التفويض والتأويل

صفحة 144

التفويض والتأويل

التفويض: مأخوذ من قولهم فوض إليه الأمر. أي ردّه إليه.

والمعنى الشرعي لا يخرج عن المعنى اللغوي، فهو شرعاً: رَدُّ العلم بهذه المتشابهات إلى الله تعالى وعدم الخوض في معناها وذلك بعد تنزيه الله تعالى عن ظواهرها غير المرادة للشارع.

والتأويل: أصله من الأَوْلِ وهو الرجوع.

وهو شرعاً: صرف اللفظ عن الظاهر بقرينة تقتضي ذلك.

وهذان المذهبان كما أسلفنا هما المذهبان المعتبران المأثوران عن أهل السنة والجماعة في أبواب المتشابه، ولا اعتبار لمن جنح إلى التعطيل أو التشبيه من المذاهب الأخرى التي رفضتها الأمة ولفظتها.

· انحصار الحق في التفويض والتأويل:

هذه النصوص المتشابهة في الصفات إما أن تُثبت أو تُنفى، ونفيها تعطيل ظاهر، لأنه نفيٌ لما أثبت الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فمثلاً يقول الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} فيأتي المعطل ويقول: إنه غير مستوٍ أو أن يقول الله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} فيقال ليس لله يدان. وهذا بيِّن البطلان لأنه نفي لما أثبت الله تعالى والعياذ بالله.

صفحة 145

أما الإثبات فإما أن يكون معه حمل الكلام على ظاهره وحقيقته التي يعهدها البشر، أو يصرف الكلام معه عن هذا الظاهر وهذه الحقيقة، والأول نعني حملَ الكلام على الظاهر والحقيقة يفضي قطعاً إلى التشبيه، لأن حقائق وظواهر هذه الألفاظ أجسام وكيفيات مخلوقة عبَّر بها المخلوق عما يراه من عالمه المخلوق، والله تعالى منزه عن ذلك.

ولا يقال: نحملها على الظاهر ونفوض العلم بالكيفية إلى الله تعالى. لأن هذا القول تناقض صريح أوقعت فيه الغفلة، إذ ليس من ظاهر ولا حقيـقة هنـا إلا الجسم، وهذا لا يصح قطعاً وصف الله تعالى به، وهذه الكيفية التي فُوِّضَ العلم بها إلى الله تعالى هي ذاتها المعنى الذي زعموا إثباته، لأن معاني هذه الألفاظ كيفيات، فإن أُثبِت المعنى فقد أُثبتت الكيفية، وإذا فُوضت الكيفية فقد فُوض المعنى. لهذا قلنا إنه تناقض أوقعت فيه الغفلة.

بقي القسم الأخير الذي هو صرف الكلام عن الحقيقة والظاهر، ثم بعد صرفه عن الظاهر إما أن يُتوقفَ عن التماس معنى له ويوكلَ العلمُ به إلى الله تعالى، وهذا هو التفويض الذي عليه جماهير السلف الصالح، أو يلتمسَ له معنى لائقٌ بالله تعالى حسب مناحي الكلام عند العرب وما تسيغه لغتهم، وهذا هو التأويل الذي عليه خلف الأمة وجماعات من سلفها الصالح.

بهذين المذهبين تنحصر القسمة الصحيحة في هذه القضية.

لهذا نرى العلماء ينصّون عندما يعرض لهم شيء من هذه

صفحة 146

المتشابهات على أنه (إما تفويض وإما تأويل) إذ ليس بعدهما إلا التشبيه أو التعطيل.

 

أهل السنة الأشاعرة شهادة علماء الأمة وأدلتهم
التفويض والتأويل
 
Top