تنبيه مهم

صفحة 241

تنبيه

شبهة تتردد على ألسنة المثبتين لظواهر نصوص المتشابه، وهي:

إثبات المعاني الإجمالية لهذه النصوص لا ينفي إثبات الصفة الواردة في النص، مثال ذلك قول الله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} يقولون: نحن لا ننكر أن النص يفيد إثبات الجود والكرم له تعالى ونفي البخل عنه، فإن معنى بسط اليد مشهور عند العرب، بيد أن هذا لا ينفي إثبات صفة اليد لله تعالى. وقس على هذا جميع النصوص الواردة في الصفات. كالساق في قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} فمعنى شدة الأمر والكرب الذي حملت عليه الآية لا ينفي أن لله ساقاً حقيقية. وهكذا. هذا تقرير هذه الشبهة.

وفي جوابها نقول:

إن أريد بإثبات الصفات إثباتها على ما جاءت دون تفسير ولا تعيين معنى وإنما يكتفى بتلاوتها والسكوت عليهـا، وذلك – قطعاً – بعد صرفها عن ظاهرها المحال في حق الله تعالى ولا يقال بالذات أو

صفحة 242

حقيقة، فذلك حق لا ريب فيه، وهو ذاته مذهب السلف الصالح، وهو لا ينافي – كما مر معنا – مذهب الخلف، وشرح هذا على المثـال الذي ضربناه أن يقال: جاء في النص أن لله تعالى يدين، إذاً نثبت لله تعالى يدين ليستا بجارحتين، ثم نسكت، ونفوض العلم بالمراد إلى الله تعالى، فهذا مسلك لا اختلاف في صحته، وهو بعينه مسلك السلف الصالح، أما إن أريد بالإثبات حملُها على ظاهر اللفظ المحال وعلى الحقيقة اللغوية المعهودة فهو باطل قطعاً، ولقد نقلنا عن علماء الأمة ما يدحضه وينفيه فلا نعيده.

على أننا نقول: ليس كل ما يضاف إلى الله تعالى يراد به إثبات صفة لله تعالى، إذ قد تكون الإضافة من باب المشاكلة والمقابلة كالاستهزاء والمكر والخداع وما جرى هذا المجرى، فلا يثبت بما كان من هذا القبيل من الألفاظ صفة لله تعالى، كأن يقال لله مكر يليق به أو استهزاء يليق به، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، ومن ذلك أيضاً ما كان صفة نقص كالملل والنسيان والمرض والتعجب والتردّد ونحو ذلك، فكل هذا وأمثاله الله تعالى منزه عنه بالإجماع، فلا يوصف الله تعالى بشيء من ذلك، ومنه أيضاً ما كان مشهوراً في معنى مجازي كلفظ الجنب والأصبع ونحوه، فهذا وبابه لا خلاف في حمله على ما اشتهر فيه.

نقل الحافظ ابن حجر عن ابن دقيق العيد (فتح الباري 13/ 395) ما نصّه:

(نقول في الصفات المشكلة أنه حق وصدق على المعنى الذي

صفحة 243

أراده الله، ومن تأوّلها نظرنا فإن كان تأويله قريباً على مقتضى لسان العرب لم ننكره عليه، وإن كان بعيداً توقفنا عنه ورجعنا إلى التصديـق مع التنزيه، وما كان منها معناه ظاهراً مفهوماً من تخاطب العرب حملناه عليه، مثل قوله تعالى: {عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} فإن المراد به في استعمالهم الشائع حق الله فلا يتوقف في حمله عليه، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم: “إن قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن”.

فإن المراد به إرادة قلب ابن آدم مصرفة بقدرة الله وما يوقعه فيه، وكذا قوله تعالى: {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ} معنـاه خرب الله بنيانهـم، وقوله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} معنـاه لأجـل الله، وقس على ذلـك، وهو تفصيـل بالغ قلّ من تيقظ له) اهـ.

وقال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى (تعريف عام بدين الإسلام ص82):

(إذا كانت اللغات تعجز عن الإحاطة بالمشاعر الإنسانية وتضيق عنها، فهي عن أن تحيط بصفات الله أعجز وأضيق، فلا يجوز إذن أن تفهم الكلمات الواردة في آيات الصفات بالمعنى “القاموسي”، ولا يجوز أن نقول: إن لله يداً كأيدينا لقوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} ولأن معنى اليد في “القاموس” يدل على ذلك. هذا هو الأساس في فهم آيات الصفات، لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ولأن الخالق لا يشبه المخلوق.

ولا يجوز كذلك أن ننفي عنها كل معنى، وأن نعطلها من الدلالة.

صفحة 244

فالله لم ينزل القرآن ليعطل عن معانيه، ولم يجعله ألفاظاً جوفاء لا تدل على شيء.

فكيف إذن نفهم آيات الصفات؟

لقد وجدت أن هذه الآيات على ثلاثة أشكال:

1- آيات وردت على سبيل الإخبار من الله كقوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} فنحن لا نقول: إنه ما استوى، فنكون قد نفينا ما أثبته الله، ولا نقول: إنه استوى على العرش كما يستوي القاعد على الكرسي، فنكون قد شبهنا الخالق بالمخلوق، ولكن نؤمن بأن هذا هو كلام الله، وأن لله مراداً منه لم نفهم حقيقته وتفصيله، لأنه لم يبين لنا مفصلاً، ولأن العقل البشري يعجز عن الوصول إلى ذلك بنفسه، ولا نخوض فيه بل نتبع فيه طريق السلف، والسلف لم يبحثوا فيه أصلاً، ولم يقولوا “حقيقة” ولم يقولوا “مجازاً”.

