كتاب الإبانة نظرة فاحصة

صفحة 58

الردّ على القضية الثالثة:

كتاب الإبانة هو دليل ومعتمد من يقول بمرور الإمام الأشعري بثلاث مراحل في حياته، والذي لا ريب فيه أن الإمام قد سلك في هذا الكتاب وفي غيره من الرسائل التي نسبت له أسلوباً مختلفاً في التأليف، فهو في الغالب قد سلك مسلك جمهور السلف في المتشابهات، نعني بذلك أنه قد أخذ بطريق التفويض، ففهم البعض

صفحة 59

من ذلك أن الإمام قد رجع عن طريق ابن كلاب الذي كان عليه إلى طريق السلف!

ونحن قد أثبتنا في الحديث حول القضية الثانية أن ابن كلاب لم يكن مخالفاً للسلف بل هو منهم وعلى طريقهم وسالكٌ لمسلك التفويض كما مر من قول الحافظ ابن حجر في الرد على ابن النديم حين وصف ابن كلاب بأنه من الحشوية، قال: (يريد من يكون على طريق السلف في ترك التأويل… ويقال لهم المفوضة) ا.هـ (لسان الميزان 3/ 291)، وهذا كافٍ في الردِّ لمن تأمل وأنصف.

لكننا نزيد على ذلك ونقول:

إن كتاب الإبانة الذي هو معتمد أصحاب هذه الدعوى، وهو الدليل عندهم على رجوع الإمام عن طريق ابن كلاب، نقول: إن هذا الكتاب بذاته ينقض دعوى رجوع الإمام عن هذا الطريق، لأنه مؤلَّف على طريقة ابن كلّاب وعلى منهجه، فكيف يرجع عن طريق ابن كلاب ثم يؤلف آخر كتبه على طريقته؟!

قال الحافظ ابن حجر في (لسان الميزان 3/ 291) (وعلى طريقته – يعني ابن كلّاب – مشى الأشعري في كتاب الإبانة) اهـ.

وهذا يزيدنا يقيناً على يقين بأن الإمام ابن كلاب كان على طريق السلف الصالح ومن أئمتهم، لأن الإبانة التي ألَّفها الإمام الأشعري في آخر حياته على منهج السلف هي مؤلَّفة على طريقة الإمام ابن كلاب، وهذا يقتضي قطعاً أن طريق السلف وطريق ابن كلاب هما في حقيقة

صفحة 60

الأمر طريق واحد وهو ما كان عليه الإمام الأشعري بعد رجوعه عن الاعتزال.

أي أن الإمام لم يمرَّ بثلاث مراحل في حياته، بل هما مرحلتان فقط، مرحلة الاعتزال ثم أعقبتها مرحلة العودة إلى طريق السلف التي كان عليها ابن كلاب والمحاسبي والقلانسي والكرابيسي والبخاري ومسلم وأبو ثور والطبري وغيرهم، وهي المرحلة التي ألَّف الإمام فيها كتاب الإبانة.

ويُروى أن الإمام الأشعري عندما ألَّف الإبانة رفضها بعض حنابلة[1] بغداد تعصّبـاً ولـم يقبلـوها منـه (انظر سير أعلام النبلاء 15/ 90، طبقات الحنابلة 2/ 18، الوافـي بالوفيات 12/ 146) ولعل هـذا يؤيد ما مرَّ من أن الإبانة مؤلَّفة على طريقة ابن كلاب الذي هجره بعض الحنابلة

صفحة 61

فيمن هجروه من الأئمة لأجل مسألة اللفظ وأخذهم بعلم الكلام للرد على المخالفين من المعتزلة وغيرهم.

وهذا الذي ذكرناه عن كتاب الإبانة، إنما أردنا به الإبانة التي صنّفها الإمام، وليست الإبانة المتداولة والمطبوعة اليوم، وذلك لما حدث على هذا الكتاب من التحريف والنقص والزيادة.

