هل عطل الأشاعرة صفات الله تعالى؟

صفحة 215

هل عطل الأشاعرة صفات الله تعالى؟

لقد مرّ معنا في هذا البحث اعتقاد الأشاعرة وتأويلهم لبعض الألفاظ التي يستحيل وصف الله تعالى بظاهرها وحقائقها التي يعهدها البشر من أنفسهم ومما حولهم، وهذا الذي ذهبوا إليه من التأويل هو عين ما كان يعرفه السلف الصالح ويعتقدونه، غير أن جمهورهم رضي الله عنهم أحجموا عن التصريح والتعيين حين احتمل اللفظ عندهم أكثر من معنى فتوقفـوا ورعاً وتهيّباً، ثم لعدم الحاجة إلى ذلك لسلامة عصرهم من البدع التي حدثت بعد، يشهد لهذا ما ذكرناه مراراً من تصريح البعض منهم بهذه المعاني التي قال بها الأشاعرة، ولو جاز وصف الأشاعرة بالتعطيل لأَخْذِهم بالتأويل لانسحب هذا الحكم على أجيال الصحابة والتابعيـن وتابعيهم.

ولقد نص العلماء على أن مذهب التأويل منقول عن السلف الصالح، وَأَخْذُ جمهورهم بمذهب التفويض – وهو ما يسميه العلماء تأويلاً إجمالياً – لا ينفي أَخْذَ جماعاتٍ منهم بالتأويل.

قال الإمام النووي – رحمه الله – مثبتاً التأويل للسلف الصالح (شرح مسلم 6/ 36) ما نصه:

(هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيه مذهبان مشهوران

صفحة 216

للعلماء…. ومختصرهما أن أحدهما وهو مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين… والثاني مذهب المتكلمين وجماعات من السلف وهو محكي عن مالك والأوزاعي أنها تتأولّ على ما يليق بها بحسب مواطنها) اهـ.

وقال الإمام الزركشي – رحمه الله تعالى – في النصـوص المتشـابهة (البرهان في علوم القرآن 2/ 207):

(اختلف الناس في الوارد منها في الآيات والأحاديث على ثلاث فرق:

أحدها: أنه لا مدخل للتأويل فيها، بل تجري على ظاهرها ولا تؤول… وهم المشبهة.

والثاني: أن لها تأويلاً ولكنّا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن التشبيه والتعطيل، ونقول لا يعلمه إلا الله. وهو قول السلف.

والثالث: أنها مؤوّلة، وأولوها على ما يليق به.

والأول باطل، والأخيران منقولان عن الصحابة… وممن نُقِلَ عنه التأويل عليّ وابن مسعود وابن عباس وغيرهم) اهـ.

وقال العلامة الشوكاني – رحمه الله تعالى – (إرشاد الفحول ص176):

(الفصل الثاني: فيما يدخله التأويل، وهو قسمان، أحدهما أغلب الفروع، ولا خلاف في ذلك، والثاني: الأصول كالعقائد

صفحة 217

وأصول الديانات وصفات الباري عزّ وجلّ.

وقد اختلفوا في هذا القسم على ثلاثة مذاهب).

ونقل المذاهب الثلاثة التي ذكرها الزركشي ثم قال:

(قال ابن برهان: الأول من هذه المذاهب باطل، والآخران منقولان عن الصحابة، وَنُقِلَ هذا المذهب الثالث عن عليّ وابن مسعود وابن عباس وأم سلمة) اهـ.

ويؤيد هذا أيضاً ما نقله العلماء عن بعض أئمة السلف من التأويلات لبعض نصـوص المتشابه، نذكر منها على سبيل الإجمال:

تأويل ابن عباس رضي الله عنهما للفظ الساق بشدة الأمر، وكذلك مجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة وسعيد بن جبير وغيرهم. (الطبري 29/ 38، القرطبي 18/ 249).

وتأويلهم للفظ الوجه في قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}.

قال مجاهد: قبلة الله. (الطبري 1/ 402).

وقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} قال مجاهد وأبو عبيدة والضحاك: إلا هو (القرطبي 13/ 322، الطبري 20/ 82، دفع شبه التشبيه ص113).

وقال أبو العالية وسفيان: إلا ما أريد به وجهه.

وقال الصادق: دينه.

وقال أبو عبيدة أيضاً: إلا جاهه. (القرطبي 13/ 322).

