قاعدة عظيمة في نصوص المتشابه

صفحة 185

وللإمام الأُبّي – رحمه الله تعالى – كـلام يعتبر قـاعدة ذهبية في هذا الباب، قال رحمه الله (شرح مسلم 7/ 54):

(القاعدة التي يجب اعتبارها أن ما يستحيل نسبته للذات أو الصفات يستحيل أن يرد متواتراً في نص لا يحتمل التأويل، وغاية المتواتر أن يرد فيما دلالته على المحال دلالة ظاهرة، والظاهر يقبل التأويل، فإن ورد فيجب صرف اللفظ عن ظاهره المستحيل، ثم اختلف، فوقف أكثر السلف عن التأويل، وقالوا نؤمن به على ما هو عند الله سبحانه في نفس الأمر، وَنَكِلُ علم ذلك إلى الله سبحانه، وقال قوم بل الأولى التأويل… وإن ورد خبر واحد نصاً في محال قطع بكذب راويه، وإن كان محتملاً للتأويل يتصرف فيه كما سبق) اهـ.

وهذا كلام محكم نفيس في عبارة موجزة شاملة.

صفحة 186

وقوله رحمه الله: (وإن ورد… قطع بكذب راويه) لأنه ظني عارض القطعي، وقد ثبت بالقطعي من دليل النقل والعقل أنه تعالى ليس كمثله شيء، فكل خبر يأتي على خلاف ذلك يقطع بكذب راويه، لأن أدلة الشرع تتعاضد ولا تتضاد.

ومن اطلع على كتب التراث الإسلامي لأئمة الإسلام وجد ما لا يدخل تحت الحصر من هذه النصوص التي اكتفينا هنا بذكر شذرة منها، مما يدفع العاقل الأريب إلى الإيقان بصحة هذا المنهج الذي اجتمعت عليه الأمة.

قال الشيخ الزرقاني في “مناهل العرفان” (2/ 286) ما نصه:

(علماؤنا أجزل الله مثوبتهم قد اتفقوا على ثلاثة أمور تتعلق بهذه المتشابهات، ثم اختلفوا فيما وراءها:

فأول ما اتفقوا عليه: صرفها عن ظواهرها المستحيلة، واعتقاد أن هذه الظواهر باطلة بالأدلة القاطعة وبما هو معروف عن الشارع نفسه في محكماته.

ثانيه: أنه إذا توقف الدفاع عن الإسلام على التأويل لهذه المتشابهات وجب تأويلها بما يدفع شبهات المشتبهين ويرد طعن الطاعنين.

ثالثه: إن المتشابه إن كان له تأويل واحد يفهم منه قريباً وجب القول به إجماعاً، وذلك كقوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} فإن الكينونة بالذات مع الخلق مستحيلة قطعاً، وليس لها بعد ذلك إلا

صفحة 187

تأويل واحد، هو الكينونة معهم بالإحاطة علماً وبصراً وقدرة وإرادة.

وأما اختلاف العلماء فيما وراء ذلك فقد وقع على ثلاثة مذاهب) اهـ.

فعد مذهب التفويض ومذهب التأويل، ثم جعل للإمام ابن دقيق العيد مذهباً ثالثاً متوسطاً بين المذهبين لقوله (الفتح 13/ 395) (نقول في الصفات المشكلة إنها حق وصدق على المعنى الذي أراده الله، ومن تأولها نظرنا، فإن كان تأويله قريباً على مقتضى لسان العرب لم ننكر عليه، وإن كان بعيداً توقفنا عنه ورجعنا إلى التصديق مع التنزيه)، وهو في حقيقة الأمر داخل ضمن مذهب التأويل، لأنه ليس من أهل السنة أحد إلا وهو متفق معه على ما ذهب إليه من رفض التأويلات البعيدة التي ليست على مقتضى لسان العرب.

وقال الشيخ العلامة محمد الحامد – رحمه الله تعالى – (ردود على أباطيل 2/ 10):

(النصوص السمعية المحكمة أي الواضحة المعنى هي الأصل الذي يجب أن يُحمل عليه المتشابه، أي الذي يسبق إلى الوهم معنى التشبيه منه {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} أي آمنا به جميعاً محكمِه ومتشابهِه، لكن إيمانهم بالمتشابه لا ينقض إيمانهم بالمحكم الذي هو الأصل،

صفحة 188

فهم لا يشبهون الله بخلقه، بل يكلون العلم بمعنى المتشابه إلى الله عز وجل معتقدين أن له معنى شريفاً يليق به سبحانه، فلا هم بالمعطلين للنصوص ولا هم بالمشبهين، ومذهبهم وسط بين الطائفتين الشاذتين عن سبيل أهل الحق وهما المعطلة والمشبهة. وعلى هذا درج سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم ولو ذهبت أسرد لك كلماتهم في هذا لطال بي القول وامتد الكلام، لكن لما ظهرت البدعة وتطلعت رؤوس أهل الزيغ وصاروا يشوشون على المسلمين عقائدهم، خشي علماء المسلمين على العقائد أن يلحقها لوث وفساد فاعتمدوا تأويل النصوص المتشابهة في إطار اللغة العربية وضمن سور الشريعة) اهـ.

