الخلاف في الفروع العقدية

صفحة 141

أما الفروع العقدية وهي ما سوى هذين القسمين مثل جزئيات العقيدة ونمثل لها هنا بما حدث بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من اختلاف في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة عرج به إلى السماء، فأثبتها بعضهم كابن عباس، ونفاها البعض كأم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنهم أجمعين، وكتعذيب الميت ببكاء أهله عليه، فأثبته بعضهم ونفاه آخرون. وغير ذلك من المسائل الجزئية الغيبية، ويلحق بهذا النوع من الاختلاف المشروع الذي حدث بين سلف الأمة الطيب الاختلاف في تفويض المتشابهات وتأويلها، فقد نقل العلماء عن السلف أن جمهورهم كان على مذهب التفويض وعن جماعات منهم أنهم أخذوا بالتأويل من هؤلاء – نعني الذين قالوا بالتأويل – سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من الصحابة وأكابر التابعين وتابعيهم.

فإن الخلاف في هذا النوع من القضايا لا يترتب عليه شيء قطعاً، إذ لم ينقل عن الصحابة أو السلف عموماً أنهم ضللوا بعضهم بعضاً بسبب شيء من ذلك خصوصاً وأن اختلافهم في مثل هذه القضايا مستفيض مشهور.

وما حدث بين طوائف أهل السنة من اختلاف في بعض المسائل ملحق بهذا النوع من الاختلاف، نحو ما حدث بين الأشاعرة والماتريدية، فكله لا يستلزم تضليلاً ولا تبديعاً.

صفحة 142

قال الحافظ بن عساكر – رحمه الله تعالى – (تبين كذب المفتري ص409):

(الأصحاب مع اختلافهم في بعض المسائل كلهم أجمعون، على ترك تكفير بعضهم بعضاً مجمعون، بخلاف من عداهم من سائر الطوائف وجميع الفرق، فإنهم حين اختلفت بهم مستشنعات الأهواء والطرق كفر بعضهم بعضاً، ورأى تبرِّيه ممن خالفه فرضاً) اهـ.

وقال الإمام تاج الدين السبكي – رحمه الله تعالى – (طبقات الشافعية 3/ 378):

(تفحصت كتب الحنفية فوجدت جميع المسائل التي بيننا وبين الحنفية خلاف فيها ثلاث عشرة مسألة، منها معنوي ست مسائل، والباقي لفظي، وتلك الست المعنوية لا تقتضي مخالفتهم لنا ولا مخالفتنا لهم فيها تكفيراً ولا تبديعاً صرح بذلك الأستاذ أبو منصور البغدادي وغيره من أئمتنا وأئمتهم وهو غني عن التصريح لظهوره) اهـ.

وقال العلامة ملا علي القاري – رحمه الله تعالى – (مرقاة المفاتيح 1/ 206):

(وما وقع من الخلاف بين والماتريدية والأشعرية في مسائل فهي ترجع إلى الفروع في الحقيقة، فإنها ظنيات فلم تكن من الاعتقادات المبنية على اليقينيات، بل قال بعض المحققين إن الخُلْفَ بينهما في الكل لفظي) اهـ.

صفحة 143

بهذا يتبين خطأ الذين يسارعون في تضليل مخالفيهم وتبديعهم معممين لأحكامهم وغير مراعين لنوع القضايا التي يقع فيها الخلاف، لا سيما المسائل التي نقل عن السلف الطيب خلاف فيها دون إنكار من بعضهم على بعض.

ويتبين أيضاً مجازفة أولئك الذين يضللون الأشاعرة والماتريدية جهلاً ودون روية، متجاهلين كل النصوص المنقولة عن علماء الأمة بالتنويه بفضلهم، ومتجاهلين أيضاً كون قضية التفويض والتأويل التي يضللونهم بسببها منقولة عن الصحابة والسلف الطيب، وأنها من نوع المسائل التي لا يترتب عليها ضلال أو بدعة.

أهل السنة الأشاعرة شهادة علماء الأمة وأدلتهم
الخلاف في الفروع العقدية
 
Top