قال العلامة الكوثري رحمه الله تعالى في مقدمة كتاب “تبيين كذب المفتري”:

(والنسخة المطبوعة في الهند من الإبانة نسخة مصحفة محرفة تلاعبت بها الأيدي الأثيمة، فيجب إعادة طبعها من أصل موثوق) اهـ.

وقال أيضاً (مقدمته على كتاب إشارات المرام من عبارات الإمام للعلامة البياضي):

(ومن العزيز جِدّاً الظفر بأصلٍ صحيح من مؤلفاته على كثرتها البالغة، وَطَبْعُ كتاب الإبانة لم يكن من أصل وثيق، وفي المقالات المنشورة باسمه وقفة) اهـ. (وانظر أيضاً تعليقه على السيف الصقيل ص155-196).

وهذا أيضاً ما ذهب إليه الدكتور عبد الرحمن بدوي مؤيداً للعلامة الكوثري (مذاهب الإسلاميين 1/ 516) قال:

(وقد لاحظ الشيخ الكوثري بحق أن النسخة المطبوعة في الهند تلاعبت بها الأيدي الأثيمة..) اهـ.

صفحة 62

كما لاحظ ذلك غيرهم من الدارسين (انظر مذاهب الإسلاميين 1/ 517 وما بعدها).

وللشيخ وهبي غاوجي حفظه الله رسالة في هذا الموضوع بعنوان “نظرة علمية في نسبة كتاب الإبانة جميعه إلى الإمام أبي الحسن” أتى فيها بأدلة موضوعية تدل على أن قسماً كبيراً مما في الإبانة المتداولة اليوم بين الناس لا يصح نسبته للإمام الأشعري.

وقد طبع كتاب الإبانة طبعة قوبلت على أربع نسخ خطية بتحقيق الدكتورة فوقية حسين، وهي طبعة وإن كانت أحسن حالاً من المطبوعة قبلُ إلا أنها لم تخلُ من التحريف والنقص والزيادة أيضاً، وهذا لعله يصحح ما ذهب إليه العلامة الكوثري رحمه الله تعالى حين قال (ومن العزيز جِدّاً الظفر بأصلٍ صحيح من مؤلفاته على كثرتها البالغة).

وقد نقل الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى في كتاب تبيين كذب المفتري فصلين من الإبانة، وعند مقارنة الإبانة المطبوعة المتداولة مع طبعة الدكتورة فوقية مع الفصلين المنقولين عند ابن عساكر يتبين بوضوح قدر ذلك التحريف الذي جرى على هذا الكتاب.

 

  1. [1] قيدنا هذا الرفض بأنه من بعض الحنابلة، لأنه لم تزل طائفة كبيرة من الحنابلة يوالون الإمام الأشعري ويحبونه وينتسبون إليه، قال الحافظ ابن عساكـر في “التبيين” ص389 أثناء ردّه على الأهوازي الذي استشهد بالقصة من أجل إثبات رفض الحنابلة للإمام الأشعري ولكتابه الإبانة، ما نصّه: (فلو كان الأمر كما قال لنقلوه عن أشياخهم وأظهروه، ولم أزل أسمع ممن يوثق به أنه – الإمام – كان صديقاً للتميميين سلف أبي محمد رزق الله بن عبد الوهاب ابن عبد العزيز بن الحارث، وكانوا له مكرمين، وقد ظهر أثر بركة تلك الصحبة على أعقابهم، حتى نسب إلى مذهبه أبو الخطاب الكلوذاني من أصحابهم، وهذا تلميذ أبي الخطاب أحمد الحربي يخبر بصحة ما ذكرته وينبي، وكذلك كان بينهم وبين صاحبه أبي عبد الله بن مجاهد وصاحب صاحبه أبي بكر بن الطيب – الباقلاني – من المواصلة والمؤاكلة ما يدلّ على الاختلاق من الأهوازي..) اهـ. وانظر أيضاً ص163 من نفس الكتاب.
أهل السنة الأشاعرة شهادة علماء الأمة وأدلتهم
كتاب الإبانة نظرة فاحصة
 
Top