وقوله رحمه الله: (لكن إيمانهم بالمتشابه لا ينقض إيمانهم بالمحكم الذي هو الأصل) واضح في الرد على من حمل المتشابه على مقتضى الحس، فهؤلاء بدلاً من أن يحملوا المتشابه على المحكم ويرجعوه إليه، فعلوا العكس، فنقضوا بفعلهم هذا إيمانهم بالمحكم من مثل قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.

وقال الداعية الكبير سيد قطب رحمه الله تعالى (في ظلال القرآن، سورة الحديد):

(وكذلك العرش فنحن نؤمن به كما ذكره، لا نعلم حقيقته، أما الاستواء على العرش فنملك أن نقول إنه كناية عن الهيمنة على هذا الخلق، استناداً إلى ما نعلمه من القرآن عن يقين من أن الله سبحانه لا

صفحة 189

تتغير عليه الأحوال، فلا يكون في حالة عدم استواء على العرش ثم تتبعها حالة استواء، والقول بأننا نؤمن بالاستواء ولا ندرك كيفيته لا يفسرقوله تعالى {ثُمَّ اسْتَوَى}، والأولى أن نقول: إنه كناية عن الهيمنة كما ذكرنا، والتأويل هنا لا يخرج على المنهج الذي أشرنا إليه آنفاً، لأنه لا ينبع من مقررات وتصورات من عند أنفسنا) اهـ.

وقال أيضاً عند قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (الظلال 4/ 2328): (والاستواء على العرش كناية عن غاية السيطرة والاستعلاء) اهـ.

وبالجملة، فإن منهج سيد قطب رحمه الله تعالى في الظلال دائر بين التأويل الذي أخذ به أولاً قبل العودة على الظلال بالتنقيح، وبين التفويض الذي آل إليه رأيه أخيراً، وكلا الطريقين حق، بل إن طريق التفويض الذي كان عليه جمهور السلف الصالح أولى بالاتباع ما لم تدعُ حاجة إلى التأويل.

وهذا الذي آل إليه رأي سيد قطب رحمه الله تعالى هو من قبيل ما يُنسب إلى بعض الأئمة مثل الإمام الجويني والرازي والغزالي وغيرهم، فَفَهِمَ البعض منه أنهم هجروا منهج الإمام الأشعري، وقد رَدَدْنَا هذا الفهم وَبَيَّنَّا بطلانه، كما بيَّنا أيضاً أن منهج الأشعري تفويض وتأويل، وأنهم تركوا التأويل ورجعوا إلى التفويض الذي كان عليه جمهور السلف، وذكرنا أنه ليس بين المسلكين تناقض، إذ كلاهما قائل بتنزيه الله تعالى عن سمات النقص والحدوث، وكلاهما مؤوّل، فالسلف أوّلوا إجمالاً، والخلف أوّلوا تفصيلاً.

صفحة 190

وقال الشيخ عمر التلمساني رحمه الله تعالى (بعض ما علمني الإخوان ص17) في قوله تعالـى: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}: (إن هذه اليمين التي تشير إليها الآية الكريمة هي التمكن من طي السموات والأرض، أي القدرة التي تفعل ما تشاء كيفما تشاء عندما تشاء) اهـ.

وكذا قال سيد قطب عند هذه الآية (الظلال 5/ 3062):

(وكل ما ورد في القرآن والحديث من هذه الصور والمشاهد إنما هو تقريب للحقائق التي لا يملك البشر إدراكها بغير أن توضع لهم في تعبير يدركونه، وفي صورة يتصورونها، ومنه هذا التصوير لجانب من حقيقة القدرة المطلقة التي لا تتقيد بشكل ولا تتحيز في حيز ولا تتحدد بحدود) اهـ.

وقال الإمام الداعية حسن البنا رحمه الله (مجموعة رسائل الإمام ص411):

(انقسم الناس في هذه المسألة على أربع فرق:

الأولى: أخذت بظواهرها كما هي فنسبت إلى الله وجهاً كوجوه الخلق ويداً أو أيدٍ كأيديهم وضحكاً كضحكهم… وهؤلاء هم المجسمة والمشبهة، وليسوا من الإسلام في شيء، وليس لقولهم نصيب من الصحة.