صفحة 218

وتأويل ابن جرير الطبري للاستواء بالعلو والسلطان (في تفسيره 1/ 192).

ويروى شيء قريب من هذا عن الحسن والثوري. (مرقاة المفاتيح 2/ 137، وتفسير العز بن عبد السلام 1/ 485-486).

وتأويل أحمد لقوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ} قال: جاء ثوابه. (ذكره ابن كثير من رواية البيهقي ثم نقل قول البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه. البداية والنهاية 10/ 327)، وهو مروي عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما. (تفسير النسفي 4/ 378، في هامش تفسير الخازن).

وتأويـل البخاري للضحك بالرحمة. (الأسماء والصفات للبيهقي ص470) وتأويـله لقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} قال: إلا ملكه. (الفتح 8/ 364).

وغير ذلك مما سيأتي بيانه وتفصيله في مبحث تأويلات السلف الصالح، وهي كثيرة جداً تزخر بها كتب التفسير والحديث وغيرها. وهو أمر ثابت لا سبيل إلى جحده، ولن يتأتى لمكابر إنكاره.

إن التعطيل كما هو واضح من تعريفه نفي صفات الباري سبحانه، والأشاعرة لم ينفوا صفة لله تعالى ثبتت بطريق صحيح، ومؤلفاتهم تشهد بهذا، غاية ما فعلوه أنهم حملوا هذه النصوص التي تقتضي ظواهرها وحقائقها تشبيه الله تعالى بخلقه على وجه تعرفه العرب لا ينافي تنزيه الله تعالى، وفرق كبير بين نفي ما أثبته الله تعالى كما فعل الجهمية، وبين إثباته ثم حمله على معنى لائق بالله تعالى مشهور في اللسان العربي بعد أن استحال الظاهر.

صفحة 219

ولنأخذ على ذلك مثالاً ليزداد الأمر وضوحاً، قال الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} فللاستواء في اللغة معانٍ كثيرةٌ ما بين حقيقة ومجاز، وكل ما كان حقيقة من معاني الاستواء لا يليق بالله تعالى، لأن الاستواء فعل حسِّي جسماني وكل ما كان من هذا القبيل ظاهره وحقيقته اللغوية قطعاً لا تليق بالله تعالى، ولهذا فإنه لا محيص من المصير إلى المعاني المجازية، وهذا ما فعله العلماء، فهم رحمهم الله عندما رأوا استحالة المعاني الحقيقية للاستواء في حق الله تعالى أثبتوا ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام، ثم نزَّهوا الله عن ظاهر اللفظ فنفوا الحقيقة اللغوية المعهودة بين الخلق، وقالوا استوي رَبُّنَا تعالى كما أخبر استواءً ليس كاستواء البشر – كما يتبادر من ظاهر اللفظ – استواءً منزهاً عن المماسَّة والحلول والاستقرار وغير ذلك من المعاني الباطلة.

وهذه نصوصهم في ذلك:

قال الإمام الغزالي – رحمه الله تعالى – (إحياء علوم الدين 1/ 90):

(وأنه تعالى مستوٍ على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده، استواءً منزّهاً عن المماسّة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته).

وقال أيضاً (الإحياء 1/ 108) (الأصل الثامن: العلم بأنه تعالى

صفحة 220

مستوٍ على عرشه بالمعنى الذي أراده الله تعـالى بالاستـواء وهو لا ينافي الكبريـاء ولا يتطرق إليه سمـات الحدوث والفناء) اهـ.

فبالله خبّرونا أي تعطيل في هذا؟!

وهل نُفِيَ هنا إلا ما يجب نفيه عن الله تعالى ويحرم إثباته؟!

فالأشاعرة لم يعطلوا صفة الاستواء، كلا، لكنهم نزهوا الله تعالى عن المعنى الحسي المحال للاستواء الذي هو الجلوس والاستقرار وهو المعنى الظاهر من اللفظ، ومثبته لا محالة واقع في التشبيه ومائل إليه، ولقد نصّ العلماء على أن الحمل على الظاهر تشبيه.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله تعالى – أثناء شرحه لحديث النزول (الفتح 3/ 36):

(وقد اختلف في معنى النزول على أقوال: فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته وهم المشبهة تعالى الله عن قولهم..) اهـ.

وقد نقلنا قول الإمام الزركشي والشوكاني في هذا المعنى قريباً.

