الأشاعرة يثبتون الصفات وينفون لوازمها الباطلة

صفحة 195

وقال أيضاً رضي الله عنه في صفة الاستواء: (ولا يجوز أن يقال: استوي بمماسَّة ولا بملاقاة، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً) اهـ.

وهذا نَصٌّ في نفي الظاهر المتبادر من إطلاق اللفظ، وهو ما يقول به الأشاعرة، فيثبتون لله تعالى يدين ووجهاً وعيناً وأنه تعالى استوى على عرشه كما قال سبحانه مخبراً عن نفسه، يثبتون كل ما أثبته تعالى لنفسه وأثبته رسوله صلى الله عليه وسلم له وينزهونه عن ظواهر هذه الألفاظ مما يعهده الخلق من أنفسهم وما يفهمونه من لغاتهم التي وضعوها لأجل التعبير بها عما يحتاجون إليه من شؤونهم، والله متعالٍ عن كل ذلك.

ولعل قائلاً يقول:

إنكم حين نفيتم الظواهر عطَّلتم ما أثبته الله تعالى لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليـه وسلم.

فنقول: نحن إنما نفينا الظواهر ونزهنا الله تعالى عنها، وليس الظاهر – قطعاً – هو مراد الله تعالى ومراد رسوله عليه الصلاة والسلام، بل إن هذه الظواهر باتفاق السلف والخلف منفية عن الله تعالى عقلاً ونقلاً.

ونحن نفينا هذه الظواهر ولم ننفِ الصفة التي أثبتها الله تعالى لنفسه، فلم يَقُلْ أحد من أهل السنة أن الله تعالى ليس له يدان أو ليس له عين أو غير مستوٍ على عرشه، كلا، بل قالوا لله تعالى يدان ولكن يده تعالى ليست بجارحة، وهذا قول السلف كما مَرَّ عن الإمام

صفحة 196

أحمد، ولله تعالى وجه وهو ليس بجارحة أو صورة أو جسم، وهو قول السلف كما في عقيدة الإمام أحمد (أن لله عز وجل وجهاً لا كالصور المصورة والأعيان المخططة..) (ص103)، ولله تعالى عين ليست بجارحة، والله تعالى استوى على عرشه استواءً لائقاً به تعالى ليس بمماسة ولا بملاقاة، وهذا الذي قاله الإمام أحمد كما مَرَّ، وهكذا، فتراهم يثبتون ما ثبت بالكتاب والسنة الصحيحة وينزهون الله تعالى عن الظاهر الذي يُفهَم من اللفظ بيـن الخلق، وحين يُستبعد الظاهر والحقيقة اللغوية المتبادرة من اللفظ لا يبقى إلا المجاز، فترى جمهور السلف لاحتمال اللفظ أكثر من معنى لديهم يتوقفون عن تعيين أحدها مكتفين بالفهم الإجمالي للفظ حسب موطنه من الكلام، فيفهمون من قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} أن الله تعالى جوادٌ كريم لا تفنى خزائنه ولا ينقطع عطاؤه، ويفهمون من قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} النصرة والثواب، وهكذا، لكن جمهورهم لم ينطق بهذه المعاني، لوضوحها عندهم وعدم الحاجة إلى التصريح بها لخلوِّ عصرهم مما يقتضي ذلك، بيد أن هذا لم يمنع البعض منهم رضي الله عنهم من التصريح ببعض هذه المعاني كما سيأتي معنا في مبحث تأويلات السلف.

على أننا نقول: إن الله تعالى هو من علمنا كيف ننزهه وننفي عنه كُلَّ ما لا يليق بذاته العلية من هذه الظواهر، كما جاء في الحديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم في فضل عيادة المريض والذي يقول فيه الرب تعالى لعبده يوم القيامة: (عبدي مرضت فلم تعدني…

