رأي شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني في الإبانة والأشعري

صفحة 69

وقال أيضاً رحمه الله تعالى (تبيين كذب المفتري ص389):

(ولم يزل كتاب الإبانة مُستصوباً عند أهل الديانة، وسمعت الشيخ أبا بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن بشار البوشنجي المعروف بالخسروجـردي الفقيه الزاهد يحكي عن بعض شيوخه أن الإمام أبا عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الصابوني النيسابوري ما كان يخرج إلى مجلس درسه إلا وبيده كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري، ويظهر الإعجاب به، ويقول: ماذا الذي يُنكر على من هذا الكتاب شرح مذهبه.[1] فهذا قول الإمام أبي عثمان وهو من أعيان أهل الأثر بخراسان.) اهـ.

فانظر إلى قدر كتاب الإبانة وصاحبه عند أعلام الأمة، فهذا شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى وهو من هو جلالة وعلماً وزهداً[2] يثني هذا الثناء العاطر على الإمام أبي الحسن وكتابه الإبانة، ومنه تعلم أن شيخ الإسلام أبا عثمان الصابوني أيضاً كان على طريق

صفحة 70

الإمام الأشعري، كيف لا وقد تولّى تربيته وتهذيبه الإمام أبو الطيب سهل بن أبي سهل الصعلوكي، وهو – أبو الطيب – من طبقة أصحاب أصحاب الإمام الأشعري، أي من الطبقة الثانية، وكان يحضر مجالس أبي عثمان أئمةُ الوقت كالأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني والأستاذ الإمام أبي بكر بن فورك وسائر الأئمة، وهؤلاء من أعلام أمة الإسلام من السادة الأشاعرة، وثناؤهم عليه وثناؤه عليهم يدلّ على أنهم على طريق واحد رحمهم الله تعالى ورضي عنهم. (انظر ترجمة شيخ الإسلام الصابوني في تاريخ مدينة دمشق 9/ 3، سير أعلام النبلاء 18/ 40، الطبقات الكبرى للتاج السبكي 4/ 271).

بعد كل ما مَرَّ، وبعد كل هذه الأدلة، هل يصح وفقاً للمنهج العلمي للبحث أن تهمل جميع هذه البراهين التاريخية والعقلية والعلمية، ثم يؤخذ بكلام استنباطي لا يرقى إلى مستوى الظن، وليس له ما يؤيده من النقل والعقل؟!

ولو بالغنا واعتبرنا ما اعتمدت عليه هذه الدعوى دليلاً لما أمكن الأخذ به علمياً لأن الدليــل متى ما تطرق إليه الاحتمال كساه ثوب الإجمال وسقط به الاستدلال، كما هو مقرر في علم الأصول، هذا إذا تطرق إلى الدليل الاحتمال مجرد تطرق، فكيف يكون الحال إذا قارب هذا الاحتمال حَدَّ اليقين كما مَرَّ من أدلـة تحريف الإبانة؟!

بيد أننا سنبالغ في الافتراض ونقول: هَبْ – جدلاً – أن كتاب الإبانة المتداول غير محرَّفٍ، وأنه ثابت النسبة إلى الإمام الأشعري، وأنه قد رجع فعلاً عن ما كان يعتقده من التـنـزيـه. فهل يلزم الأمة أن

صفحة 71

تتابعه في هذا الأمر؟!

إن من يعتقد ذلك يسيء الظن بعقول أكثر من عشرة قرون من العلماء والأئمة، وينسبهم إلى التقليد الأعمى في العقائد، ويغيب عنه أن الأمة نُسِبت إلى الإمام الأشعري من حيث كونه وقف حاملاً لواء السنة على طريق السلف في وجه أصحاب البدع والأهواء، لا لأنهم قلّدوه في ما ذهب إليه، فمتى ما رجع عن اعتقاده رجعوا!

