصي بأن لا يحدث العامي به حتى لا يكلفه ما ليس في طاقته، وهكذا جميع موضع الإشكالات في الظواهر فيها حقائق جلية لأرباب البصائر ملتبسة على العميان من العوام، فلا ينبغي أن يظن بأكابر السلف عجزهم عن معرفة هذه الحقيقة، وإن لم يحرروا ألفاظها تحرير صنعة ولكنهم عرفوه وعرفوا عجز العوام فسكتوا عنهم وأسكتوهم وذلك عين الحق والصواب. لا أعني بأكابر السلف الأكابر من حيث الجاه والاشتهار، ولكن من حيث الغوص على المعاني والاطلاع على الأسرار، وعند هذا ربما انقلب الأمر في حق العوام واعتقدوا في الأشهر أنه الأكبر وذلك سبب آخر من أسباب الضلال.

صفحة 350

فصل

فإن قال قائل: العامي إذا مُنع من البحث والنظر لم يعرف الدليل، ومن لم يعرف الدليل كان جاهلاً بالمدلول، وقد أمر الله تعالى كافة عباده بمعرفته، أي بالإيمان به والتصديق

صفحة 351

بوجوده أولاً، وبتقديسه عن سمات الحوادث ومشابهة غيره ثانياً، وبوحدانيته ثالثاً، وبصفاته من العلم والقدرة ونفوذ المشيئة وغيرها رابعاً، وهذه الأمور ليست ضرورية فهي إذاً مطلوبة، وكل علم مطلوب فلا سبيل إلى انتقاصه وتحصيله إلا بشبكة الأدلة، والنظر في الأدلة والتفطن لوجه دلالتها على المطلوب وكيفية إنتاجها، وذلك لا يتم إلا بمعرفة شروط البراهين وكيفية ترتيب المقدمات واستنتاج النتائج، ذلك شيئاً فشيئاً إلى تمام علم البحث واستيفاء علم الكلام إلى آخر النظر في المعقولات، وكذلك يجب على العامي أن يصدق الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به، وصدقه ليس بضروري بل هو بشر كسائر الخلق فلا بد من دليل يميزه عن غيره ممن تحدى بالنبوة كاذباً، ولا يمكن ذلك إلا بالنظر في المعجزة ومعرفة حقيقة المعجزة وشروطها إلى آخر النظر في النبوات وهو لب علم الكلام.

قلنا: الواجب على الخلق الإيمان بهذه الأمور، والإيمان عبارة عن تصديق جازم لا تردد فيه ولا يشعر صاحبه بإمكان وقوع الخطأ فيه، وهذا التصديق الجازم يحصل على ست مراتب.

الأولى: وهي أقصاها، ما يحصل بالبرهان المستقصى المستوفي شروطه المحرر أصوله ومقدماته درجة درجة وكلمة كلمة حتى لا يبقى مجال احتمال وتمكن التباس، وذلك هو الغاية القصوى، ربما يتفق ذلك في كل عصر لواحد أو اثنين ممن ينتهي إلى تلك الرتبة، وقد يخلو العصر عنه، ولو كانت النجاة مقصورة على مثل المعرفة لقلت النجاة وقل الناجون.

الثانية: أن يحصل بالأدلة الوهمية الكلامية المبنية على أمور مسلمة مصدق بها لإشهارها بين أكابر العلماء وشناعة إنكارها ونفرة النفوس عن إبداء المراء فيها، وهذا الجنس أيضاً يفيد في بعض الأمور وفي حق بعض الناس تصديقاً جازماً بحيث لا يشعر صاحبه بإمكان خلافه أصلاً.

الثالثة: أن يحصل التصديق بالأدلة الخطابية، أعني القدرة التي جرت العادة باستعمالها في المحاورات والمخاطبات الجارية في العادات، وذلك يفيد في حق الأكثرين تصديقاً ببادئ الرأي وسابق الفهم إن لم يكن الباطن مشحوناً بالتعصب وبرسوخ اعتقاد على خلاف مقتضى الدليل، ولم يكن المشنع مشغوفاً بتكليف المماراة والتشكك ومنتجعاً بتحديق المجادلين في العقائد، وأكثر أدلة القرآن من هذا الجنس، فمن الدليل الظاهر المقيد للتصديق قولهم: لا ينتظم تدبير المنزل بمدبرين، فلو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فكل قلب بَاقٍ على الفطرة غير مشوش بمماراة يسبق من هذا الدليل إلى فهمه تصديق جازم بوحدانية الخالق، لكن لو شوشه مجادل وقال: لم يبعد أن يكون العالم بين إلهين يتوافقان