والثانية: عطلت معاني هذه على أي وجه، يقصدون بذلك نفي مدلولاتها عن الله تبارك وتعالى فالله تبارك وتعالى عندهم لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر… وهؤلاء هم المعطلة ويطلق عليهم بعض علماء

صفحة 191

تاريخ العقائد الإسلامية الجهمية… هذان رأيان باطلان لا حظ لهما من النظر.

وبقي أمامنا رأيان هما محل أنظار العلماء في العقائد وهما رأي السلف والخلف.

مذهب السلف: نؤمن بهذه الآيات والأحاديث كما وردت ونترك بيان المقصود منها لله تبارك وتعالى، فهم يثبتون اليد والعين والأعين والاستواء والضحك والتعجب… الخ، وكل ذلك بمعانٍ لا ندركها، ونترك لله تبارك وتعالى الإحاطة بعلمها…

أما الخلف: فقد قالوا إننا نقطع بأن معاني ألفاظ هذه الآيات والأحاديث لا يراد بها ظواهرها، وعلى ذلك فهي مجازات لا مانع من تأويلها…) اهـ.

ثم قال رحمه الله تعالى:

(بين السلف والخلف: قد علمت أن مذهب السلف في الآيات والأحاديث التي تتعلق بصفات الله تبارك وتعالى أن يُمِرّوها على ما جاءت عليه ويسكتوا عن تفسيرها أو تأويلها، وأن مذهب الخلف أن يؤولوها بما يتفق مع تنزيه الله تبارك وتعالى عن مشابهة خلقه) اهـ.

ثم بين رحمه الله تعالى أن كلا المذهبين حق ولا يستلزم اختلافهم تكفيراً ولا تفسيقاً.

وهو كما قال رحمه الله إذ لا خلاف بين السلف والخلف في هذا الباب، وإنما هو اختلاف جائز مباح، فَرَضَهُ اختلاف الظروف التي كان يعيشها كل من السلف والخلف، فزمن السلف كان خاليـاً من بدعة القول بالظاهر والتجسيم فاقتضى ذلك أن يتوقفوا ولا يقدموا

صفحة 192

على تفسير هذه النصوص، بخلاف أزمنة الخلف التي شاعت فيها مقالات المبطلين مما دعاهم إلى التصريح بالتأويل.

ولكن الخلاف الحقيقي هو الواقع بين السلف والخلف من جانب ومن يحملون هذه النصوص على ظواهرها وعلى مقتضى الحس من جانب آخر.

إن السلف الصالح والخلف متفقون جميعاً على صرف هذه النصوص عن ظاهرها المحال في حق الله تعالى، بل الأمة مجمعة على ذلك، كيف لا وهذه الظواهر منفية عن الله تعالى بالقطعي من الأدلة النقلية والعقلية، وهؤلاء الذين يصرون على إثبات هذه الظواهر المستلزمة لمعانٍ باطلة ولوازم مستحيلة، لا يختلفون معنا في كون هذه اللوازم الباطلة من الجسمية والحد ونحوها منفية عن الله تعالى، إلا أنهم يجهلون أن إثبات الحقائق اللغوية المعهودة والظواهر المتبادرة من المتشابه يستلزم إثبات ما قد نفوه وأجمعت الأمة على نفيه وعلى تنزيه الله تعالى عنه وهو الحد والتحيز والجسمية ونحوها، وكونهم لا يقرون بهذه اللوازم أمرٌ لا يُقضى منه العجب، لأن إثبات الملزوم وهو المعنى الظاهر هنا ثم نفي اللازم وهو الجسمية ونحوها لا يعقل لأنه لازم لا ينفكّ.

وإذا قيل لهم: إن هذه الألفاظ إنما وضعت للدلالة على المخلوق، وأنه لا يفهم منها إذا حملت على الظاهر إلا ذلك. قالوا: إن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أثبتم ذاتاً لا كالذوات متصفة بالحياة والعلم والسمع والبصر، وغيرها مما أطلقتم

صفحة 193

عليه صفات المعـاني، ولم تؤولوا شيئاً منها، أثبتوا له تعـالى استواء ووجهاً ويداً وضحكاً ومللاً وأصبعاً.. الخ على الحقيقة وبلا تأويل!!

وهذه مغالطة وكلام يوهم ظاهره أنه حق، وقد يلتبس عند الخاطر الأول على من لم يدقق ويمعن النظر، ولكن مع قليل من التروي ينجلي للعقل فساد باطنه.

وقضية هذا الكلام التسوية بين ما يعرف بصفات المعاني وهذه الألفاظ والإضافات الواردة في نصوص المتشابه، وهي قضية خاسرة كما سنبين.

 

أهل السنة الأشاعرة شهادة علماء الأمة وأدلتهم
قاعدة عظيمة في نصوص المتشابه
 
Top