قال الإمـام القرطبي – رحمه الله تعالى – عند تفسير قوله تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ} (18/ 216) ما نصّه: (قال المحققون: ءأمنتم من فوق السماء، كقوله تعالى {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ} أي فوقها، لا بالمماسّة والتحيز لكن بالقهر والتدبير… والأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة مشيرة إلى العلوّ لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل معاند،

صفحة 221

والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلوّ والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي… ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان) اهـ.

وقال الإمام الطبري رحمه الله تعالى (7/ 103) في تفسير قوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} ما نصّه: (فهو فوقهم بقهره إياهم وهم دونه) أي هم دونه من هذه الحيثية، لا من حيث الحس والمكان. فحمل الفوقية على فوقية القهر.

وقـال في تفسيـره للاستـواء (1/ 192): (علا عليهم علوّ ملك وسلطان لا علوّ انتقال وزوال) اهـ.

وقال الإمام القرطبي (6/ 399) في تفسير قوله تعالى {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}:

(ومعنى فوق عباده فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكــان) اهـ.

وقال الحافظ ابن حجر (الفتح 6/ 158):

(ولا يلزم من كون جهتي العلوّ والسفل محال على الله أن لا يوصف بالعلوّ، لأن وصفه بالعلوّ من جهة المعنى والمستحيل كون ذلك من جهة الحسّ) اهـ.

وقال أيضاً (الفتح 1/ 508) عند شرحه لحديث: (إن أحدكم إذا

صفحة 222

قام في صلاته فإنه يناجي ربه.. فإن الله في قبلته).

قال الحافظ: (فيه رَدَّ على من زعم أنه – تعالى – على العرش بذاته) اهـ.

وقال الإمام بدر الدين بن جماعة رحمه الله:

{ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ} ورد في خمس آيات وفي سادسة في طه {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} والقرآن نزل بلغة العرب ومعاني كلامهم وما كانوا يتعقلون من خطابهم).

ثم أخذ رحمه الله ببيان معاني الاستواء في اللغة، ثم قال:

(واتفق السلف وأهل التأويل على أن ما لا يليق من ذلك بجلال الرب تعالى غير مراد كالقعود والاعتدال، واختلفوا في تعيين ما يليق بجلاله من المعاني المحتملة كالقصد والاستيلاء، فسكت السلف عنه وأوّله المتأولون على الاستيلاء والقهر لتعالي الرب عزّ وجلّ عن سمات الأجسام من الحاجة إلى الحيّز والمكان، وكذلك لا يوصف بحركة أو سكون أو اجتماع وافتراق، لأن ذلك كله من سمات المحدثات وعروض الأعراض، والرب تعالى مقدس عنه، فقوله تعالى { اسْتَوَى} يتعين فيه معنى الاستيلاء والقهر لا القعود والاستقرار، إذ لو كان وجوده مكانياً أو زمانياً للزم قدم الزمان والمكان أو تقدّمهـما عليه تعالـى وكلاهما باطل… فإن قيل: نفي الجهة – أي حِسّاً – عن الموجود يوجب نفيه – أي الموجود – لاستحالة موجود من غير جهة. قلنا: الموجود قسمان: موجود لا

صفحة 223

يتصرف فيه الوهم والحس والخيال، ولا يقبل الاتصال والانفصال. وموجود يتصرف ذلك فيه ويقبله.

فالأول ممنوع الاستحالة – أي لا يستحيل وجوده بغير جهة – والرب تعالى لا يتصرف فيه ذلك، إذ ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر، فصحّ وجوده عقلاً من غير جهة ولا حيز، كما دلّ الدليل العقلي على وجوده مع نفي الجسمية والعرضية مع بُعد الفهم الحسي له، فكذلك دلّ على نفي الجهة والحيز مع بُعد الفهم والحس له… فإن قيل: قال الله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} وهذا ظاهر في الجهة، وكذلك قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} وقوله: {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} الآية. قلنا: ليس المراد بالغاية هنا غاية المكان، بل غاية انتهاء الأمور إليه، كقوله تعالى: {أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} و{إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ} وكقول الخليل: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ}… وهو كثير، فالمراد الانتهاء إلى ما أعدّه لعباده والملائكة من الثـواب والكرامة والمنزلة. فإن قيل: إنما يقال استولى لمن لم يكن مستولياً قبل، أو لمن كان له منازع فيما استولى عليه، أو عاجزاً ثم قدر. قلنا: المراد بهذا الاستيـلاء القـدرة التـامة الخـالية عن معـارض… فان قيـل: فالاستيـلاء – أي بهـذا المعنى – حاصل بالنسبة إلى جميع مخلوقاته، فما فائدة تخصيصه بالعرش. قلنا: خُصَّ بالذكر لأنه أعظم المخلوقات إجماعاً، كما خصّ بقوله: {رَبُّ الْعَرْشِ} وهو رب كل شيء، وإذا استولى على العرش المحيط بكل