صفحة 352

على التدبير ولا يختلفان فإسماعه هذا القدر يشوش عليه تصديقه، ثم ربما يعسر سَلُّ هذا السؤال ودفعه في حق بعض الأفهام القاصرة فيستولي الشك ويتعذر الرفع، وكذلك من الجلي أن من قدر على الخلق فهو على الإعادة أقدر، كما قال: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 79]. فهذا لا يسمعه أحد من العوام ذكي أو غبي إلا ويبادر إلى التصديق، ويقول: نعم ليست الإعادة بأعسر من الابتداء بل أهون، ويمكن أن يشوش عليه بسؤال ربما يعسر عليه فهم جوابه، والدليل المستوفى هو الذي يفيد التصديق بعد تمام الأسئلة وجوابها بحيث لا يبقى للسؤال مجال والتصديق يحصل قبل ذلك.

الرابعة: التصديق لمجرد السماع ممن حسن الاعتقاد فيه بسبب كثرة ثناء الخلق عليه، فإن من حسن اعتقاده في أبيه وأستاذه أو في رجل من الأفاضل المشهورين قد يخبره عن شيء كموت شخص أو قدوم غائب أو غيره، فيسبق إليه اعتقاد فيه، فالمجرب بالصدق والورع والتقوى مثل الصّدّيق رضي الله عنه إذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، فكم من مصدق به جزماً وقابل له قبولاً مطلقاً لا مستند لقوله إلا حسن اعتقاده فيه، فمثله إذا لقن العامي اعتقاداً وقال له: اعلم أن خالق العالم واحد قادر وأنه بعث محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً بادر إلى التصديق ولم يمازجه ريب ولا شك في قوله، وكذلك اعتقاد الصبيان في آبائهم ومعلميهم فلا جرم يسمعون الاعتقادات ويصدقون بها ويستمرون عليها من غير حاجة إلى دليل وحجة.

الرتبة الخامسة: التصديق به الذي يسبق إليه القلب عند سماع الشيء مع قرائن أحوال لا تفيد القطع عند المحقق، ولكن يلقى في قلب العوام اعتقاداً جازماً، كما إذا سمع بالتواتر مرض رئيس البلد ثم ارتفع صراخ وعويل من داره، ثم يسمع من أحد غلمانه أنه قد مات، اعتقد العامي جزماً أنه مات وبنى عليه تدبيره، ولا يخطر بباله أن الغلام ربما قال ذلك عن إرجاف سمعه، وأن الصراخ والعويل لعله عن غشية أو شدة مرض أو سبب آخر، لكن هذه خواطر بعيدة لا تخطر للعوام فتنطبع في قلوبهم الاعتقادات الجازمة، وكم من أعرابي نظر إلى أسارير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى حسن كلامه ولطف شمائله وأخلاقه فآمن به وصدقه جزماً لم يخالجه ريب من غير أن يعالجه بمعجزة يقيمها ويذكر وجه دلالتها.

الرتبة السادسة: أن يسمع القول فيناسب طبعه وأخلاقه، فيبادر إلى التصديق لمجرد موافقته لطبعه لا من حسن اعتقاده في قائله، ولا من قرينة تشهد له، لكن لمناسبة ما في طباعه، فالحريص على موت عدوه وقتله وعزله يصدق جميع ذلك بأدنى إرجاف ويستمر على اعتقاده جازماً، ولو أخبر بذلك في حق صديقه أو بشيء يخالف شهوته وهواه توقف فيه أو أباه كل الإباء، وهذه أضعف التصديقات وأدنى الدرجات لأن ما قبله استند إلى دليل