صفحة 197

عبدي استطعمتك فلم تطعمني… عبدي استسقيتك فلم تسقني) كل ذلك والعبد يقول: (رب كيف أعودك وأنت رب العالمين… رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين.. رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين) فإنه عندما استحال في عقل العبد الذي ينزه مولاه عن صفات المخلوقين وسمات الأجسام وعوارض النقص والآفات أن يمرض ربه ويعوده على الحقيقة وأن يستطعم ويستسقي على الحقيقة سأل (رب كيف.. وأنت رب العالمين) أي أن حقائق هذه الألفاظ لا تليق به تعالى وهي محالة قطعاً في حقه، وما دامت منفية الظاهر والحقيقة فهي عنده بلا معنى مفهوم. ولهذا سأل (رب كيف)، وهذا شأن كل لفظ من هذه الألفاظ التي من هذا القبيل عندما يستحيل معناه الظاهر والحقيقي يستفسر عن المـراد منـه بـ(كيف)، وهذا الذي حدث من بعض العوام في الصدر الأول حين أخذوا يسألون عن مثل هذه الألفاظ: كيف استوى؟ كيف ينزل؟ كيف يضحك؟ فنهاهم علماء السلف عن الاستفسار عن معانيها بقولهم (بلا كيف) وألزموهم تنزيه الله تعالى عن ظواهرها ثم السكوت بعد الإيمان بأن الله تعالى ليس كمثله شيء.

قال الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى (الإشارة إلى الإيجاز ص7):

(وأما قوله عليه السلام حكاية عن رَبِّهِ “مرضت فلم تعدني واستطعمتك فلم تطعمني واستسقيتك فلم تسقني” فيحمل على حذف المضاف تقديره مرض عبدي فلم تعدْه، واستطعمك عبدي

صفحة 198

فلم تطعمه، واستسقاك عبدي فلم تَسْـقِهِ… ويدلُّ على هذا أن الملوم لَمَّا قيل له استطعمتك فلم تطعمني. قال استبعاداً لذلك وتعجباً منه – لَمَّا لم يتفطن لحذف المضاف وإرادة الرب – كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ حملاً للكلام على ظاهره، فأظهر الرب سبحانه وتعالى مرادَه من تأويل كلامه فقال: “مرض عبدي فلم تعدْه واستطعمك عبدي فلم تطعمْه واستسقاك عبدي فلم تسْقه) اهـ.

وقوله: (حملاً للكلام على ظاهره) أي أن العبد قال ذلك مستبعداً له لمّا لم يتفطن لغيره من المعاني اللائقة بالله تعالى.

وقال العلامة ابن خلدون – رحمه الله تعالى – (المقدمة 3/ 1088، بتحقيق علي عبدالواحد وافي):

(إلى أن ظهر الشيخ أبو الحسن الأشعري وناظر مشيختهم – أي المعتزلة – في مسائل الصلاح والأصلح، فرفض طريقتهم وكان على رأي عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبي العباس القلانسي والحارث المحاسبي من أتبـاع السلف وعلى طريقة السنة فأيد مقالاتهم – يعني السلف – بالحجج الكلامية وأثبت الصفات القائمة بذات الله تعالى من العلم والقدرة والإرادة… وكان من مذهبهم إثبات الكلام والسمع والبصر، لأنها [يعني هذه الصفات][1] وإن أوهم ظاهرها النقص بالصوت والحرف الجسمانيين، فقد وجد للكلام عند العرب مدلول آخر غير الحروف والصوت وهو ما يدور في الخلد والكلام حقيقة فيه

صفحة 199

دون الأول… وأما السمع والبصر [فإنه] وإن كان يوهم إدراك الجارحة فهو يدلُّ لغةً على إدراك المسموع والمبصر وينتفي إيهام النقص حينئذ لأنه حقيقة لغوية فيهما) اهـ.

هذا فيما يتعلق بصفات المعاني، أما الصفات الأخرى التي يريد هؤلاء التسوية بينها وبين صفات المعاني وذلك بقولهم يجب إثبات حقائقها ومعانيها الظاهرة كما هو الحال في صفات المعاني فيقول العلامة ابن خلدون عنها:

(وأما لفظ الاستواء والمجيء والنزول والوجه واليدين والعينين[2] وأمثال ذلك، فعدلوا عن حقائقها اللغوية لما فيها من إيهام النقص بالتشبيه إلى مجازاتها على طريقة العرب حين تتعذر حقائق الألفاظ، فيرجعون إلى المجاز، كما في قوله تعالى: {يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} وأمثاله، طريقة معروفة لهم غير منكرة ولا مبتدعة) اهـ.