صفحة 224

شيء استولى على الكل قطعاً. إذا ثبت ذلك فمن جعل الاستواء في حقه تعالى ما يفهم من صفات المحدثين، وقال: استوى بذاته، أو قال: استوى حقيقة، فقد ابتدع بهذه الزيادة التي لم تثبت في السنة ولا عن أحد من الأئمة المقتدى بهم) اهـ. (إيضاح الدليل ص101-107).

وقس على الاستواء جميع ما هو ثابت من نصوص الصفات، يثبتون كل ذلك بلا تشبيه ولا تمثيل، ويؤولون – إذا استحال الظاهر – بلا تعطيل، يثبتون ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان نبيّه صلى الله عليه وسلم بعد أن ينزهوه تعالى عن كل ما لا يليق به سبحانه من ظاهر اللفظ، وهذا القدر من معنى اللفظ هو المنفي عندهم لاستحالة أن يتصف الله تعالى به، وهو القدر الذي يجب نفيه، ومثبته لا محالة واقع في التشبيه أو التجسيم أو مائل إليه.

على أن التأويل ليس عنه محيص، وكل الذين يفرون منه مضطرون إليه لا محالة، وإلا فماذا عساهم أن يقولوا في مثل قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} وقوله سبحانه: {الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا}. فإنه يلزمهم أن يثبتوا نسياناً حقيقياً – لأنه أثبت تعالى لنفسه نسياناً – ولكنه ليس كنسيان البشر الذي نفاه ربنا عن نفسه بقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}.

وقوله عزّ وجلّ: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}.

وقوله سبحانه: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ

صفحة 225

إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا}.

وقوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}. وقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}. وقوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يملّ الله حتى تملّوا).

وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي حاكياً عن ربّه عزّ وجلّ: (.. ومن أتاني يمشي أتيته هرولة).

وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي حاكياً عن ربه تعالى: (عبدي مرضت فلم تعدْني).

وقوله صلى الله عليه وسلم: (فإن موسى الله أحدّ من موساك، وساعدَ الله أشدّ من ساعدك).

وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى حَيِيٌّ كريم يستحيي من عبده أن يرفع يديه فيردّهما صفراً ليس فيهما شيء).

وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يضحك…).

وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يغار…).

وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يعجب…). وغير ذلك من النصوص.

أتراهم يثبتون ظواهرها وحقائقها المعهودة المعروفة بين البشر أيضاً، فيقولون:

نثبت لله نسياناً حقيقياً ومكراً حقيقياً وخداعاً حقيقياً واستهزاءً حقيقياً ومرضاً حقيقياً وهرولة حقيقية وسـاعداً شديداً حقيقياً، وموسى

صفحة 226

حادّةً حقيقية، ومللاً حقيقياً، وعجباً وغيرةً وحيـاءً وتردداً وضحكاً ومعيّةً وقرباً بالذات والمسافات، كلّ ذلك على الحقيقة وكما يعهده البشر من لغاتهم. معاذ الله؟!!

ولا نظن أن أحداً يماري ويكابر في استحالة هذه الظواهر وفي نفيها عن الله تعالى، فكذا ظاهر الاستواء والنزول والمجيء ونحوها يجب نفيه ومنعه لاتحاد العلّة في الجميع وهي استحالة الظاهر والحقيقة.