صفحة 353

ما، وإن كان ضعيفاً من قرينة أو حسن اعتقاد في المخبر أو نوع من ذلك وهي أمارات يظنها العامي أدلة فتعمل في حقه عمل الأدلة، فإذا عرفت مراتب التصديق، فاعلم أن مستند إيمان العوام في هذه الأسباب وأعلى الدرجات في حقه أدلة القرآن وما يجري مجراه مما يحرك القلب إلى التصديق، ولا ينبغي أن يُجَاوَزَ بالعامي إلى ما وراء أدلة القرآن وما في معناه من الجليات المسكنة للقلوب المستجرة لها إلى الطمأنينة والتصديق وما وراء ذلك ليس على قدر طاقته، وأكثر الناس آمنوا في الصبا وكان سبب تصديقهم مجرد التقليد للآباء والمعلمين لحسن ظنهم بهم، وكثرة ثنائهم على أنفسهم، وثناء غيرهم عليهم، وتشديدهم النكير بين أيديهم على مخالفيهم، وحكايات أنواع النكال النازل بمن لا يعتقد اعتقادهم، وقولهم إن فلاناً اليهودي في قبره مسخ كلباً، وفلاناً الرافضي انقلب خنزيراً، أو حكايات منامات وأحوال هذا الجنس ينغرس في نفوس الصبيان النفرة عنه والميل إلى ضده حتى يُنزع الشَّكُّ بالكلية عن قلبه، فالتعلم في الصغر كالنقش في الحجر، ثم يقع نشوءُه عليه، ولا يزال يؤكد ذلك في نفسه، فإذا بلغ استمر على اعتقاده الجازم تصديقه المحكم الذي لا يخالجه فيه ريب، ولذلك ترى أولاد النصارى والروافض والمجوس والمسلمين كلهم لا يبلغون إلا على عقائد آبائهم، واعتقاداتهم في الباطل والحق جازمة، لو قطعوا إرباً إرباً لما رجعوا عنها، وهم قط لم يسمعوا عليه دليلاً لا حقيقياً ولا رسمياً، وكذا ترى العبيد والإماء يُسْبَوْنَ من المشرك ولا يعرفون الإسلام، فإذا وقعوا في أسر المسلمين وصحبوهم مدة ورأوا ميلهم إلى الإسلام مالوا معهم واعتقدوا اعتقادهم وتخلقوا بأخلاقهم، وكل ذلك لمجرد التقليد والتشبيه بالتابعين، والطباعُ مجبولة على التشبيه لا سيما طباع الصبيان وأهل الشباب، فبهذا يُعرف أن التصديقَ الجازمَ غيرُ موقوف على البحث وتحرير الأدلة.

صفحة 353

فصل

لعلك تقول: لا أنكر حصول التصديق الجازم في قلوب العوام بهذه الأسباب، ولكن ليس من المعرفة في شيء، وقد كُلِّفَ الناسُ المعرفةَ الحقيقيةَ دون اعتقاد هو من جنس الجهل الذي لا يتميز فيه الباطل على الحق. فالجواب: أن هذا غلط ممن ذهب إليه، بل سعادة الخلق في أن يعتقدوا الشيء على ما هو عليه اعتقاداً جازماً لتنتقش قلوبهم بالصورة الموافقة لحقيقة الحق، حتى إذا ماتوا وانكشف لهم الغطاء فشاهدوا الأمور على ما اعتقدوها لم يفتضحوا ولم يحترقوا بنار الخزي والخجلة ولا بنار جهنم ثانياً، وصورة الحق إذا انتقش بها قلبه فلا نظر إلى السبب المفيد له دليل حقيقي أو رسمي أو إقناعي، أو قبول بحسن الاعتقاد في قائله أو قبول لمجرد التقليد من غير سبب، فليس المطلوب الدليل المقيد، بل الفائدة وهي

صفحة 354

حقيقية الحق على ما هي عليه، فمن اعتقد حقيقة الحق في الله وفي صفاته وكتبه ورسله واليوم الآخر على ما هو عليه فهو سعيد، وإن لم يكن بدليل محرر كلامي، ولم يكلف الله عباده إلا ذلك، وذلك معلوم على القطع بجملة أخبار متواترة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في موارد الأعراب عليه، وعرضه الإيمان عليهم وقبولهم ذلك وانصرافهم إلى رعاية الإبل والمواشي من غير تكليفه إياهم التفكر في المعجزة، ووجه دلالته، والتفكر في حدوث العالم وإثبات الصانع، وفي إدلة الوحدانية وسائر الصفات، بل الأكثر من أجلاف العرب لو كلفوا ذلك لم يفهموه ولم يدركوه بعد طول المدة، بل كان الواحد منه يحلّفه ويقول: آلله أرسلك رسولاً؟ فيقول: والله الله أرسلني رسولاً، وكان يصدقه بيمينه وينصرف، ويقول الآخر إذا قدم عليه ونظر إليه: والله ما هذا وجه كذاب، وأمثال ذلك مما لا يحصى، بل كل يسلم في غزوة واحدة في عصره وعصر أصحابه آلاف لا يفهم الأكثرون منهم أدلة الكلام، ومن كان يفهمه يحتاج إلى أن يترك صناعته ويختلف إلى مسلم مدة مديدة ولم ينقل قط شيء من ذلك، فعلم علماً ضرورياً أن الله تعالى لم يكلف الخلق إلا الإيمان والتصديق الجازم بما قاله كيفما حصل التصديق.