قال الإمام تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى (الطبقات الكبرى 6/ 145): إن كان هؤلاء [يعني أئمة الأشاعرة] أغماراً والأشعري يخلبهم، فليس بعد الأنبياء والصحابة فطن. فيالله والمسلمين) اهـ.

فهم في الحقيقة منتسبون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح، وما الإمام الأشعري رحمه الله وغيره من أئمة أهل السنة إلا أدلّاء على الطريق، ومن يروج لمثل هذه الدعاوى يريد أن يقول بلسان الحال إن لم يكن بلسان المقال إن هذا الذي رجع عنه الإمام لو كان حَقّاً ما رجع عنه! فالحق عنده يعرف بمن قال به وتبناه وليس بما اعتضد به من أدلة وبراهين! وهل أُتِيَ من أُتِيَ إلا من قبل هذا الأمر الذي هو تعظيم الكبراء إلى الحَدِّ الذي أعمى أعينهم عن الأخطاء، فاتبعوهم مقلدين لهم في أخطائهم معتقدين أنها هي الحق الذي لا يأتيه الباطل ولا يتطرق إليه.

ولله دَرُّ الإمام ابن الجوزي ما أصدق عبارته فقد أصاب المَحَزّ وَطَبَّقَ المفصل حيث قال (صيد الخاطر ص187):

(قد قال أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: من ضِيْقِ علم الرجل أن

صفحة 72

يقلد في دينه الرجال. فلا ينبغي أن تسمع من مُعَظَّمٍ في النفوس شيئاً في الأصول فتقلده فيه، ولو سمعت عن أحدهم ما لا يوافق الأصول الصحيحة، فقل: هذا من الراوي، لأنه قد ثبت عن ذلك الإمام أنه لا يقول بشيء من رأيه. فلو قدَّرنا صحته عنه فإنه لا يُقَلَّدُ في الأصول، ولا أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهما. فهذا أصلٌ يجب البناء عليه، فلا يهولنَّك ذكرُ معظَّمٍ في النفوس) اهـ.

لقد أطنبنا في مناقشة هذه القضية، وما كنا لنفعل ذلك لولا أن تمسك بها البعض واعتبرها أمراً مسلَّماً ثم ذهب يبني عليها ويؤسس، فاقتضى الأمر التفصيل، وإلا فإن القضية أهون من ذلك بكثير، إذ كان يكفينا مؤنة النقاش القول المأثور (البينة على من ادعى) ولا بينة ثَمَّ ولا قرينة.

ومهما عَظُمَ قدرُ القائل بهذه الدعوى فإنه لن يغير من شأن الحقيقة شيئاً، لأن أي دعوى إنما هي تبعٌ للبراهين والأدلة التي تثبتها فتكون حقيقة أو تنفيها فتكون خطأً ووهماً يجب الرجوع عنه، وكلٌّ يؤخذ منه ويردُّ عليه إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم، والحق أحق وأثمن ما يطلبه المسلم.

وإذ علمت هذا – وفقنا الله تعالى وإياك – فَدَعْ عنك من قال إذ الحق لا يعرف بالرجال، ولكن اعرف الحق تعرف أهله، وعليك بما قيل إن كان حقاً، وإلاّ فالرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل.

  1. [1] وهذا المذهب هو ما كان عليه ابن كلاب لأن الإبانة مؤلفة على طريقته، وعليه يمكن أن نعتبر ثناء شيخ الإسلام الصابوني هذا على الإبانة وأبي الحسن ثناءً على ابن كلاب – ضمناً – لينضم إلى أقوال الأئمة السابقة في الثناء عليه وتزكيته.
  2. [2] قال عنه التاج السبكي: الملقب بشيخ الإسلام، لقبه أهل السنة في بلاد خراسان، فلا يعنون عند إطلاقهم هذه اللفظة غيرَه.
أهل السنة الأشاعرة شهادة علماء الأمة وأدلتهم
رأي شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني في الإبانة والأشعري
 
Top