قال الحافظ ابن عساكر – رحمه الله تعالى – (تبيين كذب المفتري ص388):

(فإنهم – يعني الأشاعرة – بحمد الله ليسوا معتزلة، ولا نفاة لصفات الله معطلة، لكنهم يثبتون له سبحانه ما أثبته لنفسه من الصفات، ويصفونه بما اتصف به في محكم الآيات، وبما وصفه به نبيّه صلى الله عليه وسلم في صحيح الروايات وينزهونه عن سمات النقص والآفات، فإذا وجدوا من يقول بالتجسيم أو التكييف من المجسمة والمشبهة، ولقوا من يصفه بصفات المحدثات من القائلين بالحدود والجهة فحينئذ يسلكون طريق التأويل، ويثبتون تنزيهه تعالى بأوضح الدليل، ويبالغون في إثبات التقديس له والتنزيه خوفاً من وقوع من لا يعلم في ظُلم التشبيه، فإذا أمنوا من ذلك رأوا أن السكوت أسلم، وترك الخوض في التأويل إلا عند الحاجة أحزم، وما مثالهم في ذلك إلا مثل الطبيب الحاذق الذي يداوي كلّ داء من الأدواء بالدواء الموافق، فإذا تحقق غلبة البرودة على المريض داواه بالأدوية الحارّة، ويعالجه

صفحة 227

بالأدوية الباردة عند تيقنه منه بغلبة الحرارة، وما هذا في ضرب المثال إلا كما رُوِيَ عن سفيان: إذا كنت بالشام فحدّث بفضائل عليّ رضي الله عنه، وإذا كنت بالكوفة فحدّث بفضائل عثمان رضي الله عنه.

وما مثال المتأوّل بالدليل الواضح إلا مثال الرجل السابح، فإنه لا يحتاج إلى السباحة ما دام في البر، فإن اتفق له في بعض الأحايين ركوب البحر، وعاين هوله عند ارتجاجه وشاهد منه تلاطم أمواجه، وعصفت به الريح حتى انكسر الفُلك، وأحاط به إن لم يستعمل السباحة الهُلك، فحينئذ يسبح بجهده طلباً للنجاة، ولا يلحقه فيها تقصير حُبّاً للحياة، فكذلك الموحّد ما دام سالكاً محجّة التنزيه، آمناً في عقده من ركوب لجّة التشبيه، فهو غير محتاج إلى الخوض في التأويل لسلامة عقيدته من التشبيه والأباطيل، فأما إذا تكدّر صفاء عقده بكدورة التكييف والتمثيل، فلا بدّ من تصفية قلبه من الكدر بمصفاة التأويل، وترويق ذهنه براووق الدليل، لتسلم عقيدته من التشبيه والتعطيل) اهـ.

وقال الإمام أبو نصر القشيري رحمه الله تعالى (إتحاف السادة المتقين 2/ 108):

(فإن قيل: أليس الله يقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}؟ فيجب الأخذ بظاهره.

قلنا: الله يقول أيضاً: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} ويقول تعالى: {أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} فينبغي أيضاً أن تأخذ بظاهر هذه الآيات حتى يكون – تعالى – على العرش وعندنا ومعنا ومحيـطاً بالعالم

صفحة 228

محدقاً به بالذات في حالة واحدة، والواحد يستحيل أن يكون بذاته في كلّ مكان. قالوا: قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ} يعني بالعلم، و{بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} إحاطة العلم.

قلنا: وقوله تعالى: {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} قهر وحفظ) اهـ.

وقال الإمام وحجّة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى (الإحياء 1/ 108):

(الأصل الثامن: العلم بأنه تعالى مستوٍ على عرشه بالمعنى الذي أراده الله تعالى بالاستواء، وهو الذي لا ينافي وصف الكبرياء، ولا يتطرق إليه سمات الحدوث والفناء، وهو الذي أريد بالاستواء إلى السماء حيث قال في القرآن: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ} وليس ذلك إلا بطريق القهر والاستيلاء..

واضطرّ أهل الحق إلى هذا التأويل كما اضطرّ أهل الباطل إلى تأويل قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} إذ حمل ذلك بالاتفاق على الإحاطة والعلم وحمل قولـه صلى الله عليه وسلم: (قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن) على القدرة والقهر، وحمل قوله صلى الله عليه وسلم: (الحجر الأسود يمين الله في أرضه) على التشريف والإكرام، لأنه لو ترك على ظاهره للزم منه المحال، فكذا الاستواء لو ترك على الاستقرار والتمكن لزم منه كون المتمكن جسماً مماسّاً للعرش إما أكبر منه أو أصغر، وذلك محال، وما يؤدّي إلى المحـال فهو محال) اهـ.

