الفرق بين صفات المعاني ونصوص المتشابه في الصفات

صفحة 193

إن الفرق الذي بين الألفاظ التي تدل على الأجسام وما إليها وبين الألفاظ التي تدل على المعاني كبير وشاسع.

فالأولى منها أول ما يتبادر إلى الذهن عند سماعها العضو والجسم الذي وضعت للدلالة عليه، فإذا أضيف ذلك اللفظ إلى الله تعالى قطع العارف بالله أن ذلك المعنى المتبادر والظاهر من اللفظ محال هنا ومنفي عن الله تعالى وإنما سيق الكلام على سبيل الاستعارة والمجاز، وذلك كلفظ (اليد، والأصبع، والقدم، والساق، والوجه، والضحك، والاستواء، والنزول) ونحوها من الألفاظ التي ترجع حقائقها المتبادرة منها إلى الحس.

أما الثانية منها وهي التي ترجع إلى المعنى مثل القدرة والإرادة والسمع والبصر ونحوها فلا يلزم من حملها على ظاهرها وحقيقتها مشابهة لأنها معانٍ مجردة وحقائقها واسعة، فإذا أضيفت للخالق كان لها حقيقة لائقة به تعالى، وإذا أضيفت للمخلوق كانت لها حقيقة

صفحة 194

لائقة به ولهذا السبب لم يضطر علماء الأمة إلى صرفها عن ظاهرها.

ومما يعضد هذا القول أنه لم ينقل عن أحد من السلف الصالح رضوان الله عليهم أنه قال في شيء من صفات المعاني أمرّوها بلا كيف، أو لا تفسر ولا تكيف… الخ. وما هذا إلا لفطنتهم لهذا الفارق بين النوعين من الألفاظ، والأمر واضح وبيِّن لمن كان له شيء من الاطلاع على علوم اللغة.

وانظر إلى قول الإمام أحمد رضي الله عنه كما جاء في عقيدته المروية عنه في طبقات الحنابلة (2/ 291):

(إن لله تعالى يدين، وهما صفة له في ذاته، ليستا بجارحتين وليستا بمركبتين ولا جسم، ولا من جنس الأجسام، ولا من جنس المحدود والتركيب، ولا الأبعاض والجوارح، ولا يقاس على ذلك، ولا له مرفق ولا عضد، ولا فيما يقتضي ذلك من إطلاق قولهم: يد، إلا ما نطق به القرآن الكريم أو صحَّت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم السنة فيه) اهـ.

فقد نفى الإمام أحمد رضي الله عنه كُلَّ ما يعلق باللفظ من الظواهر الباطلة من الجوارح والأبعاض والتركيب ونحوها، وأوضَحَه بقوله: (ولا فيما يقتضي ذلك من إطلاق قولهم: يـد) أي كُلُّ ما يقتضيه إطلاق لفظ اليد من هذه المعاني التي مَرَّتْ من الجارحة والجسم ونحوه، كلُّه منفيٌّ عن رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ، وانظر إلى قوله (يقتضي) لتعلم أنه يلزم من إطلاقها تبادر تلك المعاني الباطلة، والاقتضاء هو الطلب؛ كأن هذه الألفاظ تطلب هذه المعاني الحسية

صفحة 195

الجسمانية وتستدعيها إلى الذهن بمجرد الإطلاق.

 

أهل السنة الأشاعرة شهادة علماء الأمة وأدلتهم
الفرق بين صفات المعاني ونصوص المتشابه في الصفات
 
Top