نعم، لا ينكر أن للعارف درجة على المقلد، ولكن المقلد في الحق مؤمن كما أن العارف مؤمن.

فإن قلت: فبم يميِّز المقلدُ بين نفسه وبين اليهود والمقلد؟

قلنا: المقلد لا يعرف التقليد ولا يعرف أنه مقلد، بل يعتقد في نفسه أنه محق عارف ولا يشك في معتقده ولا يحتاج مع نفسه إلى التمييز لقطعه بأن خصمه مبطل وهو محق، ولعله أيضاً يستظهر بقرائن وأدلة ظاهرة وإن كانت غير قوية يرى نفسه مخصوصاً بها ومميزاً بسببها عن خصومه، فإن كان اليهودي يعتقد في نفسه مثل ذلك فلا يشوش ذلك على المحق اعتقاده، كما أن العارف الناظر يزعم أنه يميز نفسه عن اليهودي بالدليل، واليهودي المتكلم الناظر أيضاً يزعم أنه مميز عنه بالدليل ودعواه ذلك لا يشك الناظر العارف، وكذلك لا يشكك المقلد القاطع، ويكفيه في الإيمان أن لا يشككه في اعتقاده معارضة المبطل كلامه بكلامه، فهل رأيت عامياً قط قد اغتم وحزن من حيث يعسر عليه الفرق بين تقليد اليهودي، بل لا يخطر ذلك ببال العوام، وإن خطر ببالهم وشوفهوا به ضحكوا من قائله وقالوا: ما هذا الهذيان؟ وكان به بين الحق والباطل مساواة حتى يحتاج إلى فرق فارق تبييناً أنه على الباطل، وإني على الحق، وأنا متيقن لذلك غير شاك فيه، فكيف أطلب الفرق حيث يكون الفرق معلوماً قطعاً من غير طلب، فهذه حالة المقلدين الموقنين وهذا إشكال لا يقع لليهودي المبطل لقطعه مذهبه مع نفسه، فكيف للمسلم المقلد الذي وافق اعتقاده ما هو

صفحة 355

الحق عند الله تعالى، فظهر بهذا عند القطع للمسلم المقلد الذي وافق اعتقاده ما هو الحق عند الله تعالى، فظهر بهذا على القطع أن اعتقاداتهم جازمة، وأن الشرع لم يكلفهم إلا ذلك.

فإن قيل: فإن فرضنا عامياً مجادلاً لجوجاً ليس يقلد وليس يقنعه أدلة القرآن ولا الأقاويل الجليلة المفرقة السابقة إلى الأفهام فماذا تصنع به؟

قلنا: هذا مريض مال طبعه عن صحة الفطرة وسلامة الخلقة الأصلية، فيُنظر في شمائله، فإن وجدنا اللجاج والجدل غالباً على طبعه لم نجادله، وطهرنا وجه الأرض عنه إن كان يجاحدنا في أصل من أصول الإيمان، وإن توسمنا فيه بالفراسة مخائل الرشد والقبول إن جاوزنا به من الكلام الظاهر إلى توفيق في الأدلة عاجلناه بما قدرنا عليه من ذلك، وداوينا بالجدال المر والبرهان الحلو، وبالجملة فنجتهد أن نجادله بالأحسن كما أمر الله تعالى. ورخصنا في القدر من المداواة لا تدل على فتح باب الكلام مع الكافة، فإن الأدوية يستعمل في حق المرضى وهم الأقلون، وما يعالج به المريض بحكم الضرورة يجب أن يوقى عنه الصحيح، والفطرة الصحيحة الأصلية معدة لقبول الإيمان دون المجادلة وتحرير حقائق الأدلة، وليس الضرر في استعمال الدواء مع الأصحاء بأقل من الضرر في إهمال المداواة مع المرضى، فليوضع كل شيء موضعه كما أمر الله تعالى به نبيه حيث قال: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]. والمدعو بالحكمة إلى الحق قوم، وبالموعظة الحسنة قوم آخرون، وبالمجادلة الحسنة قوم آخرون على ما فصلنا أقسامهم في كتاب القسطاس المستقيم فلا نطول بإعادته.

الباب الثالث في فصول متفرقة نافعة في هذا الفن
 
Top