ولقد نقل العلماء الإجماع على أن هذه الظواهر غير مرادة للشارع،

صفحة 229

من ذلك ما ذكره الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن القطان الفاسي – رحمه الله تعالى – حيث قال: (الإقناع في مسائل الإجماع 1/ 32-34):

(وأجمعوا أنه تعالى يجيء يوم القيامة والملك صفاً صفاً لعرض الأمم وحسابها وعقابها وثوابها، فيغفر لمن يشاء من المؤمنين ويعذب منهم من يشاء كما قال تعالى، وليس مجيئه بحركة ولا انتقال.

وأجمعوا أنه تعالى يرضى عن الطائعين له، وأن رضاه عنهم إرادته نعيمهم.

وأجمعوا أنه يحب التوّابين ويسخط على الكـافرين ويغضب عليهم، وأن غضبه إرادته لعذابهم، وأنه لا يقوم لغضبه شيء) اهـ.

أتراهم أجمعوا على باطل حين أجمعوا على نفي الظاهر المحال في لفظ المجيء والرضا والغضب؟! وهل تجتمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة وبدعة؟! أم تراهم عطلوا صفات الباري عز وجل؟!

وقد مَرَّ معنا قول القاضي عياض (شرح مسلم 5/ 24):

(لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم ومحدثهم ومتكلمهم ونظارهم ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السمـاء كقوله تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ} ونحوه ليست على ظاهرها بل متأوّلة عند جميعهم) اهـ.

وقال الإمام الزاهد القدوة أبو عمرو الداني رحمه الله تعالى (الرسالة الوافية لمذهب أهل السنة في الاعتقادات ص124):

صفحة 230

(إن الله تعالى لم يزل مريداً، وشائياً، ومحبّاً، ومبغضاً، وراضياً، وساخطاً، وموالياً ومعادياً، ورحيماً، ورحماناً، وأن جميع هذه الصفات راجعة إلى إرادته في عباده، ومشيئته في خلقه لا إلى غضب يغيّره، ورضاً يسكن طبعاً له، وحنق وغيظ يلحقه، وحقد يجده، وأنه تعالى رَاضٍ في أزله عمّن علم أنه بالإيمان يختم عمله ويوافي به، وغضبان على من يعلم أنه بالكفر يختم عمله ويكون عاقبة أمره) اهـ.

وقال أيضاً في نزول الربّ جلّ وعزّ (ص135):

(ونزوله تبـارك وتعـالى كيف شـاء، بلا حدّ، ولا تكييـف، ولا وصف بانتقال ولا زوال) اهـ.

وقال – رحمه الله تعالى – في استوائه تعالى (ص130):

(واستواؤه جلّ جلاله علوّه بغير كيفية ولا تحديد ولا مجاورة ولا مماسة) اهـ.

فهل كان هؤلاء الأئمة معطلين حين صرفوا هذه الألفاظ عن ظاهرها، وحملوها على المجازات والاستعارات؟!

بهذا تعلم – تولّى الله هدانا وهداك – أن التعطيل الذي يُرمى به الأشاعرة والماتريدية وهم جماهير أعلام الأمة إنما هو عين التقديس والتنزيه، والذي يرفض ما ذهبوا إليه، ويصرّ على إثبات ما نفوه يقع حتماً بالتجسيم والتشبيه، إذ إن هذا القدر من معنى اللفظ الذي نفاه الأشاعرة ونزهوا الله تعالى عنه يحرم إثباته ووصفُ الله تعالى

صفحة 231

به لما يلزم منه من اللوازم الباطلة المحالة.

وعلى الجملة فأقوال سلف الأمة وخلفها مطبقة على تنزيـه الله تعالى عن هذه الظواهر المحالة، وفي ما نقلناه مقنع لمن أنصف.

نخلص من هذا إلى أن التأويل بشرطه وضوابطه شعارٌ سُنِّيٌّ ومنهج شرعي أصيل لا مناص من الأخذ به لفهم كتاب الله تعالى وسنة نبيّه صلى الله عليه وسلم، وليس شعاراً للبدعة والضلالة أو التعطيل، وأن من يحمل المتشابه من نصوص الصفات على الظواهر المعهودة لدى الخلق هو الواقع في التعطيل، لأنه عطل المعنى المفهوم من النص وصدف به عن القصد.

أهل السنة الأشاعرة شهادة علماء الأمة وأدلتهم
هل عطل الأشاعرة صفات الله تعالى؟
 
Top