ثم قال موضحاً سبب أخذ الخلف بالتأويل: (وحملهم على هذا التأويل وإن كان مخالفاً لمذهب السلف في التفويض أن جماعة ارتكبوا في محمل هذه الصفات فحملوها على صفات ثابتة لله تعالى مجهولة الكيفية فيقولون في {اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ}، نثبت له استواء بحيث مدلول اللفظ [أي على الحقيقة] فراراً من تعطيله، ولا نقول بكيفيته فراراً من القول بالتشبيه الذي تنفيه آيات السلوب من قوله

صفحة 200

تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} {تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} ولا يعلمون مع ذلك أنهم ولجوا من باب التشبيه في قولهم بإثبات استواءٍ [يعني ظاهره اللغوي وحقيقته المعهودة عند الخلق] والاستواء عند أهل اللغة إنما موضوعه الاستقرار والتمكن وهو جسماني. وأما التعطيل الذي يشنعون بإلزامه وهو تعطيل اللفظ – أي ظاهره – فلا محذور فيه وإنما المحذور في تعطيل الإله[3]… ثم يدعون أن هذا مذهب السلف، وحاشا لله من ذلك، وإنما مذهب السلف ما قررناه أولاً من تفويض المراد بها إلى الله والسكوت عن فهمها… ثم طردوا ذلك المحمل الذي ابتدعوه في ظواهر الوجه والعينين واليدين والنزول والكلام بالحرف والصوت يجعلون لها مدلولات أعم[4] من الجسمانية وينزهونه عن مدلول

صفحة 201

الجسماني منها، وهذا شيء لا يعرف في اللغة، وقد درج على ذلك الأول والآخر منهم، ونافرهم أهل السنة من المتكلمين الأشعرية والحنفية ورفضوا عقائدهم في ذلك) اهـ.

وهذا الذي قرره وحرره العلامة ابن خلدون هو ما أطبقت عليه الأمة.

فإن قيل: قول السلف (بلا كيف) و(أمروها كما جاءت) ونحو ذلك مما نقل عنهم، تفويض في الكيف إلى الله بعد إثبات المعنى الظاهر.

قلنا: إن نفي هذه المعاني الظاهرة متفق عليه عند جميع العارفين بالله تعالى، وقد ذكرنا قبل أن هذه الكيفيات المحسوسة مما يتنزه الله تعالى عنها ولا يجوز وصفه بها لأنها لوازم لا تنفك عن المعاني الظاهرة من هذه الألفاظ، وحاشا السلف الصالح أن يثبتوا لله تعالى ما يستحيل في حقه وهم أعرف الخلق كافة بالله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

  1. [1] ما بين الأقواس من عندنا لتوضيح العبارة.
  2. [2] لم يرد لفظ العينين في القرآن والسنة، فلعلَّ هذا من تصحيفات النساخ، والصواب الإفراد. قال تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي}. انظر ما مرَّ ص 61-62.
  3. [3] أي نفي صفاته تعالى كأن يقال: لم يستو أو غير مستو، أو ليس لله يدان أو وجه أو لا يغضب أو لا يحب ونحو ذلك مما وقعت به بعض الفرق المعطلة فهذا هو المحظور، أما نفي الظاهر المحال وإثبات الصفة التي أثبتها الله تعالى لنفسه أو أثبتها له رسوله عليه الصلاة والسلام فليس بمحظور، وهذا ما فعله أهل السنة الأشاعرة.
  4. [4] وهذا الذي ذكره العلامة ابن خلدون هو ما عنيناه بقولنا إن صفات المعاني لها مدلولات واسعة أعم من الجسمانيات لذا لم يضطر العلماء معها إلى صرفها عن مدلولها الظاهر، فهي لها مدلول خاص إذا أضيفت إلى الله تعالى ومدلول آخر إذا أضيفت إلى المخلوق، أما ألفاظ المتشابه فمدلولها الظاهر ضيق لا يفهم منه إلا الجسمانيات، ولهذا اضطر العلماء معها إلى الصرف عـن هـذا الظاهر فإما التفويض وإما التأويل وهذا بعينه ما أراده العلامة ابن خلدون في هذه العبارة فإنه لا يعقل – مثلاً – أن يقولوا لا نثبت لله تعالى جارحة ثم يحملون هذه الألفاظ على الظاهر فإنه لا ظاهر هنا إلا الجارحة والجسمانيات.
أهل السنة الأشاعرة شهادة علماء الأمة وأدلتهم
الأشاعرة يثبتون الصفات وينفون لوازمها الباطلة
 
Top