2- آيات وردت على الأسلوب المعروف عند علماء البلاغة بالمشاكلة… والآيات الواردة على هذا الأسلوب كثيرة، كقوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}… ومن أمثالها آية: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} وآية: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}.

3- آيات دلّت على المراد منها آيات أخرى، كقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} تدل على المراد منها آية: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} ويفهم منها أن بسط اليد يراد به الكرم والجود

صفحة 245

ولا يستلزم ذلك “بل يستحيل” أن يكون لله تعالى يدان حقيقيتان كأيدي الناس وقد جاء في القرآن قوله: {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} و{بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}. والقرآن {لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} وليس للرحمة ولا للعذاب ولا للقرآن يدان حقيقيتان) اهـ.

ومما هو جدير بالتنبيه عليه والتحذير منه ذلك المنهج الغريب والمسلك الشاذ عن أصول المنهج العلمي لا سيما في مجـال العقيدة وأبواب الصفات التي نيطت بالقطعي واليقيني من الأدلة، ذلك المنهج الذي طفق أصحابه يثبتون صفات لله تعالى بأحاديث وآثار لا تصلح أن تكون دليلاً في جزئيات فروع الفقه فضلاً عن أصول الديانات وما يتعلق منها بذات الله تعالى وصفاته، وهؤلاء متناقضون في أحكامهم أشد التناقض وأصرحه، فبينما هم يتساهلون هنا في جانب الإثبات، ويثبتون لله تعالى الصفات بأحاديث واهية وأخبار ضعيفة،[1] تراهم يتشددون في جانب الفروع الفقهية، بل أبواب الترغيب والترهيب وأبواب فضائل الأعمال – هذه الأبواب التي تساهل العلماء في قبول الأحاديث فيها بالشروط المعروفة – وينكرون على الناس العمل بالأحاديث الضعيفة في هذه الأبواب، ثم يثبتون لله تعالى صفات بمثل هذه الأحاديث التي أنكروها، بل

صفحة 246

أضعف منها وأوهى، فيتشدّدون في مواطن التسهيل ويتساهلون في المواطن التي يجب التشدد والتيقن فيها مثل العقائد، هذا مع افتراضنا أن مضمون هذه الأحاديث والآثار التي يثبتون بها لله تعالى الصفات مما لا يحيله العقل والنقل، فكيف والأمر على النقيض من ذلك ومضمونها وظواهرها مما قطعت العقول الصريحة والنقول الصحيحة باستحالته وتنزه الله تعالى عنه.

لا شك أن البلية في هذه الحال تكون أطمّ والخطر أعظم.

ولقد نقلنا قبل عن الإمام الأبي في شرحه على صحيح مسلم (7/ 54) قاعدة ذهبية في أبواب الصفات، لا بأس بإعادتها لتستقر في الأذهان والعقول.

قال رحمه الله تعالى:

(القاعدة التي يجب اعتبارها أن ما يستحيل نسبته للذات أو الصفات يستحيل أن يرد متواتراً في نص لا يحتمل التأويل، وغاية المتواتر أن يرد فيما دلالته على المحال دلالة ظاهرة، والظاهر يقبل التأويل، فإن ورد يجب صرف اللفظ عن ظاهره المستحيل، ثم اختلف فوقف أكثر السلف عن التأويل، وقالوا نؤمن به على ما هو عند الله سبحانه في نفس الأمر، وَنَكِلُ علم ذلك إلى الله سبحانه، وقال قوم بل الأولى التأويل.. وإن ورد خبر واحد نَصّاً في محال قطع بكذب راويه، وإن كان محتملاً للتأويل يتصرف فيه كما سبق) اهـ.

ومضمون هذه القاعـدة مما اجتمعت عليه عقول أعلام الأمة

صفحة 247

وأئمـة المسلميـن والعارفين بالله، وهذا مما يدل يقيناً على خطأ هؤلاء المجازفين.

قال الحافظ ابن الجوزي – رحمه الله تعالى – (دفع شبه التشبيه 155):

(لا تنفع ثقة الرواة إذا كان المتن مستحيلاً، وصار هذا كما لو أخبرنا جماعة من المعدّلين: بأن جمل البزاز دخل في خرم إبرة الخياط، فإنه لا حكم لصدق الرواة مع استحالة خبرهم) اهـ.

وبهذا نختم هذا الباب، ونمسك القلم عن الإسهاب، لننتقل إلى باب آخر من الحديث نثبت فيه كون الأشاعرة والماتريدية غالب الأمة المحمدية، وعلى الله التكلان.

  1. [1] بل حتى ولو صح الحديث وكان من أحاديث الآحاد وكان مضمونه مناقضاً لقواطع العقول ولم يمكن تأويله على وجه يتفق مع هذه القواطع وجب ردُّه وعدم الأخذ به.
أهل السنة الأشاعرة شهادة علماء الأمة وأدلتهم
تنبيه مهم
 
Top